بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

دليل الغزال للهروب من الفهد: ليست مسألة سرعة

الصورة: maxpixel

تخيل أنك في سباق سيارات، وأنك تقود سيارة سريعة، لكن السيارة اللامبورغيني وموتورها الـ12 سلندر خلفك أسرع بكثير. هل تتصور أن الضغط على دواسة الوقود والسير في طريق مستقيم لن يغير من حتمية هزيمتك؟

لو كان لك أن تختار أن تكون حيوانًا، وهذا الحيوان معرض لخطر الصيد من حيوان آخر مفترس، ولنفترض أنه الفهد الصياد، أسرع الحيوانات البرية على وجه الكرة الأرضية. ما الحيوان الذي ستختاره؟ ما أسرع حيوان يمكن أن يحظى بفرصة في الهروب من الفهد؟

هذه هي الفكرة الرئيسية التي جرى بحثها في دراسة نشرتها مجلة «Nature» البريطانية، التي ركزت على المطاردات السريعة بين المفترس والفريسة، مثل الفهد وغزال الإمبالة، وبحثت أفضل الطرق التي تتخذها الفرائس للإفلات من المطاردة.

تنقل المجلة عن «توماس روبرتس»، أستاذ البيولوجي في جامعة براون الأمريكية الذي شارك في الدراسة، إنهم استمروا في العمل لسنوات في دولة بوتسوانا، والنتيجة كانت أول دراسة تجمع بيانات عن الطريقة التي تصطاد بها هذه الحيوانات وكيف تفر ناجيةً في البرية.

رصد الباحثون آلاف حركات الجري السريع، عن طريق تزويد خمسة فهود وسبع غزالات إمبالة وتسعة أسود وسبعة حمير وحشية بأطواق مخصصة، يمكنها تسجيل موقع كل حيوان وسرعته ومعدل التسارع والبطء وتحول الأداء في الثانية الواحدة، وأخذوا نسيجًا للفحص من عضلات كل حيوان.

الحيوانات المفترسة تجد نفسها دائمًا متأخرة خطوة عن فريستها، ويتوجب عليها الجري أسرع للحاق بها، وعليها كذلك أن تحافظ على إمكانية التصرف السريع إذا راوغت الفرائس بطريقة مفاجئة.

أظهرت البيانات أن غزال الإمبالة والحُمُر الوحشية المخططة كانت تتحرك بنصف سرعتها القصوى فقط خلال الهروب من صائديها، لكن لماذا؟

اقرأ أيضًا: «جين غودال»: تجوب العالم من أجل الحيوانات رغم تجاوز الثمانين

لماذا فشل الفهد الأول في اللحاق بالغزال، بينما نجح الثاني؟

طوّرت الحيوانات المفترسة وسائل للوصول إلى فرائسها، وفي المقابل طورت الفرائس كذلك مهارات تضمن لها الإفلات.

صمم العلماء نموذجًا على الكمبيوتر يحاكي الدقيقة الأخيرة في عملية الصيد، بعد أن يكون المفترس على مسافة خطوتين من فريسته. أظهر النموذج أن الحمير الوحشية وغزلان الإمبالة تحظى بأفضل فرصة للهروب إذا جرت بسرعة متوسطة، لأن هذا يسمح بخيارات أكثر للمناورة والابتعاد في اللحظة الأخيرة.

حين تعدو بأقصى سرعتك، لن يكون بإمكانك فعل شيء لو هاجمك أسد في النقطة التي ستكون فيها بالتحديد بعد خطوتين، أما حين تجري بسرعة متوسطة، فإن هذا سيجعلك أكثر قدرةً على تسريع أو تبطيء حركتك والانعطاف بحدة أكبر.. وكذلك الفرائس.

تساعد الفروقات بين الفهود وفرائسها في الحفاظ على توازن الأعداد في مجموعات الحيوانات. وبسبب تلك الفروق، ينجح الأسود في اصطياد فريسة واحدة من بين كل ثلاث طرائد يلاحقها.

وتفترض الدراسة أن هذه الثنائية بين المفترِس والفريسة تجعل النوعين يتشاركان سباق التسلح التطوري، أي أن كل نوع يتكيف ويتطور طبقًا لتطور الآخر حتى يستطيع التصدي له، يحاول أحدهما أن يأكل، ويصارع الآخر كي لا يؤكل.

ليست السرعة إذًا المعيار الوحيد الذي يحكم نتيجة الصيد في عالم الحيوان، فمثلما طوّرت الحيوانات المفترسة وسائل للوصول إلى فرائسها، من بينها عضلات قوية قادرة على دفع أجسادها إلى الإمام بسرعة كبيرة، كذلك طورت الفرائس مهارات تضمن لها مساحة من الإفلات، مثل القدرة على تغيير مسارها بسرعة كبيرة، وبالتالي الابتعاد عن مرمي أنياب ومخالب الحيوانات التي تطاردها. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الطبيعة.