تحولات

عن الحق الذي ليس من الضروري، عادةً، أن ينتصر

الصورة: Alfonso X o Castile

تستعرض رواية «ثلاثية غرناطة»، للروائية رضوى عاشور، أحد كِبار السن الذين وهنوا وضعفوا وخارت عزائمهم بعدما سُلِّمَت مفاتيحُ الأندلسِ، فقال بلسانٍ واهٍ وجسد مثقل لزوجه أم جعفر: «سأموت عاريًا ووحيدًا لأن الله ليس له وجود». ومات.

لم يكن ما قاله أبو جعفر وليد مصادفة ولا محض يأس فقط، لكنه أبصر بعينيه المَحرقة التي ابتلعت الكتب والمصاحف أمام عينه التي كانت تشرد وتحدق وتغض الطرف، ولسانه الذي بدأ يلهث بالذكر لعل الله يُسقِط عليهم طيرًا أبابيل كما فعل مع أسلافهم في مكة قبيل ميلاد النبي.

لكن ذلك لم يكن. تشبث بقشة الغريق تملأه الثقة في أن الله لن يذر كتبه وعلوم شرعه تحترق هكذا. ظل يحدق في السماء حتى كساها الدخان، وعلا الرماد الأسود سماء غرناطةَ. سبقته سليمة الصغيرة التي لم تُطِق أن ترى المشهد، تَبِعها وقال كلمته موَدِّعًا.

الحق ينتصر دائمًا، هذا هو الحال وما تربينا عليه، حتى ونحن نتجرع مرارة الهزيمة، ويثقل كاهلنا هموم الباطل.

تربَّى أبو جعفر وربَّى أبناءه على أن الحقَ ينتصر دائمًا، وتربينا نحن على نفس المبدأ، وعرفنا أن الغلبة النهائية تكون له مهما يتأخر الميعاد، أو تطل ظلمات الليل. لكني لا أجد مبررًا لتلك القناعة الراسخة إلا أن صاحبها مؤمن، ومستقر في وعيه أن المؤمنين لا ينهزمون، وكأنه نسي أنهم بشر، وأن ممارساتهم تؤثر فيهم أكثر مما تفعل قناعاتهم. ولقد تردد في الأثر أننا ننتصر بطاعتنا لله ومخالفة أعدائه، فإذا استوينا في المعصية كانت لعدونا الغلبة بالعُدَّة والعدد.

الإيمان الذي يقترن بانتصار أو انهزام إيمان ناقص أيًّا يكن الدين، أو أيًّا تكن العقيدة. فهو في ذاك يؤمن بالمنتصر ولو كان على غير دينه. الجميع ينتصر وينهزم، والدنيا حالها متغير: لن ينتصر المسلمونَ لأنهم مؤمنون، ولن ينتصر المسيحيون لأنهم الأكثر عددًا، ولن يتفوق اليهود لأنهم أصحاب العدة والعدد، لكن الممارسات والطقوس والتجهيز والاستبسال من أجل الحق «المزعوم» هو ما يجعل أمة بعينها تنتصر وأخرى تندثر. لذلك، فإن المعادلة واضحة: اسلك ما سلكه الأولون تنتصر. لكن إذا سلكت ما سلكه الآخِرون، فلا تسل لما كُتِبَ للحقِ ألا ينتصر.

الحق ينتصر دائمًا، هذا هو الحال وما تربينا عليه، حتى ونحن نتجرع مرارة الهزيمة، ويثقل كاهلنا هموم الباطل. ننتظر دائمًا البطل الذي يمتطي جوادًا مسرعًا في اتجاه الفرج، فيأتي به في جنح الليل. ولنا في التاريخ عبرة. لكن المنطق ذاته لا يسود في الغالب، فالتاريخُ الذي دوَّن انتصارات «الحق» كتب بدوره انتصارات «الباطل».

المسلمون الأوائل في معركةِ «أُحُد» تفوَّقوا في أول الحرب، حتى إذا ما استتبت أمور القتال لهم، وصار الجيش يبحث عن نصيبه من الغنائم، التفَّت حول الجيش مجموعة من الرُّماة، فطوقوه وأوقعوا بالمسلمين الهزيمة الأولى في تاريخهم الوليد بعد أن انتصروا في معركة «بدر» قبل ذلك بعام واحد ليتنزل القرآن قائلًا: «أولمَّا أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مثليها قلتم أنَّى هذا قُل هو من عندِ أنفسكم».

هناك مَلِك عظيم تفرَّق الرهط من حوله. جميعهم تركه أمامَ الجيشِ الأقوى في العالم.

لم تكن إسبرطة مملكة مترامية الأطراف، ولا تملك جيشًا جرَّارًا يدافع عن موانئها، لكنها اليوم تقف أمام أعتى الجيوش على الإطلاق. الملك «ليونيداس» حاول إغراء أعضاء البرلمان الذين آثروا الانسحاب. لم يبقَ مع الملكِ سوى 300 جندي، ولذلك لم يبق أمام الملك إلا الفرار أو القتال. لن يموتَ «ليونيداس» راكعًا أمام ملك الفرس الذي ادَّعى الألوهية وحارب باسمه الجيش طامعًا في الأرض التي لم تكن يومًا من حقه، لكنهُ كذلك لم يَحيى، وظلت حكاية جيشه المهزوم تُروى، وفيها من البطولات ما فيها. لكن البطولات لم تكفِ، ولم تقف أمام تغوِّلِ الفرسِ ومقتل الملكِ، ومعه 299 نفسًا، وإصابة الأخير.

المتأمل في حرب 1948 يرى بعين العقلِ والمنطق أربع أو خمس دول عربية تحيط بدولة واحدة، وربما تفتك بها. الانتصار قريب، العرب يتنفسون الصعداء: مصر ستدك العدو من الغرب، وسوريا من الشمال، والعراق والأردن من الشرق، والسعودية من الجنوب. الأمر حتمي، سينتصر الحق في معركته الباقية، وربما الأخيرة، ضد بني إسرائيل.

لكن الجموع تفرقت، وفرحت كل أمة بلوائها، ففازت الدويلة الصغيرة على أباطرة العرب كلهم، واتسعت الرقعة التي كانوا ينادون بتعميرها قهرًا وظلمًا واعتداءً، وإلى اليوم لم ينتصر الحق في معركة واحدة «فارقة».

القاسم المشترك الوحيد في تلك الأمور شيء واحد: القاعدة لا تسود دائمًا. فالحق، وإن فاز في معركة أو اثنتين أو عشرة، فقد هُزِمَ في مئة ومئتين وألف، وسيظل يُهزَم ما دامت العقيدة مهتزة، أو الحرب ذات غاية غير التي انتصر لها أول مرة.

ففي بدر مثلًا، مجموعة من المسلمين لا يتجاوز عددهم ثلث جيش قريش، ورغم قلة خبرة من خرجوا لاعتراضِ قافلة، ففوجئوا بجيش، فإن الإيمانَ كانَ يجري في صدورهم، فعجزت الدنيا عن إدراك ما حدث في المعركة. حتى المسلمون أنفسهم، وهم ينظرون إلى مواضع سيوفهم، وكيف أصابت وقتلت وهزمت، لم يكونوا على إدراك كامل بكيفية حدوث ذلك، إلا أنهم آمنوا، فسخَّرَ الله لهم كل شيءٍ حتى انتصروا.

جيش التتار الذي أكل الأخضر واليابس، ومضى لا تهزه ريح، ولا تستعصي عليه مدينة، فأسقط الخلافة العباسية وخراسان، وأبادَ البلادَ والعباد بمنطق ودون منطق، يأتي وعلى رأسه أمير منتصر، لم يعرف الخسارة منذ أن قاد الجيش، إلى أن التقى قطز في عين جالوت. قطز نفسه لم يتوقع انتصارًا كالذي أحرزه، لكنه اتَّبع ما أملاهُ عليه الدين، واصطفَّ مع جيشه، واستمع إلى تعاليم الإمام العز بن عبد السلام، فسقطت قوانين الدنيا وظنون البشر، وانتصر الحق مع قلة العدد والعُدَّة.

لماذا انتصر المسلمونَ في بدر والأحزاب؟ ولماذا دانت الأرض لهم وأصبحوا القوة الأولى بين البشر؟ للأسباب نفسها التي انهزموا لاحقًا من أجلها، وللأسباب نفسها التي نصرت الآخرين، أي إن الحقَ لم يكن الفيصل الذي ينتصر لأنه حق، لما غابت الأسباب صار حقهم، الحقَ الذي لا ينتصر.