فكر فيها

ما الفائدة؟

«1»

ألم جسدي - 15 كيلومترًا - شياطين دون معنى

أعيش في ألم جسدي دائم، أشعر دومًا وكأن شاحنة مرت على جسدي عدة مرات.

لا أعاني من أمراض خاصة، باستثناء دور البرد اللعين الذي استيقظت به هذا الصباح، أشعر بغيظ شديد منه في الحقيقة، هل أنا إمَّعة لدرجة أن يصيبني برد في أغسطس؟ باستثناء البرد، أنا في صحة لا بأس بها، الألم هنا من التمرين المستمر.

لم يعد بوسعي النوم ليلًا إلا بعد أن أهشم كل عضلات جسدي في «الجيم»، أو بجولة من 15 كيلومترًا على الدراجة. لا أفعل هذا لأبدو رائعًا كموديل ملابس داخلية. ما زلت آكل مثل خرتيت، عامان من التمرين الدائم لم يغيرا من مظهري شيئًا، هدفي من تحطيم الذات المستمر هنا مختلف تمامًا. ببساطة: إن لم أعد إلى المنزل ليلًا غارقًا في العرق بجسد محطم، فلا سبيل إلى النوم.

بالأمس قررت أنني متعب جدًّا، لا تمرين اليوم، سأتناول عشاء خفيفًا وأشاهد فيلمًا، وسأنام في هدوء. لكن ما إن لمس جسدي السرير حتى بدأت اللعبة اليومية: ماذا أفعل هنا؟ ولماذا أفعل ما أفعله؟ ما الجدوى وراء ما أفعله؟ وهل أنا أفعله كما يجب أن أفعل فِعلًا؟ وهل هناك أصلًا طريقة مُثلى يجب أن يُفعل بها؟ ما المعنى وراء أي شيء أفعله؟

لا شيء أفعله الآن له معنى حقيقي، أي محاولة للوصول إلى أي مكان تبدو عبثية. طريق الألف ميل يبدأ بخطوة؟ ما الذي يستحق أن تمضي ألف ميل لتبلغه؟ لا شيء يستحق المشي خمسة عشر مترًا. ما الفائدة من محاربة الوحش، إن كان الكنز الذي يحرسه لا قيمة له؟

تأملني البواب بدهشة وأنا أخرج بالدراجة وملابس التمرين في الثانية صباحًا، لكن أظن أنك الآن تتفهم لماذا فعلت. سأعود بعد ساعة أو يزيد، غارقًا في العرق والوحل، ويزين أطرافي بضعة كدمات جديدة تضاف إلى سابقاتها. أخيرًا سيكون بوسعي النوم.

أي محاولة للتغلب على شياطيني في جدال فكري ستكون خاسرة. لدى هؤلاء الأوغاد قدرة خارقة على نزع المعنى من خلف أي فكرة. جرب أن تناقش شياطينك في أنَّ على هذه الأرض ما يستحق الحياة، أتمنى لك حظًّا سعيدًا.

«2»

ماذا يحدث بعد سن العاشرة؟ - خراء - «وغد» ليست ترجمة دقيقة

الحلقة السابعة من الموسم 15 من مسلسل «South Park»

أصيب ستان بمرض خطير، اختلطت الوصلات في دماغه، فصارت كل الأشياء بالنسبة إليه... خراء. كل ما يُقال، يصبح خراء.

يسمع الأطفال نوعًا موسيقيًّا جديدًا، يحبونه جدًّا، لكن الكبار يسمعون هذه الموسيقى على أنها خراء. يرغمون الأطفال على الاستماع إلى كلاسيكيات موسيقية لتنظيف أذانهم، الأطفال يعلنون أن موسيقى الكبار هذه كلها خراء.

لكن مع «ستان» في مسلسل «South Park»، الأمر يختلف. ستان يرى أن موسيقى الكبار كلها خراء، وموسيقى الأطفال أيضًا، لم يعد يستمتع بأيها. نصحه زملاؤه بالذهاب إلى الطبيب.

بعد إجراء الفحوصات اللازمة، يفسر الطبيب ما حدث لستان:

كان عيد ميلاد ستان العاشر منذ أيام، صار الآن أكبر عمرًا. يُفترَض في هذه السن أن يبدأ في حب أشياء الكبار، وتصبح أشياء الأطفال بالنسبة إليه خراء، هذا هو «النضج». لكن لسبب ما أصيب ستان بمرض خطير، اختلطت الوصلات في دماغه، فصارت كل الأشياء الآن بالنسبة إليه... خراء. كل الأشياء، وكل الأشخاص، وكل ما يُقال، يصبح خراء.

هذه حالة نادرة لا علاج لها، اسمها: «أن تكون وغدًا متهكمًا». أكره أن أترجم «Asshole» إلى «وغد»، لكن الترجمة الحرفية ليس لها معنى. أنت تعلم قصدي على أي حال.

«3»

ما المعنى؟ - مات الإله - من عدم وإلى عدم

حسنٌ، دعني أعترف بشيء: في حين أن بوسعي أن أتحدث بطريقة متحذلقة مطولًا في أشياء عدة، الفلسفة ليست منهم، فلطالما كنت أمام المفاهيم الفلسفية طفلًا منبهرًا بأحاديث الكبار، لا أفهم منها شيئًا، لكني واثق أنه مهم بشكل أو بآخر. لذا، قبل أن نبكي على فقدان المعنى، دعنا نحاول معًا فهم ما هو هذا «المعنى» الذي فقدناه.

«المعنى» (meaning) شيء من اثنين، بحسب تعريف «ديفيد روتشنيك» في كتابه «مقدمة إلى الفلسفة اليونانية»:

  1. الدلالة على الأشياء وشرحها. مثلًا أن تقول إن القطة حيوان يمشي على أربعة، يمكن استئناسه
  2. الهدف النهائي، أو الأهمية لشيء ما

لذا، تبعًا لروتشنيك، إنْ قلنا إنَّ لحياة الإنسان معنى، فهذا يعني أن «الحياة لها هدف، يمكن أن يُستدَلَّ عليه وشرحه». لاحظ أن وجود الهدف في حد ذاته لا يكفي، يجب أن يستطيع الفرد أن يفهمه ويعرِّف نفسه بواسطته. نحن البشر في حاجة دائمة إلى وجود معنى للحياة، يفسر ويبرر كل ما فيها من معاناة حتمية غير منطقية، تنتهي بموت لا هروب منه، هكذا يجادل المتشائم الألماني الأشهر «شوبنهار».

لم يعد الإنسان مركز كون تحكمه قوى إلهية حكيمة، وإنما تجمع عشوائي للذرات في بقعة على هامش كون تحكمه معادلات رياضية جامدة.

الأديان كانت دومًا المصدر الأهم للـ«معنى». نحن نتحمل كل هذه المعاناة من أجل عالم آخر، إلهي رحيم عادل. من أجل الوصول إليه، نفعل ما هو صحيح (بالنسبة إلى الدين)، ونتجنب الخطأ، ونتحمل ظلم العالم.

لكن الأديان فقدت سطوتها المطلقة على العالم في القرون الأخيرة، على الأقل في العالم الغربي. لم تعد الكنيسة مصدرًا للمعنى بعدما غطى هدير المحركات على رنين أجراسها، وأعلن نيتشه، في عام 1882، أنه «مات الإله، ونحن من قتلناه. كيف يمكننا أن نعزي أنفسنا، نحن أكبر القتلة؟ من سيمسح هذه الدماء عن أيدينا؟ أي ماء سيطهرنا؟».

ما قَصَده هنا تراجع فكرة الإله والدين عند الناس، عامة الناس، وليس فقط الفلاسفة أو العلماء، وبالتالي ذهب المصدر الرئيسي والأهم للمعنى وراء الحياة، لم يعد الإنسان مركز كون تحكمه قوى إلهية حكيمة، وإنما تجمع عشوائي للذرات في بقعة مهملة على هامش كون تحكمه معادلات رياضية جامدة. من عدم جئنا، وإلى العدم ذاهبون، فأين المعنى؟

قد يهمك أيضًا: لِمَ علينا، دائمًا وأبدًا، أن نقاوم؟

«4»

عدمي أم مكتئب؟ - كل شيء إلى زوال - غياب المعنى حرية

في قسم العدمية على موقع «reddit» (الموقع الذي يسمونه صفحة الإنترنت الرئيسية)، يتساءل أحد الأعضاء: هل أنا عدمي أم فقط مكتئب؟

«كل بضعة أشهر أدخل في حالة من الاكتئاب الشديد. الآن أنا في تلك الحالة، بدأت في [يوم] الجمعة السابق، وأظنها للأسف ستستمر لفترة. بدأت أرى الحياة دون معنى مرة أخرى، وبدأت أركز على العدمية. كنت في هذه الحالة من قبل، واستطعت التعامل معها بشكل ما، لكن هذه المرة الشعور حقيقي.

لا أعرف إن كنت أظن الحياة دون معنى لأني مكتئب، أو أنني مكتئب لأني أظن الحياة دون معنى؟ ما الفائدة إن كنا سنموت على أي حال؟ لم نُتعِب أنفسنا في فعل أي شيء؟ الشمس في النهاية ستبتلع الأرض وينتهي كل شيء. كل ما تضيع حياتك في تحقيقه سيذهب إلى زوال في النهاية. أتخيل نفسي ميتًا وأتسأل إن كان كل ما استمتعت به، وأنا على قيد الحياة، سيعني شيئًا وقتها؟

أكره أن أفكر هكذا، لكن يبدو أن هذه الحقيقة الوحيدة بالنسبة إليَّ: لا معنى لأي شيء».

يرتب موقع «reddit» الردود بحسب تصويت الأعضاء، وكان هذا (بتصرف) التعليق الأعلى تصويتًا:

«أنا عدمي منذ وقت طويل، وبوسعي أن أخبرك بأنك عدمي ومكتئب في الآن ذاته. يجب أن تحتفي بأن الحياة من دون معنى، بدلًا من الشعور بالسوء حيال ذلك. غياب المعنى يعني أنك حر الآن لتفعل كل ما ترغب في فعله.

ضع لنفسك الأهداف التي ترغب في تحقيقها، لا عائق أمامك، باستثناء قوانين الطبيعة بالطبع. اقرأ كتابًا، اسمع بعض الموسيقى، استمنِ، شاهد فيلمًا، حدِّق في الأفق، افعل ما تحب، لا شيء سيمنعك.

أنظر إلى العدمية كتحرير من الحياة. قبل أن أصبح عدميًّا، كنت محرومًا من الاستمتاع بالحياة بسبب عادات وتقاليد اجتماعية اعتباطية، وبسبب التصديق في أن اتباع هذا سيؤدي إلى حياة مثمرة بشكل ما. برفع المعنى عن الحياة والوجود، صرت أكثر انفتاحية وتحررًا وقدرةً على الاستمتاع بحياة سعيدة».

«5»

كيف فشختنا العدمية قبل أن نعرف ماذا تعني؟

حسنٌ.

ما زلت مؤمنًا بديني، وبما يوفره من معانٍ للحياة، أراها معاني مطلقة وموثوقًا بها، وهو أمر لا يجعلك التصريح به أكثر الأشخاص شعبية هذه الأيام. ولم أكن أعرف حتى معنى كلمة العدمية حتى وقت قريب، ربما سمعتها كمصطلح في سياقات مختلفة على ألسنة آخرين يعرفون ما يقولون، عادةً بصحبة رفيقتها «ما بعد الحداثة»، كنت أهز رأسي وكأني أفهم كل شيء.

الهزائم الكبرى ليست السبب الوحيد للوقوع في العدمية، لكنها من أهمهم بالتأكيد.

لا أظن إذًا أني تبنيت العدمية مذهبًا فلسفيًّا بشكل واعٍ. داهمتني كحالة، ربما هي اكتئاب؟ لا أعرف. يؤمن كثيرون بأن العدمية إما ناتجة عن اكتئاب، وإما تمهد الطريق له كما تفعل تمريرة من إنييستا إلى ميسي، الذي سيحرزها هدفًا بالتأكيد.

فقدان المعنى يوفر حرية، هذه حقيقة لم يخطئ فيها صاحبنا من «reddit» أعلاه. لكن الحرية جميلة حينما تكون من محتل غاصب أو سلطان ظالم أو أب مؤذٍ أو حبيب متلاعب، الحرية من معنى مطلق للحياة هي بمثابة حرية «إلكترون» من دورانه اللانهائي حول النواة، حرية كوكب من شمسه. إن كنت تعرف شيئًا أو اثنين عن الفيزياء ستفهم ما أعنيه.

أستطيع تفهُّم من أين أصابني فقدان المعنى هذا، ولا أظنه مأساتي الشخصية التي أعاني منها وحيدًا، وإلا كان كلامي على مدونة شخصية أو صفحتي على فيسبوك. أظنها مأساة شريحة كبيرة من جيلنا، أظن كل من كان منا واعيًا مدركًا مشاركًا، أو فقط متابعًا للأحداث السعيدة التعيسة ملتوية المعاني من 2011 المجيدة وما بعدها، يعرف معنى خيبة الأمل والخسارة وفقدان الهدف والمعنى. الهزائم الكبرى ليست السبب الوحيد للوقوع في العدمية، لكنها من أهمهم بالتأكيد.

قد يهمك أيضًا: لسَّاها ثورة يناير: تركة ست سنواتٍ من الخِذلان

يوجد تضاد منطقي واضح هنا بين حديثي عن فقدان المعنى والعدمية، وذِكري سابقًا لإيماني غير المشروط بما يوفره الدين من معانٍ مطلقة للحياة. لا يسمح المنطق بوجود المكونين في ذات الوعاء، لكني أتفهم جيدًا كيف يحمل الإنسان معتقدَيْن متنافرين، أو يتصرف بعكس ما يملي عليه معتقداته. نحن لم نكن قط كائنات منطقية مهما ادَّعينا العكس. إضافة إلى أن للعدمية طرقًا ملتوية للتمويه تحت تحت غطاء الدين، يمكنك رؤية هذا متجليًا في شخصية «عم ضياء» في المسلسل الكوميدي المصري «الوصية».

«6»

الوغد الذي تحب أن تكرهه - اعمل الصح - المسؤولية

أعترف بأنني أحب «جوردان بيترسون». إنه وغد بكل تأكيد، أتفق معه في بعض الآراء وأخالفه في بعضها، وأرغب في أن ألكم أنفه وأحطمها، لكني للأسف أحب هذا الرجل بكاريزمته الساحقة وصوته ذي النبرة التحذيرية العجوز، وكأنه من أنبياء العهد القديم. إنه «الوغد الذي تحب أن تكرهه»، مثلما كان يقول «توباك».

على أي حال، لا أذكره للحديث عنه وعن آرائه المثيرة للجدل. يوتيوب مليء بمحاضرات ولقاءات الفيلسوف الطبيب النفسي الكندي الشهير، أريد فقط أن أستعرض رأيه في ما يخص حديثنا.

«أنا أتفهم العدمية جيدًا، أستطيع تفهم منطقها، ارتباطها بالمعاناة في الحياة، ارتباطها بالشر، بمحدودية الوجود والطبيعة غير العادلة للعالم. لكن كلما فكرت فيها أكثر زاد يقيني بأنه لا عذر للإيمان بها أبدًا.

وأظن السبب في ذلك: تعطل كل المساعي، تعطل قدرة المرء على اكتشاف نفسه. ربما السبب الوحيد في أنك من دون أمل أنه من الأسهل أن تكون كذلك.

أنا لا أعني أبدًا أن هذا ما يفعله مرضى الاكتئاب، لا أقصد هذا. الاكتئاب مرض حقيقي شنيع ذو أسباب عدة للوقوع فيه. لا أعني هؤلاء.

ما أعنيها هي تلك العدمية المغرورة الساخرة المتحذلقة العقلانية، التي تلقي بالعالم بعيدًا، وكأنه دون قيمة، من دون أي محاولة للاشتباك والتعامل معه كما يجب. الأفضل أن تشتبك معه، وترى ماذا سيحدث، وإن لم يقدم لك العالم ما تريد، من الأفضل أن تفترض أنك إما لا تفعل ما تفعله بشكل صحيح، وإما أن مفهومك عما أنت بحاجة إليه غير صحيح».

قد يعجبك أيضًا: ربما يكون الاكتئاب مفيدًا للإنسان

العدمية لا يمكن محاربتها بالمنطق، إنها أشبه بدالَّة رياضية تساوي صفرًا، الحل لتجاوزها هو تجاهل منطقها برمته، والاضطلاع بمسؤولية ما.

في كتابيه «خرائط المعنى» و«12 قاعدة للحياة»، يمكنك أن تلاحظ أن العدو الأكبر للرجل، الذي يحاربه بين السطور أو بشكل مباشر، هو العدمية، وهدفه الرئيسي الذي يسعى إليه هو إيجاد «معنى».

يرى بيترسون أن العدمية ألعن ما يمكن أن يصيب الإنسان المعاصر، سرطان يقوض دعائم الحياة، بعد أن تمنح الفرد شهر عسل من المتعة في حياة دون قواعد، يتدهور كل شيء بالتدريج، حتى يأتي عليه وقت لا يجد في نفسه رغبة لتحريك ذراعه حتى يهش ذبابة على وجهه، فما الفائدة من رفع الذراع؟ ما معنى أي شيء؟

في النهاية يقدم «المعنى» الذي وصل إليه: المسؤولية.

أعترف بأني ضربت رأسي بكف يدي عندما وصلت إلى هذه النقطة: يا دين أمي. في النهاية شعرت بأن النتيجة لا تتجاوز نصيحة غسان مطر، أن «أعمل الصح»، لكن وجهة نظر الرجل جديرة بأن تمنحها وقتًا من التفكير.

العدمية لا يمكن محاربتها بالمنطق، إنها أشبه بدالَّة رياضية تساوي صفرًا، ستظل كذلك إن فاضَلْتَها أو كامَلْتَها أو حاولت معها بشتى الحجج، في النهاية ما الفائدة؟ الحل لتجاوزها هو تجاهل منطقها برمته، والاضطلاع بمسؤولية ما.

أي مسؤولية، مسؤولية وظيفة ما، كبيرة الشأن أو صغيرته، مسؤولية أسرة، وهي الشكل الأكثر قدمًا وتأثيرًا للمسؤولية، مسؤولية الحفاظ على الحيتان من الانقراض، أو مسؤولية الحفاظ على نظافة هذا الجدار بالذات من الرسومات المسيئة، مسؤولية دينية أو قومية، أو مسؤولية هدم كليهما: الدين والقومية.

الاضطلاع بمسؤولية معينة وتجاهل التساؤلات الدائمة بشأن «ما الفائدة؟ وما قيمة هذا الفعل أو ذاك؟» أمر فعال بشكل كبير. أيًّا تكن المسؤولية التي تختار أن تضطلع بها، ما إن تبذل فيها مجهودًا ووقتًا وروحًا، حتى تصبح الوسيلة التي تُعرِّف بها نفسك أمام نفسك والعالم، تصبح المسؤولية، في حد ذاتها، المعنى المفقود من الحياة وقد وجدته بعدما توقفت عن التساؤل بشأنه.

يتحدث جميع الناس عن الحقوق، لكن هناك تجاهلًا، غير مقصود ربما، لفكرة أن كل تلك الحقوق هي مسؤوليات شخص آخر بالضرورة. الخطاب الذي ينادي بالحق لا يزال نصف حقيقة، ونصفها الآخر مسؤولية تقديم هذا الحق إلى شخص آخر. المطالبة بالحقوق ذاتها مسؤولية. لو انتظر جميع الناس حقوقهم المسلوبة، ولم يضطلع أي منهم بمسؤولية المطالبة بها والسعي لأجلها، كيف ستأتي؟

رفضُ المسؤولية يعني ببساطة رفض النضوج. الشخص يرفض ببساطة أن يتحمل عبء الحياة، ويرغب في أن يظل طفلًا. لكن هذا عمليًّا مستحيل، فقد يمكنك أن تعيش طفلًا غير مسؤول وأنت في الخامسة والثلاثين، لكنك لن تكون أبدًا في سعادة أو بساطة الطفل، ستعيش ألعن لحظات حياتك، ستصير حياتك حجيمًا شيدته لنفسك، وأشعلت نيرانه، وجلست في قلبه تحترق.

ربما تكون الحياة معاناة، لكن من عرف المعاناة يعرف جيدًا أنها إن كانت في سبيل شيء ما، أي شيء، فهي أقل وطأة بكثير، وربما ألذ طعمًا، من المعاناة دون هدف على الإطلاق.

قد يهمك أيضًا: ما هو سر السعادة الذي لا يعترف به أحد؟

«7»

كل، تغوَّط

يقول صديقي السابق، المأسوف على أمره، «لويس سيه كيه»:

«يبالغ الناس في التفكير في هذا الهراء المسمى بالحياة. يُعقِّدون الأمور بأسئلة من نوع: ماذا أفعل بحياتي؟ ماذا يجب أن أصير؟ ماذا يجب أن أفعل؟

فقط أحضِر طعامًا وضَعْهُ هنا (يشير في عصبية إلى فمه)، هذا كل شيء، ضع طعامًا في فمك. تجول في الأنحاء وابحث عن الطعام، وأينما وجدت طعامًا خذه وضعه في فمك.

لاحقًا، عندما تشعر بالضغط، تغوَّطْه من هناك (يشير إلى مؤخرته في عصبية أقل). هذا كل شيء. أي شخص يحاول منعك من فعل أيٍّ من هذين الأمرين، اقتله.

لا تحتاج الأمور إلى أن تكون أكثر تعقيدًا من هذين الأمرين: افعلهما حتى تموت».

, , , ,