وجدنا عليه آباءنا

تراجيديا كربلاء: حول الفن والدراما في الحسينيات

الصورة: ليلى أحمد

الفن المسرحي في تجسيد ملحمة الحسين التراجيدية يحمل في جوهره عناصر قوتة الاجتماعية وأواصر علاقاتة الدينية، ما يجعله حاضرًا ومستمرًّا ومقدسًا منذ قرون حتى اليوم، وأضيفت إليه في السنوات الأخيره تجديدات على الشكل، من خلال التجسيد التمثيلي للشخصيات الرئيسية المقدسة التى استشهدت في موقعة الطف (معركة كربلاء)، وربما جاء هذا التجديد بعد صعود الإسلام السياسي إلى منصة الحكم في دولتين جارتين هما إيران والعراق، المكون الشيعي هو الأكثر فيهما، وهذا التقرير يرصد الطقوس المسرحية والاجتماعية في الحسينيات الرجالية والنسائية في الكويت.

لعل قداسة مذبحة كربلاء مناسبة يوليها الشيعة جُلَّ اهتمامهم في أول شهر محرم من السنة الهجرية، حين قُتل الحسين حفيد النبي محمد من ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب. في اليوم نفسه، قُتل من كانوا مع الحسين، ومنهم أبو الفضل العباس أخوه، وولداه: الأكبر علي والرضيع عبد الله، وقُتل كذلك ابن زينب، وأبناء الحسن بن علي، ومنهم القاسم، الذي تلاقحت فيه الدراما الإنسانية في أجَلِّ وأعلى صورها. لم يبقَ على قيد الحياة من نسل الحسين سوى علي ابنه، الذي كان مريضًا فلم يتمكن من الخروج إلى المعركة.

كان مقتل آل بيت الرسول منعطفًا دراميًّا حادًّا في التاريخ الإسلامي، قُتلوا جميعا ظلمًا بعد حصار دام ثلاثة أيام، مُنعت عنهم خلالها المياه. قُتل الرجال الكرام، وسُبيت النساء وزوجات وأطفال الشهداء، وسيقوا إلى الشام حاملين رأس الحسين المقطوع ورؤوس قتلى موقعة الطف مرفوعةً على أسنة الرماح، ونُقلوا إلى الشام.

حملت أجَلُّ الصور التراجيدية النقيضين بين فرح وحزن، فقد طلبت العائلة من القاسم بن الحسن أن يتزوج في نهار المعركة، فاستجاب لطلب عمتة زينب. وما بين طقوس عُرس تقام له في الحسينيات، بكامل تجسيده التمثيلي من أداء ممثل إلى أزياء وإكسسوارات تترافق مع قارئة تسمى مُلَّاية، تلقي بصوت شجي قصة خروج القاسم في ذات اللحظة إلى المعركة دفاعًا عن عمه الحسين وصولًا إلى مقتله، تجلَّت الرؤية الميلودرامية الحزينة، فيقام مشهد جنائزي تمثيلي لمقتله يثير المشاعر ويُدِرُّ الدموع.

تؤدَّى في الحسينيات النسائية حركات طقسية، مثل الوقوف في دائرة وتقرأ المُلَّاية النعي شعرًا حزينًا، كأن تُعَبر عن مشاعر زينب أو أم القاسم، أو تروي حوارًا عن المصير، فتخلع الشابات اليافعات أو صاحبات النذور الحجاب الأسود، ويتوسطن الدائرة ويضربن بأكفهن الجباه والصدور بعنف، فيما تلطم النساء في الصفوف الخلفية صدورهن.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت قوافل من النساء يزرن الحسينيات في حافلة، ويحملن الأعلام السوداء والخضراء وعليها كتابات مناجاة للحسين أو أحد أفراد أهل بيته، ثم يتوسطن الدائرة النسائية في مشهد تراجيدي يجسد التأثر بمقتل أهل البيت. هي أقرب إلى الفرجة المسرحية في شكلها العفوي.

قسَّم الشيعة اليوم إلى عشرة أيام تبدأ من أول شهر محرم، في سرد الأحداث، كل يوم قصة شهيد من آل البيت، وسُميت الأيام الأولى «عاشوراء». يعيد بعض الشيعة الملحمة في العشرة الثانية من شهر محرم لمدة عشرة أيام أخرى بعد انتهاء العاشوراء الأولى، ما يعكس ليس فقط إحياء ذكرى عاشوراء، وإنما الوظائف الاجتماعية الأخرى التي تحدث في الحسينيات.

كذلك، يقدم فريق نسائي يسمى «خدام الحسين» مختلف الخدمات الناعمة، مثل الأطعمة والمشروبات، للسيدات الحاضرات في مجلس العزاء الحسني، مما يخلق جوًّا اجتماعيًّا ودودًا، ويطبخن كميات مهولة من الأرز واللحم في قدور ضخمة، وبعضهن يطبخ «مرق قيمة باللحم» مع الأرز أو الهريس، وتوزَّع الأطعمة مجانًا على الجميع في أوانٍ من الألومنيوم.

الشكل المسرحي في الحسينيات النسائية

الصورة: ليلى أحمد

تتدلى معلقات ضوئية من سقف الحسينية الكبيرة، وتغطَّى الجدران كلها بقماش أسود تعلَّق عليه أقمشة مستطيلة بتشكيلات رسوم بدائية.

تتخذ الحسينيات شكل المسرح القديم في الأدب العالمي، تتوسط عمقه منبر خشبي عالٍ وميكروفونات. المسرح هو منصة المُلَّايات، وعلى يمينه وشماله أرائك مريحة تجلس عليها صفوة سيدات المجتمع ذوات الوضع الاقتصادي المتين، وكذلك كبيرات السن، وأسفل المنبر على الأرض مطارح مريحة تجلس عليها المُلَّايات في مواجهه الجمهور، ويرتبن بينهن أدوار صعودهن إلى المنبر للقراءة الحسينية. وأحيانًا، حين يحتاج الأمر إلى تجسيد درامي، لا تصعد المُلَّاية على خشبة المنبر، بل تقف أسفله لتزيد من نار الحماس والاندماج مع من يجسد الأدوار الرئيسية في التعبير الحركي الحي.

الجمهور هو الحضور النسائي المغطى كاملًا بالعباءات السوداء وأغطية الرأس، وجوه دون مساحيق، ينتشرن على مقاعد مريحة أو يفترشن الأرض المغطاة بسجاجيد فاخرة، ويشكلن الكورال، الذي يشارك في ترديد ما تقرأه المُلَّاية من شِعر.

تتدلى المعلقات الضوئية من سقف الحسينية الكبيرة، الجدران كلها مغطاة بقماش أسود عليه أقمشة مستطيلة بتشكيلات رسوم بدائية في التصميم والتنفيذ، مشغولة بالحياكة أو قصقصة الأقمشة، لتجسد يد العباس المقطوعة أو حصانًا مطأطِئ الرأس عليه جثمان شهيد، تصاحبها كلمات «السلام عليك يا أبا عبد الله»، أو كلمات لسيد شهداء أهل الجنة الحسين بن علي، وغيرها كثير، وكلها تجسد مأساة كربلاء.

اقرأ أيضًا: المُلَّاية في المجتمع الشيعي: نساء للدين أم ذراع لرجاله؟

إلى أي حد عزز الخطاب الحسيني دور الحسين في رفض الظلم؟

الصورة: ليلى أحمد

ينقسم الخطاب الحسيني لدى الرجال والنساء إلى قسمين: الأول سرد وقائع وأحداث المعركة وحوارات الشخصيات بين أهل البيت، والثاني نعي شعري منغم وحزين. يختلف أداء الحسينيات الرجالية عن النسائية في «نوعية» الخطاب الديني وقيمته، فتهتم النساء خلال سرد الوقائع بإضافة كثير من العواطف السخية واجترار مشاعر المرأة حين تفقد ابنها أو زوجها ووصف جمال القاسم مثلًا، من خلال إلقاء متوتر بصوت المُلَّاية الباكي الذي يبغي تثبيت فنونها من خلال الإلقاء المميز، فمن تنجح في كسب قلوب النساء تحقق منصة اجتماعية جيدة.

إلى جانب اعتبار الحسينيات منصة دينية، فهي أيضًا جو اجتماعي يحدث فيه تعارفات وتلتقي الصديقات، وربما أيضًا الزيجات.

الخطاب الحسيني النسائي ثابت في حركته وشكله، لا يتجدد في مادته المقروءة، فلا موعظة تُجَاري العصر، ولا طريقة الإلقاء متجددة، يختلف فقط في صوت وأداء المُلَّاية. جوهر الخطاب النسائي إيمانٌ عميقٌ بالمعتقد الشيعي، وهو أقوى من أي منظومة اجتماعية أخرى، فالانتماء إلى الطائفة بين الرجال والنساء في عصر تشتد فيه حروب الطوائف هو الأكثر حضورًا في المشهد الحسيني.

خطاب الرجال من شيوخ الدين وسادته يتميز بالعقلانية، فالقارئ «سيد الوائلي» كان فيلسوفًا مجددًا في طرحه، ومن خلال الخطاب الشيعي كان ينتقل إلى آفاق كونية أكبر تجاري العصر، ينفتح في خطاباته على الآخَر وعلى قيم التسامح والسلام من خلال سيرة أهل بيت النبوة.

قد يهمك أيضًا: عالم الذَّر في الفقه الشيعي: مرحبًا بك حيث قررت مصيرك قبل أن تولد

الحسينيات في مناطق الكثافة الشيعية

الصورة: ليلى أحمد

في السنوات العشرين الأخيرة كثر عدد الحسينيات الرجالية والنسائية، إذ أصبح من السهل على من تمتلك سردابًا في منزلها أو صالة كبيرة أن تحولها إلى مجلس عزاء حسيني، تتبادل زيارة المُلَّايات/القارئات على منبره.

في مناطق الكثافة الشيعية في الكويت، مثل الرميثية وبنيد القار وسلوى والجابرية، نكاد نجد بين كل بيت وبيت حسينية نسائية، فهي إلى جانب أنها منصة دينية، تخلق كذلك جوًّا اجتماعيًّا تحدث فيه التعارفات وتلتقي الصديقات، وربما أيضًا الزيجات، حين تخطب امرأة فتاةً جميلة لابنها من امرأة أخرى موجودة برفقة ابنتها في الحسينية. الحسينيات أيضًا كتلة اقتصادية هائلة، فالطعام اليومي مجانًا، وكذلك الأطعمة الخفيفة والنذور الكثيرة، التي تأتي على شكل أموال سائلة أو نذور تقدم أكياس الأرز والخراف والسكر والشاي وغيرها.

بدأت حسينية المُلَّاية زينب الصراف في عام 1920 في بيتها العائلي، وقد كانت زينب مع ابنتها آسيا يقرءان الوقائع والنعي باللغة الإيرانية، حتى جاءت وفود المُلَّايات من العراق وبدأن بالقراءة حتى عام 1989، وهو تاريخ وفاتها، وحين ورثتة ابنتها الصغرى رقية، اتخذت أرضًا من التبرعات الشيعية في منطقة سلوى، وبنتها بالكامل لتكون مقامًا قائمًا بذاته، وطورت أداءها لتخدم الرواد.

رقية معلمة متقاعدة، تفرغت تمامًا لإدارة الحسينية التى تجد إقبالًا نسويًّا كبيرًا، وتبدو حسينية الملاية زينب الصراف من أرقى وأجمل الحسينيات النسائية. تقول رقية: «انتقيت بنفسي الأشعار من موقعة كربلاء، وكذلك صممت الرسوم والإضاءة التي يمكننا التحكم في بعضها في ليالي تجسيد وتمثيل شهادة أهل البيت، بحيث أضيء الأحمر بلون الدم والأخضر بلون نقاء قلوب أهل البيت».

في السنوات الأخيرة، دخلت المرأة الكويتية سلك القارئات. فهذه زهرة، الاستشارية في الطب النسوي التي لا تزال تعمل في وزارة الصحة وترأس عدة إدارات وأقسام تخصصية، هي إذن ناجحة في عملها، ومع هذا يجعلها إيمانها بمعتقدها تفتح صالة في بيتها للمجلس الحسيني. لا تقرأ زهرة في مجلس العزاء بل تديره فقط، وتؤكد لـ«منشور» أنها «مؤمنة. كرَّست حياتي للعلم والدراسة والعمل، فقررت أن أفتح بيتي لمجلس عزاء الحسين سلام الله عليه في فترة المساء».

كيف ترتبين أمور أطفالك بين ضغوط العمل وإدارة الحسينية؟ لا شك أنه سؤال مفاجئ لزهرة التيىبلغت الخمسين ولم تتزوج، بل كرست نفسها لتقديم واجبها نحو الحسين: «لديَّ الوقت لأتبرك بسيد شهداء أهل الجنة، فمأساته عبرة لمن يعتبر».

الصورة: ليلى أحمد

تعود إحدى الفتيات بما يشبه جثمان الشهيد القاسم، تنحني بحنان على الشهيد الذي بين يديها، ويرتفع الصراخ مرةً أخرى لتعيش النساء النكبة مجددًا.

في ليلة زفاف القاسم، قدمت أربع فتيات رشيقات سامقات الطول أداء تمثيليًّا، بعد أن غطين وجوههن بقماش أبيض وارتدين ثياب الحرب الرجالية، ثم خرجن من غرفة مجاورة من الحسينية تشبه كواليس المسرحية بكامل أزيائهم المسرحية: الصديري الجلدي الطويل المطعم بالتروس الفضية الصلبة، والحذاء «البوت» الطويل، وقبعة الرأس الحديدية التى تتدلى منها السلاسل، وسيف فضي يبرق تحت الأضواء، يسِرنَ بخطوات إيقاعية مع قراءة المُلَّاية، وخلفهن نساء على رؤوسهن صواني مغطاة بالأقمشة.

في طفولتي، كانت هذه الصواني مكشوفة وعليها شموع مضاءة غُرست في الحناء الرطب، ومعها أنواع من الفاكهة والحلويات، أما الآن فتُغطَّى صواني العُرس بقماش أخضر.

تدخل الفتيات إلى المجلس الحسيني بخطوات دربتهن عليها سيدة لم تدرس المسرح، لكنها تجعل أداء الفتيات للرواية متماشيًا مع قراءة المُلَّاية/الراوي في المسرح. هذه الصواني التى تحمل النذور هي نفسها التي كانت تحوي القرابين في المعابد الرومانية القديمة.

قد يعجبك أيضًا: زيارة إلى «مشهد» الإيرانية: ضريح «الإمام الرضا» موضع اشتباك آخر للدين والبيزنس

يخرج فريق الممثلين بعد نصف ساعة من البكاء والعويل، وكأن الحادث طازج ووقع قبل ساعات فقط، ثم تعود إحداهن تحمل ما يشبه جثمان الشهيد القاسم، مغطًى بشرشف (مِلائة) عليها بقع حمراء، وتنحني بحنان على الشهيد الذي بين يديها، هو القاسم، ويرتفع الصراخ مرة أخرى لتعيش النساء النكبة مجددًا.

قدت سيارتي إلى منطقة الدعية باتجاه الحسينية «الكربلائية»، التي تنقسم إلى مجلسين متجاورين، أحدهما ضخم للرجال والآخر أصغر للنساء، زحام شديد كما ليلة المولد في مصر. أوقفت سيارتي بعد كيلومتر، فالشرطة تضع الحواجز الحديدية كي يسير الجميع على الأقدام. الزحام غير طبيعي لكنه منظم ، فوزارة الداخلية وفرت الشرطة النسائية لتأمين الموقع، يساعدهن كوادر شبابية لتنظيم إدارة الحسينية الضخمة.

وفود عائلية وجموع غير طبيعية، أفراد وجماعات يحمل بعضهم كراسي خفيفة لأن المكان داخل الحسينية لا يكفي جميع البشر، فيفترش بعضهم البُسُط في دوائر اجتماعية، عائلات وأصحابًا. تتقدم ناحيتي شابة لتهديني مسباحًا أو وردة أو شمعة، وتقول باسمة: «وهذه الصينية للاحتفال بعُرس القاسم».

الصورة: ليلى أحمد

تركت أم حسين معلمة الجغرافيا التدريس بسبب الالتزامات الكثيرة، لتشارك في زيارات مجالس عزاء نسائية وتقرأ للحاضرات.

أمام الحسينية مساحة ساشعة في فضاء مفتوح خُصصت للنساء المتشحات بالسواد لا تجد فيها موطئًا لقدم، في نهايتها خيمتان كُتب عليهما «موكب عبد الله الرضيع»، واحدة لتقديم المشروبات من ماء وقهوة وشاي وعصائر، والأخرى لتقديم الطعام المجاني للطوابير الطويلة.

فتيات صغيرات برفقة أمهاتهن وصديقاتهن يحملن صواني الورد والشوكولاتة وعدة العُرس، كلٌّ حسب ذوقه وكرمه. رجل يدفع عربة طفله وإلى جواره زوجته وبنات صغيرات كلهن متشحات بالسواد. فتيات مراهقات باسمات يحملن الصواني ويقدمن للناس ما لديهم. يذهب الزوج إلى حسينية الرجال وتنفصل عنه امرأته مع أطفالها إلى تجمعات النساء في الساحة المقابلة، جو احتفالي وشعبي في غاية النظام.

قبل وصولي إلى محيط الحسينية النسائية، ينشط عدد من الصبايا في خيمة لتفتيش الحقائب النسائية وتمرير جهاز إلكتروني على جسد الراغبات في الدخول، مثلما يحدث في مواني ومطارات العالم. هذا التنظيم النسائي يسمى مع الشباب «خدام الحسين» أو «كادر الحسينية». وجدت زحامًا شديدًا منعني من الوصول إلى مرادي، فغادرت المكان.

وفي إحدى الحسينيات النسائية بمنطقة الجابرية، وجدت حشدًا نسويًّا مهولًا. انتظرت انتهاء كل الطقوس حتى تتخفف النساء ويتحدثن عن أخبارهن، وقد تختار امرأة فتاة جميلة جاءت برفقة أمها زوجة لابنها.

انتظرت أن تنتهي المُلَّاية من القراءة، ها هي أم حسين، معلمة الجغرافيا التي تركت التدريس للتفرغ للقراءة لأنها «أكثر ثوابًا». تقول لـ«منشور»: «تركت التدريس بسبب الالتزامات الكثيرة في مجلس عزائي، وأشارك في زيارات مجالس عزاء نسائية وأقرأ لهن، وهذا ثواب كبير».

أم حسين مريحة، غير عابسة، سألتها: هل تعود عليك قراءتك في المجالس النسائية بدخل مادي؟ قالت: «أفعل ما أفعله إيمانًا مني، لذلك فهو مجانًا، لكن كثيرًا من المُلَّايات يقبض حسب جماهيريتهن من أصحاب الحسينيات». وفي بقية أشهر العام، تشارك أم حسين في القراءة في مجالس العزاء العادية، واستفادت كذلك من موجة تحريم الأغاني في حفلات عقد القران والأعراس، إذ تنشد أناشيد المولد النبوي وبعض الأشعار دون طبول أو دفوف، مقابل مبلغ مالي معين.

قد تشارك مالكة الحسينية في القراءة للجمهور أو تكتفي بإدارة الموارد الاقتصادية، التي تأتي من المتبرعين بالنذور، ثم تدفع بعض النقود للمُلَّايات القارئات، وتُسهم كذلك، بحسب كرمها، في الدفع لخادمات الحسين، اللواتي يعملن في مطبخ الحسينية وخدمة روادها.

اقرأ أيضًا: كيف برز «آية الله» وانتشر المذهب الشيعي المعاصر؟

الصورة: ليلى أحمد

كان عدد الحسينيات في الكويت قليلًا في بدايات القرن العشرين، وكانت تنقسم لفئات المنحدرين من أصول إيرانية، وكانت القراءة بلغتهم.

هناك جانب اقتصادي كبير ينتعش في موسم الحسينيات كمداخيل مالية لأصحابها، ففي الطريق إلى حسينية عاشور في بنيد القار، وجدت متجرًا يبيع الكتب والملابس السوداء وتُربة الصلاة من أرض كربلاء، وكذلك إكسسوارات وأعلام فاطمة الزهراء وملابس سوداء للأطفال مطبوع عليه جُمل «يا قمر بني هاشم»، وأخرى عن الحسين وأهل بيته، وشرائط حمراء تُلَف حول الصدر وأخرى بيضاء للجبهة مكتوب عليها «يا أبا الفضل العباس»، وكثير مما تحتاجه أجواء وطقوس عاشوراء.

إلى جوار حسينية عاشور طاولات ممتدة عليها النذور، وغالبيتها حلويات وشموع وقطع قماشية خضراء تُلَف على الرأس.

يقرأ الشيخ قصة القاسم بن الحسين، ويستعد الشباب لتجسيد الليلة. أربع شباب يغطون وجوههم كما كانت في الحسينية النسائية، الفرق هنا وجود الموسيقى: بوق نذير حرب، وطبول ودفوف، ورايات عملاقة سوداء وبيضاء عليها كتابات. خلف الشباب الأربع يأتي أطفال بثياب سوداء حاملين صواني العُرس. طقس احتفالي في غاية الإتقان، يدل على أن الموسيقى ليست آلة شيطانية وليست حرامًا لدى الطائفة الشيعية.

الصورة: ليلى أحمد

في بدايات القرن العشرين، كان عدد الحسينيات في الكويت قليلًا، وكانت تنقسم إلى فئات المنحدرين من أصول إيرانية وقراءتهن كانت بلغتهن، نعيًا وشعرًا وقصة، أما الحسينيات العربية فكانت موجودة بأصول حساوية أو عراقية أو بحرينية، كما كانت هناك حسينية باكستانية ذات طقوس أكثر جنائزية.

وفي سبعينيات القرن الماضي ظهرت المُلَّايات العراقيات، بما تملكن من إرث عُرف بحنجرة تجيد قراءة المقام، وشعر عراقي حزين بلهجتهن المميزة، مما أحدث التفاتة كبيرة جدًّا، خصوصًا أنهن من العراق أرض نكبة الحسين.

كان جمال وجودة إلقاء المُلَّاية وقراءتها لمختلِف مقامات الشعر الحسيني رائعًا ومؤثرًا، ويفوق كثيرًا من المسرحيات العربية، يزيده ربط عمامة الرأس السوداء مع ثوب أنيق تحت العباءة، وقليل من الفاونديشن (كريم أساس) يُعطي هالة خاصة تسلب النظر والقلوب.