الأقل حظًّا

الجنة ليست على الجهة الأخرى: تجربة شاب غزاوي للهجرة إلى أوروبا

الصورة: Getty/Alessandra Benedetti

رغم علمهم بأخطارها، يجازف الشبان الفلسطينيون في غزة بالهجرة إلى الدول الأوروبية، بعد فقدانهم الأمل في مستقبل أفضل في بلدهم، وشعورهم بالإحباط الشديد بسبب عجزهم عن تحقيق أحلامهم وطموحاتهم في القطاع، بعد أكثر من 11 عامًا من الحصار الإسرائيلي.

وفق إحصائية صادرة عام 2015 عن «الجهاز المركزي للإحصاء» الفلسطيني، فإن نحو 24% من الشباب (من 15 إلى 29 سنة) لديهم الرغبة في الهجرة إلى الخارج، ويبدو أن للأوضاع السائدة في القطاع دورًا في ارتفاع نسبة الرغبة في الهجرة، إذ بلغت نسبة الراغبين في الهجرة في القطاع نحو 37% مقابل 15% في الضفة الغربية. ويُلاحَظ أن الشباب الذكور أكثر ميلًا للتفكير في الهجرة مقارنة بالإناث، فقد بلغت هذه نسبة الذكور 29% مقابل 18% لدى الإناث.

غزة: بداية الرحلة

الصورة: Ggia

الشاب خالد الدريني (27 عامًا) من غزة، مثل باقي أبناء جيله، ضاقت به سبل الحياة، وانتابه اليأس حتى وصل به الأمر إلى التفكير في الهجرة إلى إحدى الدول الأوروبية، في محاولة منه لتحقيق حلمه بحياة أفضل.

يقول خالد لـ«منشور»: «في 2015، وبعد الإحباط الذي أصابني نتيجة إغلاق جميع منافذ الرزق، قررت مغادرة القطاع، والهجرة إلى إيطاليا كمحطة أولى عن طريق البحر، ومنها إلى دولة أوروبية أخرى للبحث عن فرصة عمل».

لكن الهجرة تحتاج إلى مصروفات كثيرة لا يملكها الشباب: «ظللت أعمل ليلًا ونهارًا، وبأجور زهيدة، بهدف جمع الأموال اللازمة لتكاليف الهجرة. بعد ستة أشهر من العمل الشاق الذي تجاوز 14 ساعة يوميًّا، وفرت المبلغ اللازم للسفر. ودعت عائلتي وأصدقائي، وبدأت الرحلة الأهم في حياتي، مغادرًا قطاع غزة عبر مصر إلى تونس».

بعد المعاناة الشديدة أمام معبر رفح، والانتظار 24 ساعة في إحدى صالات المغادرة، دخل خالد الأراضي المصرية أخيرًا. في اليوم التالي، ومع ساعات الصباح الأولى، وصل إلى مطار القاهرة للسفر إلى تونس بعد حصوله على تأشيرة الدخول من أحد مكاتب السفر الموجودة بكثرة في غزة.

قد يهمك أيضًا: الهجرة: فتح الحدود فرصة اقتصادية لا تعوض

تونس: التواصل مع أحد المهربين

وصل خالد إلى تونس، وعلى الفور تواصل مع أحد المهربين، ويدعى أبو نضال الذي تعرَّف إليه عن طريق صديق غادر القطاع إلى إيطاليا. أبلغه المهرب بأنه ينبغي عليه المغادرة إلى جزيرة جربة غربي تونس، وأنه سيكون في انتظاره هناك.

كانت ساعات الانتظار طويلة جدًّا. ولا يتوفر فيها أي مرافق لقضاء الحاجة، وقبل الفجر دخل علينا المهرب وطلب منا تكاليف الرحلة.

توجَّه خالد إلى الجزيرة في الثامنة ليلًا بتوقيت تونس، بعد أن حزم أغراضه استعدادًا لملاقاة المُهرِّب الذي تواصل معه عن طريق هاتفه المحمول، ليخبره بأن عليه الانتظار إلى حين حضور سيارة وصفها له، كي تُقله إلى منطقة قريبة من شاطئ البحر، ليبدأ مع ساعات الفجر الأولى رحلة الهجرة إلى ايطاليا.

يقول خالد: «ركبت السيارة، وبعد أربع ساعات وصلت إلى المكان المحدد لبداية الرحلة. اصطحبني سائق السيارة إلى غرفة خشبية لا تتجاوز مساحتها 24 مترًا مربعًا، وبها نافذة واحدة صغيرة، فشاهدت ما لم أكن أتوقعه: رجالًا ونساء وأطفالًا ينتظرون. يزيد عددهم عن 80 شخصًا من جنسيات مختلفة، ومعظمهم لا يتحدثون اللغة العربية، ويبدو أنهم أفارقة».

كانت ساعات الانتظار طويلة جدًّا. فنحن في غرفة تبدو أسوأ من زنزانة، إذ إنها تسع بالكاد الموجودين فيها، ولا يتوفر فيها أو بالقرب منها أي مرافق لقضاء الحاجة بعد كل هذا الانتظار الطويل.

قبل الفجر بنحو نصف ساعة تقريبًا، دخل علينا المهرب أبو نضال، وطلب منا تكاليف الرحلة قبل المغادرة إلى شاطئ الجزيرة، ليدفع كل فرد 1100 دولار أمريكي. بعد أن استلم النقود حضرت سيارة متوسطة الحجم بيضاء اللون لتنقلنا إلى الشاطئ، حيث نقلتنا قوارب مطاطية إلى السفينة التي كانت تنتظر على بُعد عدة أمتار، ومن المقرر أن تنقلنا إلى إيطاليا».

اقرأ أيضًا: الحلم الأمريكي كابوس أوروبي: القارة العجوز تخشى شباب المهاجرين

إيطاليا: مركب المهاجرين

الصورة: Óglaigh na hÉireann

صعد خالد برفقة المهاجرين إلى القوارب، ليستولي الخوف على جميع من يستقلونها. وبعد أن أصبحت القوارب في عرض البحر، وشعر المهاجرون بالرعب بسبب التفكير في إمكانية وصولهم إلى بر الأمان، أم سينتهي بهم الأمر إلى الغرق كما حدث مع آخرين قبلهم.

ازدادت برودة الجو، ولم يكن على متن القوارب أي أغطية أو طعام أو شراب. وبعد ثلاثة ساعات من الإبحار في الظلام، فوجئ المهاجرون بقوارب خفر السواحل الإيطالية تقترب منهم، وتسلط الإنارة عليهم، وتطالبهم عبر مكبرات الصوت وبلغة لا يفهمونها، بأن تتوقف القوارب، قبل أن يجلبوا الأغطية للأطفال والنساء، ويسوقوا المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.

صعوبة الحياة جعلت خالد يتخلص من كل أوهامه عن جنة الهجرة، ليقرر أخيرًا العودة إلى قطاع غزة.

يوضح خالد: «اصطحبتنا القوات الإيطالية إلى أحد معسكرات المهاجرين، والذي يشبه معتقلًا كبيرًا، إذ إنه محاط بالأسلاك الشائكة. بعد شهر ونصف من وجودنا في المعسكر قررت السلطات الإيطالية السماح لنا بالبقاء في إيطاليا. وبعد البحث عن عمل لما يزيد عن ثلاثة أسابيع، لم يحالفني الحظ بالعثور على أي وظيفة، فقد واجهتني عوائق كبيرة، أهمهما عدم إتقان اللغة الإيطالية».

حاول خالد الهجرة من إيطاليا إلى النرويج، والحصول على تأشيرة الدخول، إلا أن محاولاته باءت بالفشل بعد خمسة أشهر من البقاء في إيطاليا التي اعتقد أنه سيحصل فيها على فرصة عمل مناسبة تمكِّنه من تحقيق أحلامه، لكن الأمور سارت عكس ما كان يتوقعه.

بعد انقطاع السبل أمام خالد في تحقيق حلمه بعيش بحياة كريمة في إحدى الدول الأوروبية، ورغم أن حلمه قد تحقق بالوصول إلى أوروبا، فإن صعوبة الحياة جعلته يتخلص من ما تخيله سابقًا عن جنة الهجرة، ليقرر أخيرًا العودة إلى قطاع غزة.