اعرف نفسك

الأذكياء يمكنهم الاستمتاع بالكسل، الأغبياء يمتنعون

الصورة: Getty/Kaveh Kazemi

الكسل آفة العصر، جرثومة قاتلة، داء مُهلك يعوق نهضة الأمم ويُضعف الشعوب، ويمنع الناس من العمل الجاد والفكر المثمر والسعي النافع والبذل الحميد. إنه انسلاخٌ من الإنسانية وانحطاط إلى مراتب الموتى، فالكسول يغيب عقله وينفي وجوده بسبب تغافله عما لا ينبغي التغافل عنه.

معظم الآراء الدينية عن الكسل تصب في هذا المنحى، فتعتبره عدوًّا مباشرًا للإنسان، يُقعِد من يتصف به عن عمل الدنيا والآخرة على حد سواء، ولذلك ينبغي الاحتراس منه ومحاربته، عن طريق شحذ الهمم وبذل الجهد والإكثار من أدعية دفع الكسل.

في المقابل، هناك من حاول تقديم حلول عملية لمجابهة الكسل، نظرًا لاختلاف أسباب الشعور به من شخص إلى آخر، من بينها وضع جدول زمني لإتمام المهمات، وتقسيم المهام الكبيرة إلى مهام صغيرة، ومراقبة النظام الغذائي، والحصول على قدر كافٍ من النوم.

بعيدًا عن الآراء التي ترى في الكسل مشكلة لا بد من حلها، وباستثناء العوامل البيولوجية التي ربما تدخل في تركيب هذه الظاهرة، ماذا لو أن نظرتنا إلى الموضوع كانت خاطئة أصلًا؟ ماذا لو أن الكسل، في ماهيته، ليس سوى استجابة عابرة لنمط عيشنا السريع الذي لا يترك لنا مجالًا لتدبر أمورنا؟ ماذا لو أن بإمكانه مساعدتنا على التقدم في حياتنا وتحسينها؟

الكسل إبداع

الكسل من وجهة نظر علمية

«أُعيِّن دائما شخصًا كسولًا لأداء الأعمال الصعبة، لأنه سيجد طريقة سهلة لفعلها». مقولة منسوبة إلى «بيل غيتس».

مَن دامَ كسله خاب عمله، هكذا رأى ابن المقفع مآل المتكاسلين والمتقاعسين، الذين يفضلون ترك الأمور إلى آخِر اللحظات، وتسويف أعمالهم حتى تتراكم ويصعب إنجازها. لكن الجنرال الألماني «كورت فون هامرستاين» يقدم وجهة نظر تخالف هذا الحكم.

يقسِّم هامرستاين الضباط إلى أربع مجموعات:

  1. الأذكياء
  2. المجتهدون
  3. الأغبياء
  4. الكسالى

بناءً على هذا التقسيم، يحدد الجنرال الأدوار والمراكز التي تتوافق مع مميزات كل واحد منهم، والتي غالبًا ما تكون حصيلة اجتماع ميزتين من تلك الخصائص التي ذكرها، وذلك حسبما جاء في مقال منشور على موقع «Medium».

يقول هامرستاين إن الضباط الذين يَجمعون بين الذكاء والاجتهاد مكانهم هيئة الأركان العامة للجيش، أما الأغبياء والكسالى فلا يجب أن تتجاوز مهامهم الواجبات الروتينية، التي تمثل نسبة كبيرة من أشغال الجيش.

أما بالنسبة إلى الضباط الذين يتمتعون بالذكاء والكسل معًا، فيرى الجنرال أن هذه الفئة مؤهلة لأعلى مناصب القيادة، لأنها تمتلك الوضوح الفكري والهدوء اللازمين عند مواجهة المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات صعبة ومصيرية.

ويحذر الرجل من أولئك الذين يجمعون بين الاجتهاد والغباء، لأنهم عادةً ما يسببون الأذى في كل محاولة منهم للإصلاح.

قد يهمك أيضًا: ما العلاقة بين الكسل والإبداع؟

«أُعيِّن دائمًا شخصًا كسولًا لأداء الأعمال الصعبة، لأنه سيجد طريقة سهلة لفعلها». هذه المقولة المنسوبة إلى «بيل غيتس» عبقري الكمبيوتر مثال آخر على أن الكسالى ربما يكونون الأفضل لإنجاز المهمات المعقدة، التي قد تتطلب في الأحوال العادية جهودًا مشتركة ممن يأخذون أعمالهم على محمل الجد ولا يحاولون إيجاد طُرقًا للالتفات حولها.

افتح عينيك على الدنيا

نشر الفيلسوف «برتراند راسل» مقالًا بعنوان «في مديح الكسل»، قال فيه إن العمل الذي يُنجزه العالم يزيد كثيرًا عما ينبغي إنجازه.

يسود بيننا اعتقاد يرى أن تحقُّق الأمور العظيمة والنجاح الباهر يكون نتيجةً حتميةً للعمل الشاق والمثابرة والتخطيط الدقيق.

هذه العقلية، التي تحث على العمل المتواصل دون كلل، تجعلنا نتغافل عن كم الأشياء التي تأتي دون تخطيط، والتي يلعب الحظ دورًا مهمًّا في تحقيقها.

ربما يكون كل ما نحتاجه قليلٌ من الكسل، فمهما كان مجال عملنا وأيًّا كانت الآمال والأهداف التي ننوي الوصول إليها في حياتنا، فالعمل الجاد طوال الوقت والسعي المستمر لتحقيق مطامحنا، قد لا يكونان السبيل الوحيد الممكن للنجاح والإجابة الشافية التي ننشدها.

اقرأ أيضًا: لماذا ينبغي أن نحصل على راحة دون شعور بالذنب؟

تحطيم صنم العمل الذي يستعبد ملايين البشر على مدار حياتهم الوجيزة كان الدافع وراء نشر «بول لافارغ» كتابه «الحق في الكسل»، وفيه يعارض لافارغ النظرة المقدسة للعمل لأنها تصب في مصلحة القلة القليلة من أفراد المجتمع، الذين يستغلون السواد الأعظم من البشر بطريقة بشعة وليست إنسانية.

على نفس المنوال، نشر الفيلسوف «برتراند راسل» مقالًا بعنوان «في مديح الكسل» عام 1935، قال فيه إن العمل الذي ينجزه العالَم يزيد كثيرًا عما ينبغي إنجازه، وإن ثَمّة ضررًا يتأتى من الإيمان بفضيلة العمل، واعتبر أن التقدم التكنولوجي في عصره جعل من الكدح الشاق أمرًا متجاوزًا ينبغي الاستغناء عنه،  ذلك أن سبيل السعادة والرفاهية يكون بالتقليل من ساعات العمل والاستمتاع بأوقات الفراغ.

كان راسل يرى أن الثورة التقنية الحاصلة في زمنه تسوِّغ تقليل ساعات العمل إلى أربعة لا أكثر، وخفض الوقت الذي يقضيه العمال داخل المصانع والمكاتب والحجرات غرباء عن أنفسهم وذويهم.

رغم أن التطور التكنولوجي الذي وصلنا إليه في أيامنا هذه يفوق بكثير ما كان عليه الحال زمن نشر مقال برتراند راسل، لا يبدو أن جيوش العمال ستتوقف عن التسابق لحجز أماكن لها في سوق العمل، لأن المنظومة الاقتصادية الحالية لا تزال تُعلي قيمة العمل وتُبقي الطلب عليه متواصلًا، فلا مجال للكسل، والمديح كله للعمل الشاق.

, , , , , , ,