حرف جر

الشاعرة موضي العبيدي: عن الفَقد في قصائد البحر والبادية

للشعر أبواب تفتح على الذاكرة، كل باب يفتح آخر كمحاولة للوصول إلى معنى. ورغم عبثية المحاولة أحيانًا، قد تصادف المعنى في الطريق.

في محاولة للتعرف إلى شاعرة، طرقتُ باب شاعرة أخرى، ولمحتُ ألميهما خطين متوازيين على امتداد الزمن. في صحراء نجد، امرأة تستجدي عينيها لتنصفانها بالبكاء، يتحداها الثبات فتتكئ على القصيدة، تحفر الدمع بعيني التاريخ، تجد طريقها إلى الذاكرة، فتومض هناك إلى الأبد: الشاعرة الخنساء.

الشاعرة التي فقدت أخويها معاوية وصخر تباعًا، فكان لها من الألم ما يكفي للفت انتباه الشعر، وكان الشعر لسانها الذي تخاطب به الفقد، فرثت أخاها معاوية، وأخاها صخر بعده، وكانت أحلك لياليها سببًا لسطوع قصيدتها. 

يتبدل الزمن والقصيدة واحدة، نلمح تغيراته في مرايا تتخطى الانعكاس، أو ما نسميه شعرًا، حاضرًا خلف الستار، يراقب المشهد بصمت، ويعيد صياغته بقصيدة.

في الكويت في عهد الشيخ مبارك الكبير، ضمن القبائل التي نزحت من الزلفي، كانت أولى شاعراتها: موضي عبد العزيز العبيدي، التي يختلف التدوين حول تاريخ ميلادها، لكنه يرجح أن يكون 1860 أو ما يقاربه. لُقبت بخنساء الكويت، لأن الفقد يشبه بعضه، ولأن الحكايا تتكرر باختلاف أبطالها.

«لا وفق الله محملٍ جابهن لي»

على رمال الكويت الحارقة تقف موضي، تتشح بالسواد الذي بدوره يشد انتباه الشمس، تنتظر عودة ابنها عبد العزيز من رحلة الغوص، والشعر يراقب المشهد.

هناك حيث تقف النساء مترقبات أي وصول: السفينة، الابن، الزوج، الرزق، الطمأنينة، أو في حالات كثيرة يقفن بانتظار وصول خبر يطفئ سعير الشك على الأقل. وانتظار وصول خبر لا يعني بالضرورة الاستعداد لسماعه، خصوصًا إن كان ذلك لا يتضمن نهاية رحلة الغوص فقط، وإنما نهاية الحكاية، حين تثكل المرأة إلى الأبد.

ولأن البحر يأخذ مثلما يعطي، وصلت إلى موضي ثيابُ عبد العزيز في يد النوخذة، ولم يصلها هو. كانت قد أوصت النوخذة يوسف الفهد بابنها، فكان سؤالها «أين عبد العزيز؟» يحمل في طياته عتبًا. ولأن الإجابات غير كافية للفهم بينما سؤالها سكين في الحنجرة، ولأن عبد العزيز قد جره القاع وظل يصارع الموج وحده حتى استسلم جسده للتيار، كان ردها قصيدة يتردد صداها عبر الزمن، يتضح فيها العتب الذي وجهته إلى النوخذة الفهد:

«يا بو سعد عزي لمن ضاعت أرياه

قلبه حزين ودمع عينه يهلّي

يسهر طوال الليل والنوم جافاه

في مرقده كنّه بنارٍ يصلّي

على وليف عذب الحال فرقاه

الطيب اللي للقرايب يهلّي

مدري درادير أزرق الموج ودّاه

ولّا كلاه الحوت يا كُبر غلّي

يا ليتني تقاسمت الغرابيل وياه

نصيفةٍ حقه وأبي نصفهن لي

ويوسف خطف بشراع وأقفى وخلاه

وأنا اموصيته على جبرتن لي

يا ليتني دميت بالهير وياه

موج البحر فوقي وفوقه يزلي

الله يسود وجه يوسف وجزواه

ما ذكر دمعي وسط حوشه يهلّي

جتني هدومه عقب عينه امْطواه

لا وفق الله محملٍ جابهن لي

ليته ورا سيلان والهند مرباه

وأرجي يجيبه لي شراعٍ معلّي

البندق اللي عندنا له مخباة

نقالها من عقب عينه يولي

وصلاة ربي عد ما حل طرياه

وأعداد ما سار القلم بالسجلي»

«آه من علمٍ لفا به قرينيس»

بعد فقدان ابنها الأكبر، اجتمع رجال الكويت بقيادة الشيخ مبارك الصباح للتصدي لعبد العزيز آل رشيد، الذي كان يبسط نفوذه في نجد مما يهدد الكويت، يوم 18 مارس 1901، في ما عرف بمعركة الصريف، والتي تعد من أبرز معارك نجد، فالتحق ابنها الآخر محمد برجال المعركة رغم خوفها وعدم اطمئنانها لذهابه.

ظلت موضي رهن الانتظار، بقلب عرف طعم الفاجعة ويخاف تذوقها مرة أخرى. وفي مشهد آخر، وانتظار آخر، تلقت خنساء الكويت فاجعة أخرى لا تقل عن الأولى مرارة، لترتسم ملامح الأسى على حياتها إلى الأبد.

كانت البطولة في مشهدي الغوص والمعركة رجولية، لكن قصائد موضي تكشف عن الوجه الآخر للبطولة، تكشف عن المرأة في تلك المشاهد.

رجع قرينيس، وهو أحد رجال الشيخ مبارك الصباح، إلى المدينة معلنًا الهزيمة في المعركة، مثقلًا بالأخبار الموجعة. 

في كتابه «معركة الصريف بين المصادر التاريخية والروايات الشفهية»، يذكر الباحث فيصل السمحان أن عدد الذين ذهبوا إلى المعركة 1200، بينما عاد منهم 150 رجلًا فقط، وكان نصيب موضي خبر إصابة ابنها في المعركة ووفاته، فكان ردها على لسان الشعر مرة أخرى في قصيدة استشعرها كثير من أهالي الكويت المثقلين بالفجيعة، تبدأ بتعبيرها عن كم المرارة في الخبر الذي نقله قرينيس إليها بينما كانت تنتظر عودة محمد:

«قلت آه من علمٍ لفا به قرينيس

يا ليت منهو ميت ما درى به

علمٍ لفا به مرّس القلب تمريس

والنار شبت بالضمير التهابه

والنوم له عن جفن عيني حراريس

والحنظل المذيوق زاد بشرابه

على الذي أقفى على ضامر العيس

واليوم ما أدري أي خب لفا به

نصيت بيته قلت له يا قرينس

وين الحبيب وقال ما علمنا به

أقفى مع البيرق بحرب السناعيس

وإن سلمه رب المخاليق جابه

رديت من كثر البكا والهواجيس

دمعي كما وبل نشا من سحابه

يالله يا فكاك حبل المحابيس

إنك تفك محمد من صوابه

ابجاه الحبيب وجاه ويعقوب وإدريس

عسى دعاتي عند ربي مجابة

وأعداد ما هبت هبوب النسانيس

على النبي صليت هو والصحابة»

من الجدير بالذكر أن الشاعرة موضي العبيدي تنتمي لعائلة يتفرع الشعراء من جذورها، فهي ابنة الشاعر عبد العزيز العبيدي، وخالة الراحل راشد بورسلي الذي هو والد الشاعر فهد بورسلي، وهي كذلك جدة الشاعر محمد حسن الزنكي.

كرمت الكويت أولى شاعراتها بإطلاق اسمها على المدرسة الإعدادية للبنات في محافظة مبارك الكبير.

ومثلت القديرة حياة الفهد دور الشاعرة موضي العبيدي في مسلسل «أسد الجزيرة»، الذي صُور في 2006 ومُنع من العرض لحساسية الخط الدرامي له.

قصائد الشاعرة موضي العبيدي وجه آخر لحكايا نساء قد لا يعرفن القصيدة، لكنهن يعرفن الفقد بالقدر ذاته، لا تُسمع أصواتهن، لكنهن يصرخن على أي حال، ومحاولات كل شاعرة في القصيدة هي تذكير بأن ثمة امرأة تتألم.

كانت البطولة في مشهدي الغوص والمعركة رجولية، لكن قصائد موضي تكشف عن الوجه الآخر للبطولة، تكشف عن المرأة في تلك المشاهد.

لم تكن قصائد الشاعرة موضي العبيدي ذات طابع شخصي بحت، وإنما تتخطى قصائدها النطاق الشخصي لتصور حقبة تاريخية بآلامها ومرارتها، بصوت استطاع أن يشق طريقه في الذاكرة، ليس بالشعر فقط، بل بوجع المشهد الذي ينطوي عليه. لا يتلقى القارئ قصيدتي موضي دون تصور المشاهد كاملة: بين البحر والبادية، اشتراكهما بتحديد المصير، وكتابة النهايات، وهكذا تكون القصيدة مرآة زمنية، تشي بالتاريخ وما حدث وما لم يحدث.