وجدنا عليه آباءنا

الهروب إلى الوراء: دليل شخصي للعيش كبدون

الصورة: بلال الفضلي

في خطوتي الأولى، شاهدت أمي تمشي فلحقت بها، لكني عندما أتقنت الكلام كنت أقلد هروب أبي  وهو يبدل لهجته الشمالية باختلاف الأشخاص الذين يتحدث معهم.

غيرت عنوان منزلنا في «الصليبية» في لقاء المراهقة الأول، أنشدت النشيد الوطني بحماس شديد كي لا يلحظ زملاء المدرسة أنني مختلف عنهم، توسلت موظف المستشفى بأن يسمح لجدتي بالعلاج في عيادات المواطنين. وفي سفري الأول، جاهدت كثيرًا وأنا أقنع رجل الأمن هناك بأني كويتي وإن اختلف جواز سفري عن بقية القادمين معي في الطائرة، لكن عندما أتعبني الهروب المستمر وقفت ذات مرة في مظاهرة قبل أن يعتقلوني لأني «بدون».

الهروب الكبير

يقول الفيلسوف الفرنسي «إميل دوركايم»: «الظاهرة الاجتماعية هي ضرب من ضروب السلوك، ثابتًا كان أم غير ثابت، وهذا السلوك قد يعم المجتمع كله ويشكل نوعًا من القهر لبعض أفراده». هنا يكمن شيطان المجتمع في تفاصيل حياكة رداء المواطنة مع البدون.

قبل أن تتحول الكويت من وطن إلى شركة مغلقة، كان النفَس العنصري شاذًا، سهل حينها عد رواد هذا النهج على أصابع اليد الواحدة، لكن عندما تمخضت فعاليات مجتمعية ولوبيات ضغط سياسي، ولدت ما يصح تسميته بفوبيا البدون، سواء عبر شراكة طفل لهم في مدرسة أو أكياس غذاء تموينية وغيرها من مقومات الحياة الأساسية، من دون أن نعرف المتسبب في أن تتحول مطالبات الحقوق إلى مناشدات تسول في منصات مواقع التواصل الاجتماعي.

نجحت مراكز القوى المناهضة للبدون، حكومية أو غيرها، في مساعي تفكيك مصطلح البدون ككتلة كاملة، أصبحنا مجتمعات متشرذمة عن سابق سذاجة لقبولنا بسياسة الجزرة، دون أن نعير أي اهتمام لمن ستوجه العصا، على الرغم من تغييرهم المستمر لمعايير جائزة الهوية الوطنية، بحسب الأوبئة العالمية مثلًا، دون وعي بأن ما سينطبق عليك اليوم لن يكون كذلك غدًا، كما كان بالأمس.

السلوك المجتمعي الذي رُوج له في جعل فرد البدون إنسانًا من الدرجة الثانية فرض علينا الهروب الدائم، من لهجة حديث تشكل بالأساس جزءًا من التنوع السكاني للكويت، أو محو مناطق الكثافة «البدونية» من خريطة الوطن. لم نعد فوبيا لعقل المواطن البسيط وحسب، بل أصبحنا فزاعة لبعضنا بعضًا.

درك الحرمان

في أزمة فيروس كورونا، كان لزامًا على البدون أن يكشفوا عن رؤوسهم، وكأن الواجب المهني والأخلاقي للكادر الطبي من أبناء هذه الفئة هو الشرط الأساسي للانتماء الوطني. 

قبلها كانت حرب تحرير الكويت كذلك، أوراق الإحصاء أخذت دورها في شريط العرض السمج هذا، يهرب الأطباء من انتهاء بطاقات المراجعة إلى لقطة مصورة في ما أطلقوا عليه «خط المواجهة الأول للفيروس»، وما علموا أن لقاحًا ما سيُكتشف لهذا المرض في بلد آخر، ستستورده الحكومة وتنتهي الأزمة، وبعدها سيعود الأطباء إلى تسول رواتبهم، كأنهم لم يعيشوا سنوات التيه السابقة. 

نحن متهمو التزوير الجاهزون للعرض في شاشات استدلال رئيس مجلس الأمة والمعنيين بحلحلة القضية وليس حلها، بل كأنهم لم يتعظوا من حفلة تصفيقه هو والمسؤولين السابقين للاعب المنتخب السابق محمد راشد عندما أسهم في إحراز بطولة الخليج، قبل أن يفرضوا عليه تقديم الشكر لهم لكرم إعطاء أخيه قبرًا ليُدفن فيه.

قريبًا سيعرف خط الدفاع الأول أنهم كآبائهم، وأن مطالبات التجنيس للكادر الطبي من البدون هي مطالب وقتية، ستنتهي مع خلو مقرات الحجر الطبي، قبل كورونا كما بعده، سنبقى وباء الوطن وفوبيته.

ضجيج التصفيق هذا لا يعنيني، ما زلنا متساوين بالوجع، وما زلت أرى في أطفال الشوارع معتلى فخر، في البسطاء الكادحين، في النساء اللاتي يلكن عجين الخبز لبيعه. لن أهرب من العصا الموجه لهم إلى جزرتكم، بقاؤهم في درك الحرمان هو المثال الأسمى لانتمائهم إلى هذه الأرض.

الوطن لا يعني عنوان منزلك أو لهجتك أو الشهادة التي حالفك حظ ونلتها، مفترض به أن يكون تكاملًا وجوديًا مع الفرد، أن لا يفرغ عمرك في بحث عن موطئ قدم لك به. الوطن الذي يقبل بك كيفما كنت، اقبل به كيفما كان.

قريبًا سيعرف خط الدفاع الأول أنهم كآبائهم، وأن مطالبات التجنيس للكادر الطبي من البدون هي مطالب وقتية، ستنتهي مع خلو مقرات الحجر الطبي، قبل كورونا كما بعده، سنبقى وباء الوطن وفوبيته.