كالنقش على الحجر

ليس كل الإجابات في المدرسة: الجهل كوسيلة للتعليم

الصورة: Getty/Spencer Weiner

«وقال لي: اختم علمك بالجهل وإلا هلكت به». النفري، في «المواقف» و«المخاطبات».

في عام 1818 كان «جوزيف جاكوتو»، المفكر الشهير وصاحب العديد من نظريات التعليم، يبحث خلال عمله في إحدى الجامعات الهولندية عن طريقة للتواصل مع الطلبة الذين يجهلون اللغة الفرنسية، في الوقت الذي يجهل هو فيه أيضًا اللغة الهولندية. كان من المصادفة أن يَلقى رواية مزدوجة اللغة (هولندية وفرنسية)، فطلب من تلاميذه أن يلخصوها باللغة الفرنسية.

أخذ جاكوتو يتساءل عن نتائج التجربة، وعن العجز الذي يمكن أن يلقاه الطلبة في فهم وحل مشكلات لغة جديدة عليهم دون مساعدتهم في تفسير أي شيء، وكم كانت الدهشة التي أصابته عندما اكتشف أنهم استطاعوا تجاوز هذا الحاجز الصعب دون مساعدة، ودون الاستعانة بتفسير للنص أو طلب مساعدته هو شخصيًّا في تقديم أي شيء مرتبط بقواعد اللغة الفرنسية وتركيب الجُمل.

فهل تفسيرات المُعلم غير ضرورية إذًا؟ وهل يمكن الاستغناء عن المدرسين كأداة تفسير للطلاب؟

الإجابة النموذجية

مشهد من فيلم «Captain Fantastic» يثبت وجهة نظر الأب في إبعاد ابنته عن التعليم الحكومي

يتعلم الطلاب في الصغر اللغة عبر الإنصات للكلمات التي تُقال حولهم، وعندما يُباشر المُعلم عمله، تقل استقلاليتهم ويحل المُعلم محل ذكائهم وسرعة بديهتهم.

في مشهد من فيلم «Captain Fantastic»، نرى الأب الذي يقرر أن يُبعد أبناءه عن الدراسة الحكومية وتعليمهم منزليًّا. تتهمه خالة أبنائه بأنه مُستهتر، وأن الأطفال بحاجة إلى مَدرسة كي يتعلموا، فيسأل الرجل ابنته عن بنود وثيقة الحقوق الأمريكية، وعندما تبدأ في سرد البنود يقول لها: «لا أسألك حتى تقولي لي كلامًا محفوظًا، أعطني نبذة عن تلك الوثيقة بكلماتك أنتِ». ثم يقارن ذلك بإجابات أبناء خالتها الذين يتعلمون بطريقة نظامية، فيراها تذكر أشياء مما لُقِّنوه في المدرسة، لا ما فهموه هم عن الوثيقة.

ربما يمكننا أن نقترب من خلال هذا المثال إلى فكرة الإجابة النموذجية، التي يلقنها المُدرس/المُفسر/كِتاب المدرسة للطلاب دون النظر إلى إمكانيتهم في تكوين إجابات شخصية تُعبر عن آرائهم في المادة العلمية.

في كتابه «المعلم الجاهل»، يتطرق الفيلسوف الفرنسي «جاك رانسيير» إلى تجربة جاكوتو مع تلاميذه ووظيفة المُعلم وموقعه في العملية التعليمية، وتلك البداهة المترسخة في المنظومات التعليمية عن ضرورة تفسير المادة العلمية كي يمكن نقل المعرفة وتقديمها بسيطة إلى الطلاب، ويكون فيها المُفسر/المُعلم هو الحَكم الأساسي على استيعاب الطلاب للمادة العلمية من عدمه.

يجادل رانسيير في أن الطلاب في الصغر يتعلمون لغتهم الأم عبر الإنصات وترديد الكلمات التي تُقال حولهم، ويُخطئون ويصححون أخطاءهم، ويتكلمونها في سن مُبكرة بواسطة آباء يرددون لهم الكلمات فقط، وقبل أن يُباشر المفسرون مهمة تعليمهم.

لكن عندما يبدأ المُعلم عمله، تقل استقلالية الطفل في الاعتماد على نفسه، ويحل المُعلم/المدرسة محل ذكاء المتعلم وسرعة بديهته. ومع تزايد عدد المقررات وكثرة عقليات وطُرق المُعلمين في التدريس، تتضاءل قدرة الطفل في التعبير عن نفسه من خلال ما يتعلمه، وينصهر داخل الفصول المدرسية، وتتكفل المدرسة بتقديم العالم للطفل كثنائية حادة: عقول عالمة وعقول جاهلة، أو عقول ذكية وعقول بليدة. تنتهي قدرة الطفل في الاعتماد على نفسه إذًا، ويتبنى وجهة نظر بديلة تتردد على أذنه طيلة الوقت.

ربما يكون هذا هو الركن الأساسي في عديد من وجهات النظر التربوية التي بدأت تشكك في فعالية النظام المُفسر في عملية التعليم. أن نترك الطفل يشكِّل وجهات نظره بنفسه.

اقرأ أيضًا: في قاعات الدرس كما في الحياة: الذكور أكثر هشاشةً

ذكاءات متكافئة

جزء من لوحة «موت سقراط»

المعلمون الجيدون يوجهون ذكاء التلميذ بفضل أسئلتهم الاستفهامية التي تبحث عن إجابات، وليست الأسئلة التي تنتظر إجابة معينة لدى السائل.

«التحرر هو الوعي بهذا التكافؤ وبهذا التبادل، الذي يسمح للذكاء بأن يتحقق ويكون رهانًا». جاك رانسيير.

تَدّعي المدارس، ضمنيًّا، أن هناك تفاوتًا في ذكاء الطلاب بالفطرة، وأن هذا بالتحديد هو ما يتسبب في الفوارق بينهم. الطالب الأكثر ذكاءً إذًا هو الذي يستطيع أن يستوعب المقررات الدراسية ويجتاز الاختبارات بنجاح، والآخرون محدودو الذكاء وليست لديهم القدرة على فهم المقررات الدراسية.

هناك دائمًا نوع من اللوم أيضًا يقع على المعلمين عندما تزداد نسبة الرسوب في فصولهم، ويرتكز هذا اللوم إلى عجزهم عن إيجاد سُبل لتلقين الطلاب بشكل جيد.

يرى رانسيير أن الطريقة السقراطية في العلم، التي تعتمد على إثارة التساؤل والمراوحة بين الأسئلة والأجوبة، تُعتبر شكلًا من أشكال التبليد المُتقن.

كان سقراط يسأل عن بعض الحقائق الرياضية بطريقة المعرفة المغلقة على نفسها، إذ كان دائمًا في موضع العارف والمحيط بالإجابة الصحيحة، ولهذا فإن رانسيير يجادل بأننا لكي نخوض عملية تعليمية حقيقية، يجب أن يكون المعلم طالبًا والطالب معلمًا، وأن يستمر تبادل الأدوار بينهما طوال رحلة التعلم هذه، وأن تكون السلطة متبادلة دائمًا، حتى يتحرر المرء وتكون لديه آراؤه النابعة من أفكاره الخاصة، وليست آراء يحفظها ويرددها، بشكل ينزع قدرته على التفكير وعلى إيجاد إجابات خاصة به.

يقول رانسيير إن المعلمين الجيدين هم من يوجهون ذكاء التلميذ بفضل أسئلتهم، أسئلتهم الاستفهامية التي تبحث عن إجابات وليست الأسئلة التي تنتظر إجابة معينة لدى السائل، وكان ذلك ما يجب على سقراط إظهاره مع تلاميذه حتى يتغير موضعهم ويستطيعون السير وحدهم بحثًا عن إجاباتهم الخاصة، فليس غياب التعليم هو الذي يُسهِم في تبليد الشعوب كما كان يدّعي سقراط، بل الاعتقاد بدونية ذكاء الناس، وعدم قدرتهم على الوصول إلى إجاباتهم الخاصة وقت إتاحة الفرصة لهم.

لكن كيف يكون المعلم جاهلًا بالعلم الذي يقدمه إلى تلاميذه؟

قد يهمك أيضًا: وهم تقدير الذات: «اسمع كلام أمك وقُم ذاكر»

المعلم الجاهل

لوحة «مدرسة أثينا»

«وقال لي: المعرفة التي ما فيها جهل هي المعرفة التي ما فيها معرفة». النفري، في «المواقف» و«المخاطبات».

المعلم الذي لا يشك في ذكائه ولا يُظهر جهله بأي شيء لتلاميذه، يُقصي ذكاء تلاميذه ويفرض صوته على أفكارهم.

قوة التعليم تتجلى في وعي المعلم بالاستقلالية، وإثارة هذا الوعي لدى المتعلم.

في رواية «قواعد العشق الأربعون»، ينصح شمس التبريزي أحد التلاميذ فيقول: «إذا ظللت تبحث عن معلم في المستقبل، فأرجو أن تتذكر قاعدة ذهبية تقول: يوجد معلمون مزيفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم، أكثر عددًا من النجوم في الكون المرئي. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يُعلمون بدافع السلطة، وبين المعلمين الحقيقيين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه، ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجابًا تامًّا منك، بل يساعدك على أن تقدِّر نفسك الداخلية وتحترمها. المعلمون الحقيقيون شفافون كالبلور، يَعبُر نور الله من خلالهم».

المعلمون الأنقياء الذين يتحدث عنهم التبريزي هم الذين يدركون واجب مشاركتهم في عملية البحث والتعلم مع تلاميذهم، وتمديد كفايته إلى حد التحقيق من اهتمام التلميذ لما يقوله ويفعله، وليس التحقق من إنجاز يريده المعلم.

تتجلى قوة التعليم في وعي المعلم بالاستقلالية وإثارة هذا الوعي لدى المتعلم، فيمكن للأب تحرير ابنه إذا شرع في مساعدته في معرفة نفسه بنفسه، أي ملاحظة الأفعال الذهنية التي يؤديها وملاحظة الطريقة التي يستخدمها في أعماله، من أجل إبراز قدرته بوصفه كائنًا مفكرًا.