اعرف نفسك

«مع السلامة قد نويت السفر»: عن العزلة والغناء والخوف

الصورة: pxfuel

«مع السلامة قد نويت السفر

قلبي بيلهب والنبي ما استقر

ما بش أمل نرتاح بين البشر

أنا مسافر فوق سطح القمر»

عندما تغدو الحياة بلا معنى، رهينة قوى عاتية تجبرك على الانغماس في معركة قدرية، ستختار حتمًا الهروب.

جاءت كلمات يحيى حسين في أغنية «مع السلامة قد نويت السفر» لمحمد أبو نصار يائسة تمامًا من البشر ومن كوكب الأرض جميعه، لخص كلماته بتجربة عاطفية، حالة تطغى فيها الأنانية والقسوة، ثم يتجلى الشعور بالغربة والانفصال في مكان لم يعد مألوفًا، يؤمن بأن السفر إلى سطح القمر قد يكفيه شرور أهل الأرض ويملؤه اكتفاء بالذات، إضافة إلى بناء معنى لحياة جديدة وسط محيط منعزل داخلي.

يبدو أن الشاعر يقصد العزلة، فلا مؤشرات تلوح في الآفاق حول حياة على سطح القمر. 

العزلة الخلاقة إذًا؟

الصورة: pikist

«إحدى أعظم الضرورات في أمريكا هي اكتشاف عزلة خلاقة» - كارل ساندبيرغ.

يبدو أن الحاجة إلى أن تكون بمفردك من حين إلى آخر سمة إنسانية عامة، إنها العزلة التي تُظهر للشخص احتياجاته الحقيقية، وتستوعب الاعتراف الحقيقي والحياة الحقيقية، في حين أن المجتمع هو ساحة المعركة والاحتمالات.

أكد الفلاسفة في كثير من الأحيان كون العزلة شيئًا إيجابيًا، إذ إنها تعد مكانًا متميزًا للتفكير يمكن للمرء أن يقترب من خلاله اقترابًا خاصًا من الحقيقة.

يشدد ديكارت على كيفية سعي الفرد إلى العزلة في الأرياف، بعيدًا عن المدينة التي تسعى أيضًا إلى التفكر وتأمل ذاته في فهم الحياة ومواجهتها، ويقول أرسطو إن «أفضل ما في الحياة هو الحياة التأملية»، وهذه الحياة التي تعيشها في معزل عن الآخرين.

أما رالف والدو إيمرسون فيقول: «لا يمكن للشخص أن يعرف نفسه إلا إذا كان وحيدًا، وحتى في هذه الحالة لا يكفي مجرد الانسحاب من مجتمع الآخرين، يجب على المرء أيضًا أن يتخلى عن القراءة والكتابة ويكون وحده مع النجوم، كشيء لا مفر منه على حد سواء وشيء يجب متابعته بنشاط».

ويشير إلى أن المرء يحتاج بالتأكيد إلى أشخاص آخرين، لكن اجتماعاتنا معهم تتلاشى دائمًا، وأثرهم قصير ومتلاش. ولدى فريدريك نيتشه وجهة نظر مماثلة، وغالبًا ما توصف العزلة بأنها الملاذ في كتاباته. وتظهر استعاراته للحياة الريفية أيضًا ظهورًا متكررًا، كما أن حياة الطبيعة هي التي يراها تمكن نوع التحصيل الذاتي الذي يخسره المرء عندما يعيش كجزء من المجتمع. 

لا يمكن للمرء اكتشاف «الأنا العليا» إلا نتيجة ترك المجتمع ومتابعة العزلة وفقًا لنيتشه، ويمكن للتفاعل مع الآخرين أن يكون جيدًا من حين إلى حين، ولكن بوجه أساسي يجب أن يمكن للمرء أن يعود، في راحة، إلى أحضان العزلة.

هل تخفف العزلة من وطأة سوء الواقع؟

الصورة: pikist

السقوط في بركة الواقع القاسي أول مرة يشبه حالات السكر، ومع تكرار الانهيار المعاش شيئًا فشيئًا، ينفصل الإنسان عن مواجهة الحياة بوعي كاف ليكبر شعور اللامبالاة، و يتراجع قياس العناصر الفعالة في محيطه. 

يصفها كيركغارد بأن «الذات هي علاقة تتفرد بنفسها، ولكنها تتعلق أيضًا بذوات أخرى، التي بدورها تتعلق بذواتها». نحن قادرون على النظر في ما يفكر فيه الآخرون وما يشعرون به تجاهنا، ونجد أن تقييمات الآخرين لنا تمثل أهمية. ومن ثم، يدمر عدم انتباه الآخرين واهتمامهم لنا علاقتنا الذاتية. إذ إن الإنسان، بطبيعته في الأساس، كائن اجتماعي، وهي حقيقة لا جدال فيها. ويكون لشريك الحياة والأصدقاء تأثير أكبر بكثير من الثروة أو الشهرة في دراسات الرفاهية الشخصية.

ومن ثم، فإن العزلة الاجتماعية لها تأثير سلبي للغاية على الصحة النفسية والجسدية. ولطالما عُدَّ العزل والإبعاد من المجتمع ضمن أقسى العقوبات التي يمكن أن يتعرض لها أي شخص. وفي العصور القديمة، كان يعتبر بمثل قسوة الإعدام. ويُنظر إلى العزلة كنوع من أنواع العقاب البشع في السجون، وهو «الحبس الانفرادي».

بالعودة إلى أغنية «مع السلامة قد نويت السفر»، فالشاعر لم يرد إيقاف عجلة تطوره ولا حياته، بل أراد أن يمارسها بمعزل عن الآخرين.

«القلب قد سافر وأصدر بيان ... لا يمكن العودة لفوضى زمان

 ذي عاد عندي من هواهم صدر ... أنا مسافر فوق سطح القمر

لا تأسفي يا نفس يكفي أسف ... ولا هو أول من وعد واختلف 

يفعل بنفسه بعدنا ما قدر ... أنا مسافر فوق سطح القمر»

مدرسة الحياة البشرية الكبرى هي التجربة، إنها النحت الأكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الإنسان وإدراكه للخيارات التي يخوضها داخل معترك الحياة. وما يبحث عنه الإنسان في عزلته هو التوزان النفسي، الذي يمنحه إحساسًا بالأمان والاطمئنان، ويعيد له القيمة الفردية بأشكالها المختلفة.

لا شك أن هنالك أناس يفضلون الهرب والاختباء وراء مفهوم العزلة، على الكفاح والعمل ضد المعضلات الخارجية القاسية التي يواجهونها، ولأنهم، لغرورهم وكبريائهم، يخشون الفشل في حل المعضلات أو التشافي المؤقت، بدلًا عن جموع الحلول المطروحة التي تستوجب الصراع لكي تأخذ الحياة معناها في الشعور بالأمان والحرية.

رغم الحالة التي يختارها الإنسان في عزل العوامل الخارجية عن العبث في حياته أو التعامل معها بسطحية، فإنه لا يستطيع صد القوة الخارجية المتغيرة ومنعها من التسرب إلى داخل عزلته.

هل يصمد الإنسان أمام عزلته؟

الصورة: pxhere

العزلة تمنحنا أشياء كثيرة عن أنفسنا وعن مكاننا في العالم، وتجعلنا نشعر بالارتداد إلى مساحة راحة لا نُحدث فيها فارقًا، وبهذا نرى أن العزلة ترتبط ارتباطًا خاصًا بمحاكمة النفس. وفي الوقت نفسه، يحتاج المنعزل إلى علاقة مع نفسه لا تحددها نظرة الآخرين له، فلا علاقة خارجية تقاس، وتظهر في العزلة علاقة مباشرة أكثر بالمنعزل لأنه لا يتوسط في نظر الآخرين لنفسه.

في العزلة يهرب الإنسان من تجربة، كونه كائنًا لشخص آخر. وهذا ما يشكل حرية من الآخرين وأحكامهم. عندما يكون المنعزل بمفرده، تتاح له الفرصة للفرار في ما يتعلق بنفسه بطريقة انعكاسية. ويبدو أن المنعزلين أكثر وعيًا بأنفسهم عندما يكونون وحدهم.

يقول جان بول سارتر إن البشر المنعزلين «عليهم أن يشعروا بالألم الذي تجلبه العزلة للاعتراف بمكانهم في الكون». ومع ذلك، فإن الحياة البشرية تتحقق مع الآخرين أيضًا برأيي. أي أن الفرد لا يتمكن من العيش بذاته متفردًا، بل يحتاج الآخرين. إذ أن الوجود الإنساني يتطلب بالضرورة كائنًا يُعاش معه، الوجود هو في الواقع شرط أساسي للتعرف إلى أنفسنا، إذ نتعرف إلى أنفسنا بوساطة عيون الآخرين.

في حديثه عن عدم النضج الفكري للمنعزلين، كتب كانط أن «عدم القدرة على تكوين العزلة تنبني على عدم النضج العاطفي». وتكمن الصعوبة في العزلة في أن المرء يكون مجبرًا على الارتباط بنفسه، والنجاح في إيجاد السلام داخل هذه العلاقة الذاتية. وإذا افتقرنا إلى هذا السلام، فإننا نسعى إلى الاتجاهات التي يمكن أن تبعدنا عن أنفسنا.

«قولوا لصنعاء سهل ما بش قلق ... هو طبعها لاشي ضعيف امتحق

مسكين قلبي كم عليها صبر ... أنا مسافر فوق سطح القمر

قولوا لصنعاء سهل ما بش عتب ... للمه تغير طبعها واقتلب

لكن بسيطة كم ضعيف انتصر ... أنا مسافر فوق سطح القمر»

أشار الشاعر يحيى حسين هنا إلى مسقط رأسه صنعاء شاكيًا من هجر حبيبته، لكن للمدينة آلامها وصراعتها الخاصة. يتغلغل خيال الشاعر النظر للمدينة من خارجها فلم يستطع القبول بواقع الحياة القاسي، المدن للمنعزل تحمل لحظات حياته الماضية والحاضرة وتصورات المستقبل، وهو واقع منتمٍ مرتبط بالذات. 

هل يمكن للعزلة أن تتحول إلى اضطراب؟

الصورة: pixabay

في العالم الداخلي اللاواعي، تنعكس القدرة على إخفاء الفشل من الحياة ورفض الشراكة الاجتماعية، إذ يشعر الإنسان بابتعاده بهالة من الراحة والانعتاق من مواجهة واجباته تجاه الحياة في جميع حالات الفشل، كمن يحتفظ بعذر وحجة لا تُدحض. العالم المتشكل الداخلي ذاتيًا، وأعني العالم المهيأ للهروب والعزلة المضطربة، قادر على أن يؤذيك إن فكرت في أن تقيم مطولًا فوق سطح القمر.

«مع السلامة لا بلاكم بشر ... أنا مسافر فوق سطح القمر

أما الحقيقة ودكم لا يزال ... إلا أنني أخشى عليه الزوال

تداركوني مهجتي في خطر ... أنا مسافر فوق سطح القمر»

دعونا الآن نحاول أن نلقي نظرة فاحصة على وظيفة الانفعال والتناقض في هذا السياق من القصيدة، إذ يدعو الآخرين إلى النظر في معاناته وسفره لاحقًا إلى القمر وعزلته.

تشير بعض الدراسات إلى أنه لا يمكن للإنسان أن يعيش بمعزل عن الآخرين، وكما كتب نيتشه في «هكذا تكلم زرادشت» أن «المنفرد يقول في نفسه: "لا أطيق وجود أحد بقربي"، ولكثرة ما يقف محدقًا في ذاته تظهر التثنية فيه، ويقوم الجدال بين شخصيته وبين ذاته؛ فيشعر بالحاجة إلى صديق. وما الصديق للمنفرد إلا شخص ثالث يحول دون سقوط المتجادلين إلى الأغوار، كما تمنع المنطقة المفرغة من غرق العائمين».

تفتح المشاعر الفضاء التجريبي، حيث يركز مارتن هايدغر في الغالب على الحالة المزاجية المظلمة، لكنه يناقش  في كتاب «الوقت والوجود» الحالة المزاجية الأخرى، مثل السعادة القصوى الناتجة عن وجود شخص نحبه. إذ أن مزاج الحب يفتح لنا شبابيك العالم. لن تكشف هذه السعادة عن شخص نحبه فحسب، بل عن العالم عامة؛ لأن كل شيء آخر سيحدث في ضوء هذا الفرح. لقد شهدنا جميعًا كيف يبدو العالم مختلفًا عندما نقع في الحب أول مرة، وأيضًا عندما يفنى هذا الحب.

يحتج هايدغر على القول بأن الحب يجعلنا عميانًا، ويؤكد بدلًا من ذلك أن هذا الحب يدفعنا إلى رؤية الأشياء التي لا يمكننا رؤيتها عندما لا نكون في حالة حب. عندما تكون في مزاج سيئ، تكون أجزاء من العالم مغلقة أمامك، ولا تكون قادرًا، على سبيل المثال، على الشعور بالبهجة بسبب فرحة الآخرين. لذلك، من المناسب أن يوصف بطل رواية صمويل بيكيت «حلم العادلة لنساء عاديات» على أنهن يعانين من كآبة متعالية؛ لأن هذه الكآبة هي شرط لإمكانية تجربة العالم. ومع ذلك، فإنه يؤكد العزلة، إذ إنها مساحة مميزة للتفكير في كثير من النصوص الفلسفية.

تمثل كتابات هايدغر أعراض هذا الموقف عندما يكتب أن العزلة هي الطريق إلى معرفة الذات. هل من الصحيح أن الشخص يقترب في العزلة من الحقيقة عن كثب أكثر من غير ذلك؟ لا أعتقد هذا. قد تكون العزلة قادرة على توفير بعض الأفكار التي لم تكن لتتمكن من الحصول عليها، ولكنها من جهة أخرى تحجب أيضًا رؤى أخرى. العزلة تعطيك منظورًا آخر للوجود، لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا المنظور صادقًا.

كتب «لودفيغ فيتغنشتاين» في «سجل الفلسفة» أن «عالم الإنسان السعيد مختلف عن عالم الإنسان التعيس»، يمكن قول الشيء ذاته عن عالم الشخص المنفرد، إذ أن الوحدة تُظهر لك جزءًا أحاديًا من الواقع، وهذا يُظهر لك عالمًا وحيدًا. ومع ذلك، فهناك أجزاء أخرى أو عوالم أخرى، إذا صح التعبير. 

يفسر الأفراد الوحيدون محيطهم الاجتماعي على أنه يهددهم بدرجة أكبر من تهديده للأفراد غير الوحيدين، ويعدون المواقف الاجتماعية ممتلئة بالمخاطر عليهم بدرجة أكبر من الأفراد غير الوحيدين، وهذا ما يجعلهم يدخلون في مواقف اجتماعية دخولًا مختلفًا، وهو ما يثبت بدوره عقبة أمام ما يرغبون به.

الخوف يمنع ما يمكن أن يجعل الوحدة تهدأ، وهو ما يمثل الاتصال البشري. الخوف الاجتماعي يقوض فورية العلاقات بيننا وبين الآخرين، ومن هذا المنظور، يقوض العلاقات الاجتماعية.

يمكن للمرء أن يرى أن المنعزلين في كثير من الأحيان يستخلصون استنتاجات عاطفية غير كافية بشأن المواقف الاجتماعية. ومع ذلك، يمكن للشخص الوحيد أن يعترض على صعوبة أنه بعيد عن هذا الموقف، لأن كل اجتماع مع شخص آخر يعني احتمال الرفض المؤلم. ورغم ذلك، قد يكون الرد أن هذا الخوف من الرفض يزيد من فرص النفي، كما كتب أرسطو: «نوع من فقدان الحياة هو الخوف من الشيء الخطأ، ونوع آخر هو الخوف بطريقة خاطئة، وآخر للخوف في الوقت الخطأ، وهلم جرا».

يمكن وصف العزلة بالانسحاب الاجتماعي، والشعور بعدم الراحة أو الألم الذي يخبرنا أن حاجتنا إلى التعلق بالآخرين ليست مرضية، أو أننا نحتاج للسفر فوق سطح القمر.