حرف جر

تأخذ كبة أم كبة تأخذك: كيف تتحرك اللغة بين الجماعات الثقافية؟

«كُبَّة» أخذت الإنجليز قبل أن يغرقهم المصريون بالدعوات، صورة من رواية «وقائع ما جرى في عام الطاعون الإنجليزية».

منذ فترة أهتم بحياة أمي، حياتها قبل مولدي، أو تحديدًا قبل أن تصل إلى مسقط رأسي. اهتمام يصل إلى حد الهوس بحكاياتها غير الكاملة في ذاكرتي، تلك التفاصيل المتعلقة بالحياة في الإسماعيلية (مسقط رأسها) قبل أن تنتقل إلى المحلة الكبرى مع المُهجَّرين عن المدينة عام 1967.

أكثر مشهد جذبني مؤخرًا في حكاياتها كان لسكان المدينة إذ يخرجون يوم «شم النسيم» حاملين دمية من القش تمثل اللورد «إدموند ألنبي» مرتديًا بزة عسكرية، ويطوفون المدينة بأغنية أشبه بالهتاف أن «يا عزيز يا عزيز.. كُبَّة تاخد الإنجليز».

كُنت أنوي كتابة قصة أمي كواحدة من 750 ألف مواطن هُجِّر قسريًّا عن مدينته تحت وطأة ظروف الحرب، أخذًا في الاعتبار أن كل القصص العظيمة تنطوي على رحلة ما. مثلًا لا تعتمد قصص الرسوم المتحركة على أنسنة الكائنات غير العاقلة والجمادات فقط، وإنما عمادها الأساسي هو الرحلة التي يمكن للإنسان خوضها إذا ما جاء بشكل الجمادات/الكائنات، السيارات، الأطعمة، الأسماك، الحيوانات. حتى المشاعر، فإذا ما امتلكت مشاعر إنسانية، ستخوض رحلة داخل الوعي والذكريات.

يمكننا القول إن كل القصص العظيمة تنطوي على هجرة ما، في التاريخ أو الميثولوجيا، وحتى في الأعمال الترفيهية لأفلام الرسوم المتحركة لا بد من رحلة. خُلِق العالم كما نعرفه عبر الهجرات، عبر رحلة خاضها إنسان إفريقيا الأول إلى أوراسيا، طبقًا لنظرية «الخروج من إفريقيا»، وانتشار البشري الحديث منتصب القامة «هوموسابيان» في جميع أنحاء العالم، ثم تَلَوُّن جيناته.

كذلك كان للرحلة في الميثولوجيا الدينية دور بارز في تشكيل فلسفات الأديان، بدءًا بهجرات بوذا في الهند، والنبي إبراهيم من المدينة إلى الصحراء، والرضيع عيسى مع أمه مريم، وموسى من مصر إلى فلسطين، وحتى هجرة المسلمين في بداية الدولة الإسلامية. لا بد من تجربة انتقال لصناعة حياة، يمكن لهذه الحقيقة أن تشمل هجرة آدم من الجنة إلى الأرض، وهجرة غلغامش في الميثولوجيا السومرية، وحتى هجرة السمكة الصغيرة عبر المحيط في الفيلم الكارتوني الشهير «Finding Nemo».

كمواطن شاب يملك منفذًا للإنترنت، انخرطتُ في بحث مطوَّل وراء ظروف رحلة أمي وملابساتها، لكن حازت أغنية الكبة التي تأخذ الإنجليز النصيب الأكبر من البحث، ووجدت أني أمام رحلتين لا واحدة: الأولى ينقصها معلومات كثيرة خاضتها أمي بين مدينتين، والثانية رحلة كلمة في الزمان بين أربعة قرون، وفي المكان من الشرق الأقصى إلى شرق مصر.

الراوي العليم الوحيد لقصة أمي هي أمي ذاتها، ولا سبيل إليها الآن. أما قصة «الكبة»، فلها رواة كثر، ولهم أثر عبر الإنترنت، إضافة إلى أن قصة شابة انتقلت تهجيرًا من مدينة إلى أخرى مكررة آلاف المرات باختلاف تفاصيل بسيطة، بينما تحمل الكلمة ذات الرحلة الطويلة والعمر الأطول تفاصيل فريدة أكثر تصلح لصناعة فيلم من إنتاج استوديوهات «بيكسار» التي تملك فيها الجمادات حياة ووعيًا ومشاعر إنسانية.

هجرة الكلمة الإنسان

صورة معروضة بمتحف «اللوفر» تصوِّر بونابرت في أثناء زيارته لمصابي الطاعون في يافا نهاية القرن الثامن عشر

لنفترض أننا بصدد إنتاج فيلم رسوم يحاكي أفلام «Pixar»، سنهب الحياة والمشاعر إلى جماد. هنا سيكون هو الكلمة، سنختار من بين الكلمات الكثيرة بطلًا مغمورًا، بل قد يكون «البطل الضد»، الـ«كُبًّة» ككلمة كريهة وسط كلمات محببة.

في البداية، كيف سنرسم ملامح هذه الكبة؟ أول صورة تستدعيها الكلمة في الذهن هي كف نصف منقبضة في الفراغ ترفعها سيدة خمسينية في إطار مشادة كلامية خفيفة مع ابتسامة صفراء.

هذه الصورة تقترب من المعنى قليلًا، لكنها ككلمة يصفها مجمع اللغة العربية في إصدار 1960، بأنها «الكُبّة/ الكِبَّة: تجمع كروي الشكل، يشبه اللفيفة، وهي أيضًا اللحم المضاف إلى القمح المطحون الذي يشبه الكرة، وكذلك هي غُدَّة تشبه الخرَّاج، وهي الطاعون أيضًا».

حسنًا، يمكننا الاستفادة من بلاغة الكلمة واختلاف نطقها وتشكيلها. ففي النهاية هذا فيلم كارتوني، والكلمة تملك حواس ومشاعر.

تعود «الكبة» إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتجد أجدادًا كثيرين، «كُبب» سوداء قاتمة، تتناقل سيرتها الألسنة ككرات سوداء تطيح بكثير من البشر.

سنرسم «الكبة» كرة حمراء باهتة بنقاط رمادية، متقلِّبة المزاج واللون، يتقلب مزاجها حسب نطقها، كلما كُسِرت اتخذت لون اللحم المطهو، وكلما ضُمَّت حزنت غضبت، وتحول لونها إلى لون الموت الأسود «الطاعون».

لن تكون الكلمة وحيدة، ستُلازمها كلمات مرسومة بنمطية، كرة أصغر قليلًا سنسميها «كُبيبة»، رائحتها طيبة، ولونها واحد. طوال الفيلم بلون اللحم المحمَّر. وكلمة «إنجليز» لونها «كاكي»، حادة الطباع بشارب إنجليزي مميز. «قبضاي» كلمة مفتولة العضلات بطاقية شامية وبشرة بيضاء، و«فتوة» مفتولة العضلات أيضًا بطاقية مصرية وبشرة قمحية. وعلى نفس السياق يمكن استخدام كلمات مثل «فلافل» و«طعمية».

الزمان مطلع أربعينيات القرن العشرين. والمكان مدينة كوزموبوليتانية عربية مثل بورسعيد، تضم ألوانًا وألسنةً متعددة من البشر ساكني القارات الثلاثة التي تطل عليها.

اقرأ أيضًا: بحثًا في أصل اللغة العربية: مصدرها وأقرب أقربائها من اللغات

الكبة: لا تشعر فقط، وإنما يمكنها السفر أيضًا

عقدة البطل في الفيلم ستكون اضطراب هوية «الكبة» ككرة لحم تملك صورة مهزوزة عن طبيعتها، ترتكب خطيئتها الأولى «الغضب»، وكلما غضبت تحولت إلى الأسود، ورحلتها التي يجب أن تخوضها يمكن تلخيصها بجمل رنَّانة، كأي بطل يحترم نفسه، ستكون بحثًا عن المعنى والسلام، وعن أسطورتها الذاتية ككلمة ذات معانٍ متعددة، رحلة عكس الزمن، رحلة نحو الأسلاف.

ستعود الكلمة إلى منتصف القرن التاسع عشر، بنفس المكان ستجد كلمات مثل: فرنساويين، مهندسين، عمال، حفر، سُخرة، خديو، ديليسبس، فِرَّة، وشوام أيضًا. وستجد أجدادًا كثيرين، «كُبب» سوداء قاتمة، تتناقل سيرتها الألسنة ككرات سوداء تطيح بكثير من البشر، تنمو على رقاب العمال والمشرفين على حفر القناة حتى تقتلهم، ستتخذ نفس صورتهم، وترتكب نفس خطاياهم. ستكون نهمة كموت أسود، تأكل الأرواح، وتلك خطيئتها الثانية، فيما ستكون خطيئتها الثالثة «التباهي» بشهرتها، كالموت أيضًا.

تتراجع كُبَّتنا الصغيرة عن خطاياها حين تلقى أحد أسلافها يفارق حياته. طاعون أنهى دوره في الحياة بارزًا على رقبة أحد عمال الحفر يحتضر، يوصيها جدها بأن عليها، كمسافر عبر الزمن، أن تعبر قرنًا آخر إلى الوراء، وستجد هناك أجدادًا أطيب شكلًا ومعنى، تنفذ وصيته لتعود إلى منتصف القرن الثامن عشر أواخر عهد المماليك.

كلمة تبحث عن تراثها

ضحايا الطاعون في فلورنسا الإيطالية كما صورهم «بوكاتشينو» في القرن الرابع عشر. الوضع لا يختلف كثيرًا عن ما وصفه المقريزي في تأريخه لنفس المرحلة

بدأ الطاعون في مصر بالنساء والأطفال، ثم الباعة، حتى كثر عدد الأموات، فبلغت عدة من يموت ثلاثمئة نفر كل يوم.

في كتاب «كنز الفوائد في تنويع الموائد» سيكون مشهد لقاء أجدادها طيبي الشكل والرائحة، كبب ناضجة من اللحم المخلوط بالحنطة أو الدخن (نوع من الحبوب يشبه الغلة كان مستخدَمًا في المطبخ المملوكي)، ستقابل كلمات أخرى ثقيلة على السمع، عسيرة على الهضم، مثل: «الزيرباج»، «السكباج»، و«النارنجية»، ستُرسَم هذه الكلمات ضخمة وزلقة مغطاة بالدهن تشبه بعضها، ستتعرف عليهم الكبة، وتشعر بالحسد والسخرية تجاه الزيرباج والسكباج، كأطباق لا يقدر عليها إلا الأغنياء والأمراء، فيما هي إما أكلة فقراء أو طبق جانبي. ستشعر بالألفة تجاه النارنجية، فقد كان المطبخ المملوكي يقدم اللحم المُكَبَّب كطبق جانبي مع النارنجية.

لاعتبارات درامية سترفضها النارنجية، وتطردها إلى زمن أقدم، ليملأها الإحباط، فتعود إلى زمن أقدم تبحث عن معنى أقوى، والذي تجده في كتاب «السلوك.. لمعرفة دول الملوك»، إذ تجد نصًّا قديمًا تملك فيه القوة حتى على قتل الأمراء وخيولهم في أمكنة أكثر من القاهرة وبورسعيد.

لم تكن بورسعيد قد وُجِدَت أصلًا حينها، إذ كتب المقريزي عن الطاعون أن ابتداء الوباء كان من أول فصل الصيف، وذلك في أثناء ربيع الآخر. فجافت الطرقات بالموتى، ومات سكان بيوت الشعر ودوابهم وكلابهم، وتعطلت سوق الحنا، وماتت الدواب والمواشي وأكثر هجن السلطان والأمراء، وامتلأت مساجد بلبيس وفنادقها وحوانيتها بالموتى، ولم يجدوا من يدفنهم، وجافت سوقها، فلم يقدر أحد على القعود فيه، ولم يبق بها مؤذن، وطرحت الموتى بجامعها، وصارت الكلاب فيه تأكل الموتى، ورحل كثير من أهلها إلى القاهرة.

وتعطلت بساتين دمياط وسواقيها، وجفت أشجارها لكثرة موت أهلها ودوابهم، وصارت حوانيتها مفتَّحة، والمعايش بها لا يقربها أحد، وغُلِّقَت دورها. وبقيت المراكب في البحيرة، وقد مات الصيادون فيها والشباك بأيديهم مملوءة سمكًا ميتًا، فكان يوجد في السمكة «كبة». وهلكت الأبقار والجاموس، ووُجِدَ فيها أيضًا «الكبة».

و«ابتدأ الوباء في القاهرة ومصر بالنساء والأطفال، ثم في الباعة، حتى كثر عدد الأموات، فبلغت عدة من يموت ثلاثمئة نفر كل يوم بالطاعون موتًا واجبًا في يوم أو ليلة، فما فرغ شهر رجب حتى بلغت العدة زيادة على الألف في كل يوم.

وفي شعبان: تزايد الوباء في القاهرة، وعظم في رمضان، وقد دخل فصل الشتاء. وحدث في شوال بالناس نفث الدم، فكان الإنسان يحس في بدنه بحرارة، ويجد في نفسه غثيانًا، فيبصق دمًا، ويموت بعده، ويتبعه أهل الدار واحدًا بعد واحد حتى يفنوا جميعًا بعد ليلة أو ليلتين».

لنسحب «الكُبَّة» من المريض، ونردها إليه كِبَّة

لو أن طبيبًا في عهد المماليك ابتكر علاجًا للطاعون، كان حتمًا سيستفيد من الجناس التام بين الكُبَّة والكِبَّة في التسويق لعلاجه.

هذا الجناس هو ما سبَّب أزمات كلمتنا المكوَّرة في هويتها بين الزهو بقوتها في زمن والضعف والرفض في زمن آخر، تتوه المعاني، ويُصبح في لسان الكبة لجام، تنطلق في آخر مراحل رحلتها نحو المعجم، لتجد نفسها كلمة مخادعة ذات وجهين يتغير معناها إذا ما ضُمَّت أو كُسِرت، يزداد تشككها حتى تضيء فكرة في عقل الكلمة المهزوزة، لتعتقد أن مملكتها ليست في هذا العالم، فتذهب إلى معجم جديد وضعه رجل هندي يجيد ست لغات، ويعرف ثماني أخرى، اسمه «فانيامبادي عبد الرحيم».

والمعجم هو «الدخيل في اللغة العربية ولهجاتها»، يتأكد اعتقادها، إذ تكتشف أنها تنحدر عن أصل فارسي، ومن خلال الألسنة الشرقية فقدت حرفًا، حيث كانت الـ«كبجة» أداة مطبخ تُستخدَم لغرف الطعام والحساء، وانتقلت إلى العربية لتُكتَب وتنطق «كبشة»، وانتقلت إلى الدولة الفاطمية، ومن بعدها المملوكية، وبقيت على مدلولها كمغرفة للطعام، ولحق تطور بالكلمة لتدل على معنى آخر هو «الأكلة الجديدة من اللحم المفروم المخلوط بطحين الحنطة أو الشوفان».

لحظة كشف تسبق النهاية

صورة لمخطوط قرآني قبل ابتكار الحروف المنقوطة محفوظ بجامعة برمنجهام

بما أن اللغة مجموعة أفكار، وبما أن كل «كليشيه» يستند إلى حقيقة ما، يمكننا استخدام الكليشيه القديم: «اللغة لها أجنحة محدش يمنعها من الطيران».

ليس في الإدراك أي نُبل. في النهاية تدرك «الكبة» المكوّرة أن اللغة فضفاضة تتسع لملايين الكلمات التي لم تعرفها، وأنها ليست حالة فريدة في لغة تتجمل بالجناس واللعب بالحروف والألفاظ، تتصالح مع إدراكها بأن التشكيل زوائد يمكنها الاستغناء عنها، وتنوي التخلي عنها لتتحرر من قبضة التشكيل ورموز الحركات الصوتية على أن تقدم نفسها مكتوبة، وتُفهَم تبعًا للسياق، فهي إما كبة تأخدك أو كبة تأخذها. ينتهي الفيلم هنا، تقبل الكلمة نفسها، وتكسر قواعد اللغة.

تلك النهاية لن يقبلها بالطبع نازيو اللغة العرب، حراس التهجية الجدد. لكن هناك حقائق لا خلاف عليها، أولها أن اللغة ولَّادة تجدد نفسها دومًا، وثانيها أنه باعتيادك شكل اللغة، إن كانت لغتك الأم، أو حتى لغة جديدة تجيدها، فإن عقلك يمكنه قراءة الكلمات وفهمها في سياق ذكرها في الجملة، حتى لو كانت غير منقوطة أو غير مرتبة وسط الكلمة. والقرآن باعتباره حافظ اللغة، وأكثر النصوص العربية شيوعًا، ظل بحروف غير منقوطة لمدة 11 عامًا بعد وفاة النبي محمد.

لا جدال في أن لكل مقام رسمي مقالًا رسميًّ دقيقًا يجب الالتزام فيه باللغة الجامدة، ضيقة الحيز، محدودة التأويلات، فقيرة الأوصاف. سنجدها في مكاتبات الحكومات، ونصوص الدساتير والقوانين، ومواقع الأخبار لتضييق مساحات التأويل، وما غير ذلك بالتأكيد سيكون ممتعًا لو يُسمَح فيه باللعب، سواء كان أدبًا أو «سَفًّا» ساخرًا على «الويب».

يمكن القول بصيغة علمية إن اللغة كيان جامد له إصدارات وتحديثات متعددة، وبصيغة رومانسية يمكن اعتباره كائنًا حيًّا يستمد حياته من ألسنة المتحدثين بها، ويمكن المبالغة في هذه الصيغة لاعتبار حراس اللغة لا يوفرون لها الحماية من الدخلاء عليها، وإنما يمنعونها من النمو والتطور ومخالطة الغرباء كأي أم خائفة. وبما أن اللغة مجموعة من الأفكار، وبما أن كل «كليشيه» منتشر يستند بالتأكيد إلى حقيقة ما، فيمكننا أيضًا استخدام الكليشيه القديم والشهير، وهو أن «اللغة لها أجنحة محدش يمنعها من الطيران».