اعرف نفسك

هل أنت مغفل؟ هل أنت متأكد؟

الصورة: Getty/ Igor Ustynskyy

مقدمة التحرير

لا يوجد، بحسب علمنا، في العربية مرادف يشمل جميع معاني كلمة «Jerk» الإنجليزية. لا نعني التعبير الإنجليزي التقليدي الذي يوحي بالاهتزاز وعدم الاستقرار، نقصد هنا تحديدًا الكلمة الدارجة بالعامية الأمريكية، التي تتضمن معاني مثل الشخص الضحل، غير المحبوب، كثير الصفات السيئة، النرجسي، من لا يهتم بمشاعر الآخرين، من لا يرى إلا نفسه ومشكلاته، المنغلق على ذاته، من لا يمكن نقاشه. هل ميَّزت ما نقصده؟

لم نستطع الوصول إلى كلمة واحدة تضم كل هذه الصفات، لكننا صادفنا كلمة «شخص حمار» في اقتراحات «Google Translate». كان هذا طريفًا بالطبع، وبدا لنا أنها تتضمن بعض هذه المعاني، لكننا مرة أخرى وجدنا صعوبة في معرفة السياق الذي يحمله لفظ «حمار» في الثقافة الشعبية. هل يعني الغباء الصرف؟ هل يعني الجهالة؟ السخافة؟ هذا ما جعلنا نتوقف قبل أن ننجرف في مقاربة لغوية عن الأسباب التي دعت كثير من الشعوب إلى إطلاق لفظ «حمار»، باعتباره شتيمة، سُبَّة.

ليس من الضروري محاولة نقل المعنى كاملًا، لأن هذه الكلمة تحمل ببساطة سياقها اللغوي والاجتماعي بالكامل معها. لا يجب علينا أن نحاول البحث عن «ترجمة» إذًا، ربما علينا البحث عن «تعريب» من نوع ما. عندما تصادف كلمة «أحمق» أو «مغفل» في هذا المقال، عليك أن تعرف أن المقصود هو «Jerk»، الذي لا نعرف له تعريبًا مناسبًا. عمومًا، لو كان لديك اقتراح، فإننا نحب أن نقرأه في التعليقات أسفل الموضوع.

نهاية مقدمة التحرير

***

يوجد شيء ربما لم تفكر في فعله هذا الصباح، أن تنظر في المرآة وتسأل نفسك: «هل أنا مُغفل؟».
يعيش معنا مغفلون أصليون، أشخاص يظنون أنهم رائعون، يؤمنون بهذا إيمانًا كاملًا، ويمارسون حياتهم في هذا العالم فخورين بصفات لا توجد فيهم من الأصل. ربما حان الوقت للتوقف قليلًا والتساؤل عما إذا كنا على هذا القدر من الذكاء الذي نرى أنفسنا عليه.

يوضح الفيلسوف الألماني «إريك شويتزغيبيل» في مقال نشره في مجلة «Nautilus»، معالم الحماقة، أو كيف يعرف الإنسان نفسه دون أي حواجز نفسية.

لا أحد مُحصَّن

الصورة: Skitterphoto

في مقاله، يعتمد «إريك شويتزغيبيل» على أبحاث عالمة النفس «سيمين فازير»، وهي باحثة في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، أشارت إلى أن البشر يميلون إلى التعرُّف إلى صفاتهم الذاتية في حالة كانت هذه الصفات ظاهرة بشكل مباشر ومحايدة عند تقييمها، أي إنه ليس جيدًا ولا سيئًا أن تكون لديك هذه الصفات.

مثلًا، يسأل الناس مَن حولهم إذا كانوا ثرثارين أم لا، وسواء كان السائل ثرثارًا أو لا، فإن آراء الناس حوله ستكون مختلفة. وتميل التقييمات الذاتية في حالة السؤال عن درجة الثرثرة لترتبط جيدًا بتقييمات الأشخاص المُحيطين والمعايير الموضوعية.

لكن الحالة تنعكس لو كنا نتحدث عن الإبداع، فهي سمة لا تُحَدد بشكل مباشر، لكنها ذات أهمية في التقييم، وإلا من الذي لا يريد أن يوصف بأنه مبدع؟

حتى وقتنا هذا، لا يفهم علماء النفس جوهر الحماقة فهمًا كاملًا.

وفقًا لفازير، هناك ترابطات ضعيفة بين تقييمات المُحيطين لشخصياتنا وتقييماتنا الشخصية لأنفسنا، ومحاولات علماء النفس لوضع معايير موضوعية للإبداع.

لذلك إذا قررت أن تسأل نفسك يومًا ما: «هل أنا مُغفل؟»، فتأكد أنه سؤال مهم تقييميًّا. وإذا تحمست في إجابتك التي ستكون: «لا، بالطبع لا»، فتأكد أيضًا أن الحماقة من أصعب السمات التي يمكن ملاحظتها.

الأشخاص الأذكياء أكاديميًّا ليسوا محصنين ضد المنطق المتحيز. بل العكس، تشير الأبحاث الأخيرة التي أجراها «دان إم كاهان»، البروفيسور في جامعة ييل، إلى أن الشخصيات المتأملة والمثقفة ماهرة في إيجاد تفسيرات منطقية لمعتقداتها السابقة، حسبما تؤكد كاتبة المقال.

يظن إريك شويتزغيبيل أن هناك ارتباطًا متباينًا بين رأي الشخص في درجة حماقته وحماقته الحقيقة. فبعض المغفلين قد يستوعبون كونهم كذلك بالفعل، لكن الآخرين ربما يعتقدون أنهم مدهشون، في الوقت الذي يمتلك مَن حولهم آراءً سلبية بخصوصهم.

هناك عائق آخر يواجهه المغفل أمام معرفته لذاته. فحتى وقتنا هذا، لا يفهم علماء النفس جوهر الحماقة فهمًا كاملًا، ولا توجد تسمية علمية متفق عليها تنطبق على مجموعة شخصيات يمكن وصفهم بأنهم «مغفلون». مثلًا، المعلم الذي يهين طلابه باستمرار، أو زميلك في العمل الذي يحيل كل اجتماع إلى ساحة معركة، ما التسمية العلمية لشخصياتهم؟

اقرأ أيضًا: هل تصنع الجينات شخصياتنا أم نشكلها بأنفسنا؟

كيف يرى المغفل العالم؟

الصورة: Ingo Joseph

يوجد في علم النفس ما يسمى شخصيات «ثالوث الظلام»، وهم الفئات المعترَف بها علميًّا الأقرب إلى شخصية «المغفل». يتكون هذا الثالوث من الشخصية النرجسية والميكيافيلية والسيكوباثية.

تؤمن الشخصية النرجسية بأنها أكثر أهميةً ممن حولها، وهو ما يعتقده المغفلون أيضًا، سواءً بشكل ضمني أو صريح. ومع ذلك، فإن النرجسية ليست الحماقة بالتحديد، لأن النرجسي يريد دائمًا أن يكون مركز الاهتمام الأول للمجموعة، وهذه الرغبة غير موجودة عند المغفلين دائمًا.

أما الشخصية الميكيافيلية، فتميل إلى التعامل مع الناس باعتبارهم أدوات يمكن استغلالها لتحقيق أهدافها الخاصة. لكن هذا أيضًا ليس فقط وصف الحماقة بالضبط، لأن الشخصية الميكيافيلية تتضمن السخرية الواعية الذاتية، في حين أن المغفل في كثير من الأحيان يكون جاهلًا بانحيازه لمصلحته الذاتية.

أما السيكوباثي، فهو أناني وقاسٍ، لكنه ليس أحمق بالضرورة.

ما الذي على المغفل فعله؟

ينظر المغفل إلى العالم عبر نظارات هدفها تقليل إنسانية من حوله.

الخطوة الأولى أن نفهم بوضوح مفهوم الحماقة. يؤكد شويتزغيبيل أنه ينبغي تصنيف «الحماقة» كفئة مستقلة جديرة بالدراسة العلمية. كلمة «مغفل» تسلط الضوء على ظاهرة حقيقية جدًّا ولا يوجد مفهوم آخر في علم النفس يشملها. المغفل من يفشل في استيعاب وجهات نظر من حوله، ولا يعاملهم كرفقة معرفية ومعنوية، بل يعاملهم كأدوات يمكن التلاعب بها، أو يرى أنهم شديدو البلاهة عن أن يخالطهم.

أن تكون مغفلًا يعني أن تكون جاهلًا بطريقة معينة، جاهلًا بقيمة الآخرين من حولك، وبجدارة أفكارهم وخططهم، رافضًا رغباتهم ومعتقداتهم.

ينظر المغفل إلى العالم عبر نظارات هدفها تقليل إنسانية من حوله. فمن وجهة نظره، مستحيل أن يكون نادل المطعم شخصًا مثيرًا للاهتمام أو صاحب شخصية مميزة، أو أن يكون له قصة حياة وأهداف، بل هو مجرد أداة لتأمين الغداء، شخص أبله بإمكانه أن يصب جام غضبه عليه. كل الناس الذين يتعامل معهم مجهولون لا اعتبار لهم، موجودون فقط تحته في التسلسل الهرمي الاجتماعي، يفتقرون لمواهبه ويستحقون أسوأ الوظائف.

وليزيد شويتزغيبيل من فهمنا للحماقة، حلَّل الشخصية النقيضة للأحمق: شخصية الودود الطيب، وهو الشخص الذي عادةً ما يتنبه إلى احتياجات من حوله ومصالحهم، ويهتم بأفكارهم وتفضيلاتهم، ويسائل نفسه إذا كان مخطئًا في حالات النزاع. تخيل لو خلعنا النظارة التي يرى بها المغفل العالم ووضعنا نظارات الودود الطيب؟ هذه النظارات ترى كل الأشياء حية، اهتمامات الآخرين، وأهميتهم، ورونق كل فرد منهم.

لا يوجد أحد يمكن وصفه بأنه مغفل أو ودود تمامًا. تؤكد عدة عقود من البحوث النفسية أنه عندما يتعلق الأمر بسمات الشخصية الرئيسية والمهمة، فإن الجميع يكونون، إلى حد كبير، متفاوتين ومعقدين، ويخضعون لمجموعة متنوعة من التأثيرات المتغيرة.

لكن أين أنت بالتحديد على الطيف المتدرج من «مغفل» إلى «ودود»؟ ومتى تكون أيهما؟ ونحو مَن بالتحديد؟ ربما لا شيء أكثر أهمية من طبعك الأخلاقي غير درجة حماقتك. إنها السلوك الأخلاقي الأساسي تجاه العالم حولنا.

يساعد هذا التعريف على رؤية ما يعوق المغفل عن المعرفة الذاتية. أحد العوائق هو: إلى أي مدى يقلق هذا الشخص من أن يكون مغفلًا؟

إذا كان الخوف والعار يزعجانه بسبب سلوكه الرهيب تجاه شخص ما، ففي تلك اللحظة، بحكم الخوف، يعترف بأهلية هذا الشخص ومصالحه، ويراه فردًا له ملاحظاته الأخلاقية عليه، بدلًا من النظر إليه كأداة أو أبله. وبهذا، فإنه خلع نظارات المغفل التي يرى بها العالم للحظة على الأقل.

بهذه الطريقة، ولسخرية القدر، فإنه في كثير من الأحيان نجد الشخصية الودودة أكثر قلقًا من أن تكون قد تصرفت كالمغفلين، فتجد الودود يقترب منك في وقت لاحق بوجه أحمر معتذرًا عن سلوكه الذي لم يكن فظيعًا أصلًا. لكن، في المقابل، لا شيء أكثر غرابة من الاعتذار بالنسبة إلى المغفلين.

شعرت بالارتياح، صحيح؟ وفكرت في أنه «مهلًا، أنا قلقٌ من أن أكون مغفلًا، وها أنا أقرأ مقالًا عن الموضوع نفسه، إذًا أنا بالطبع لستُ مغفلًا بالمرة». هل توقفت عن القلق؟ في هذه اللحظة بالذات، لو كنت مغفلًا، يمكن لحماقتك أن تعود وتفرض نفسها من جديد.

العائق المميز الآخر الذي يعرقل المعرفة الذاتية للحماقة هو عدم القدرة على الإنصات. من المسلَّم به أن الإنصات أحد أهم طرق المعرفة الذاتية الأخلاقية. الإنصات بانفتاح تام للانتقادات الأخلاقية من الآخرين. المغفل لا يمكنه فعل ذلك بسهولة لأنه يميل إلى عدم رؤية الآخرين كأقران يستحقون الاحترام الفكري والأخلاقي، لذا، فهو نادرًا ما يتقبل النقد تقبلًا بنَّاءً.

لماذا عليه أن يسمع بجدية كلام أداة أو شخص أبله؟ لماذا يحاول أصلًا الانخراط في منظورهم النقدي أو رأيهم فيه؟ على الأرجح سيرفض المغفل أن يتقبل النقد، بل سيهاجم أو يرد بغطرسة أو يغادر المكان غاضبًا.

اعرف نفسك، انظر حولك

الصورة: Kaique Rocha

لاحظ الناس من حولك، هل هم أدوات ومجانين، أم أن كل واحد فيهم له فرادته المثيرة للاهتمام؟

إذا كان جوهر الحماقة هو الفشل في فهم وجهات نظر الآخرين المحيطين بالمغفل، فهذا يشير إلى المسار المرجَّح، لكن غير الواضح لمعرفة الذات: «لا تتمعن في ذاتك، بل في من حولك». فبدلًا من التحديق في المرآة ابتعد عنها، واكتشف الألوان التي رُسِمَ العالم بها.

أسأل نفسك: هل أنت محاط بالبُله والتافهين، أو بسيئي الذوق وذوي الرغبات السخيفة، أو بالمملين الذين تشعر بأنهم لا يستحقون انتباهك، أو بالمتكبرين، أو بالمغفلين؟

إذا كانت الإجابة «نعم»، وكانت هذه هي نظرتك إلى العالم دائمًا، فلدينا أخبار سيئة لك: الاحتمال الراجح أنك مغفل، فالعالم لا يبدو هكذا لمعظم الناس. رؤيتك هي المشوهة، عيناك لا تريان فرادة الناس حولك ولا إمكانياتهم.

يختم شويتزغيبيل مقاله باقتراح متواضع: فكر في هذا المقال في وقت لاحق، وقت تكون فيه محاطًا بآخرين (ربما في وقت الغداء، أو في اجتماع للإدارة، أو في حفل، أو في ساحة مزدحمة). لاحظ الناس من حولك، هل هم أدوات ومجانين، أم أن كل واحد فيهم له فرادته المثيرة للاهتمام؟

لاحظ، بعبارة أخرى، إذا كنت ترتدي نظارات شخصية المغفل. فكلنا نرتديها في بعض الأحيان، لكننا لسنا عالقين بهذه الرؤية عن العالم. فبمجرد أن تتأمل في الأمر قليلًا، سيرى معظمنا الخلل في تلك الرؤية، وهذا أول الطريق لخلع تلك النظارات.

, , , , , ,