كيف تشكِّلنا الحرب؟

حالةٌ طبيعية، حالةٌ هشَّة: التاريخ القلِق لأفكارنا الحديثة عن السلام

الصورة: Dhārmikatva

يكفي أن نفتح أي قناة إعلامية حتى نجد أسبابًا للاعتقاد أن الكائن البشري عنيف بطبعه وذو نزعة تدميرية، وأننا نسير يدًا بيد نحو الهاوية، فأخبار الحروب والنزاعات المسلحة والإبادات والقمع والاغتيالات والتفجيرات الانتحارية في كل أرجاء العالم تقف شاهدة على هذه الحقيقة.

هكذا أصبح العنف مُسلَّمة بدهية في عصرنا بفعل وسائل الإعلام، وحدثًا متواترًا نستهلكه كما نستهلك أي شيء آخر، في حين بات السلام مفهومًا لا تفعيل له على أرض الواقع.

ربما تشهد هذه الحوادث على أن الإنسان يعيش حاليًّا في أكثر لحظات التاريخ عنفًا، لكنها ربما تشهد على أن مفهومنا الحديث عن السلام نفسه أصبح أكثر اتساعًا وحساسية من أي وقت مضى.

هذا التوتر الدائم في عالمنا، والاضطراب الذي تقدمه يوميًّا وكالات الأنباء باعتباره خرقًا للعادة، وحوادث العنف التي تبدو انفجارات متفرقة مختلفة الشدة في نسيج السير الطبيعي والهادئ للأشياء، يفترض بالفعل مجموعة من المقولات: السلام إنجاز هش، وفرص خرقه ممكنة دائمًا إذا لم نكن منتبهين بما يكفي، وتجنُّب هذا الخرق يتطلب حزمًا في الضبط من أجل إرساء السلام وضمان استمراره.

نحن أمام فكرتين عن السلام تبدوان في تناقض. فالسلام هو الحالة الطبيعية للأشياء، ومن هنا يكتسب العنف بريقه كحدث يستحق انتباهنا، والسلام حالة شديدة الهشاشة في الوقت نفسه. من هنا مثلًا القلق الدائم والأحاديث التشاؤمية عن «حرب عالمية ثالثة» أصبحت وشيكة لو لم تُراجع البشرية مسارها الحالي.

يرتبط بهذا الفهم الملتبس للسلام مجموعة من الأفكار عن الطبيعة البشرية وسلطة القانون، كلها حديثة السن جدًّا، لكنها تؤسس كل أفكارنا الحالية عن السلام والعنف.

الفكرة الأولى التي تؤسس لمفهومنا الحديث عن السلام هي أن الإنسان كائن يميل للعنف بطبيعته. راجت هذه الفكرة بشدة في القرن العشرين مع تأسيس التحليل النفسي، إذ عرضها فرويد في كتابه «قلق في الحضارة»، مؤكدًا أن الإنسان «ليس ذلك الكائن الطيب السمح، ذا القلب الظمآن إلى الحب، الذي يزعم الزاعمون أنه لا يدافع عن نفسه إلا إذا هوجم. إنما هو على العكس من ذلك، كائن تنطوي غرائزه على قدر لا يستهان به من العدوانية».

يميل الإنسان في هذا التصور إلى «تلبية حاجته العدوانية على حساب قريبه، وإلى استغلال عمله دون تعويض، وإلى استعماله جنسيًّا دون مشيئته، وإلى وضع اليد على أملاكه وإذلاله، وإلى إنزال الآلام به واضطهاده وقتله». باختصار: «الإنسان ذئب للإنسان»، والتاريخ يشهد على هذا.

هذا الشر الكامن في الطبيعة البشرية، والذي يفضي بالضرورة إلى العنف، يتطلب تقنينًا من أجل ضمان السلام. لكن هذه الفكرة نفسها ملغزة، فإذا كان الشر كامنًا في الطبيعة البشرية، من الذي يريد السلام إذًا؟ ولماذا يبذل البشر كل هذا الجهد في إدانة العنف ما داموا أشرارًا؟

ثم إن فكرة الطبيعة البشرية ليست أكثر من بناء ميتافيزيقي، فهي تفترض أن الإنسان في حالته الطبيعية يختلف عن الإنسان في حالته المتحضرة، لكن الإنسان في حالته الطبيعية مفهوم مُتخيَّل. فكل البشر يعيشون داخل مجتمعات ويخضعون لقواعد سلوك وقانون، وهذه «الحالة الطبيعية» للإنسان ليست أكثر من قصة خيالية.

إذا التفتنا للأرقام والإحصاءات الفعلية، ربما نجد أننا نعيش في زمن أكثر سلامًا من ذي قبل، وأن عدد الحروب، في الواقع، ينخفض تدريجيًّا. هذا ما يقوله «ستيفن بينكر»، أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد، في كتابه «The Better Angels of our Nature»، إذ تتبع تاريخ العنف بناء على كمية هائلة من المصادر والمعطيات التي وثقت الصراعات والحروب والإبادات الجماعية والمجازر، ابتداء من العصور القديمة وصولًا إلى العصر الحالي.

يؤكد بينكر أن تجليات العنف هذه تسير كلها نحو التناقص. فمنذ الحرب العالمية الثانية، لم تشن القوى الكبرى أي حرب ضد بعضها، ما دفع بعض المؤرخين إلى تسمية هذه الفترة بفترة السلام الطويلة.

هل يظهر هنا الجانب الطيب من «الطبيعة البشرية»؟ إذا لم تكن الطبيعة البشرية أكثر من وهم، فما القوة التي تقود انخفاض وتيرة العنف وصدمتنا المتزايدة تجاهه في الوقت نفسه؟ هذا هو مفهومنا المعاصر عن السلام: «حالة طبيعية للأشياء، وحالة هشة معرضة دائمًا للخرق في الوقت نفسه، بسبب الطبيعة البشرية التي تبحث عن أي فرصة للمناورة وإخراج العنف. والحل: مزيد من فرض السلام على العالم قسرًا بقوة القانون».

نحاول هنا أن تتبع تطور فكرة السلام من خلال عرض بعض الآراء التي طرحت هذه الفكرة في الماضي والحاضر، بدءًا بالمفكرين الذين ناقشوا السلام باعتباره مفهومًا تابعًا وثانويًّا بالنسبة إلى مفهوم الحرب، والذين ركَّز معظمهم على ضرورة وجود كيان سياسي ضابط وقوي يطبق القانون ويُلزم الأفراد وباقي الدول بالخضوع له، وصولًا إلى المفكرين المعاصرين الذين ذهبوا أبعد من تلك المقابلة غير المتكافئة، ووسعوا هذا المفهوم ليشمل تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الأمن البيئي ونشر قِيم اللاعنف داخل المجتمعات.

السلام من الإغريق إلى عصر النهضة

الصورة: DEA/G Nimatallah/De Agostini

ابتداءً، تجدر الإشارة إلى أن التصور القديم عن السلام كان ملازمًا بصورة شبه دائمة للتصور عن الحرب، بل إن مفهوم الحرب كان في الغالب المفهوم الطاغي على آراء المفكرين والمحدِّد لنظرتهم وفلسفتهم، فانطلاقًا منه كان يجري التفكير في السلام.

كان السلام في العصور القديمة يعني الحالة المترتبة على الانتصار في الحرب، كمفهوم تابع وتالٍ تاريخيًّا للحرب نفسها.

كانت الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية سلالة مولعة بالحرب، وصلت إلى السلطة بعد صراع وحشي ضد الجبابرة. «إريس»، إلهة الحرب والانتقام، كانت واحدة من الآلهة المبجلة، فيما كانت «إيرين»، إلهة السلام، مجرد تابعة للآلهة الأخرى.

لذلك، لم يكن مستغرَبًا أن الحرب بين دول المدن أو بين اليونانيين و«البرابرة» كانت جزءًا من النظام الطبيعي للأمور، عكس ما نتصور اليوم من أن هذه الحرب تأتي خرقًا للعادة.

لخص الفيلسوف هيراقليطس هذا المنظور في قوله «الحرب مَلِك وأب لكل الأشياء»، أي إن الصراع والتنازع في نظره هما الأصل والقوى المهيمنة والمحركة للتاريخ والحالة السليمة للوجود، وليس السلام.

في السياق العربي، يرى ابن خلدون في مقدمته أن الحرب ظاهرة إنسانية ملازمة للبشرية منذ فجر التاريخ، إذ يخبرنا أن «الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله. وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منها أهل عصبيته. فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب، وهو أمر طبيعي في البشر، لا تخلو عنه أمة ولا جيل».

كان السلام في العصور القديمة يعني ببساطة الحالة المترتبة على الانتصار في الحرب، كمفهوم تابع وتالٍ تاريخيًّا للحرب نفسها. لهذا لم يكن السلام مفهومًا إيجابيًّا على طول الخط، فيرى أفلاطون مثلًا في «الجمهورية» و«القوانين» أن الفصائلية والحرب الأهلية والحروب الخارجية ليست وحدها أعظم الأخطار التي تهدد وجود المدينة، بل حتى السلام الذي لم يأتِ من طريق التعاضد والتعاون بين المدن، والذي جاء نتيجة انتصار طرف وتدمير باقي الأطراف.

بدأ الوعي بالسلام نوعًا من التعاون والتآلف مع بزوغ الإمبراطورية الإغريقية إذًا، وانحسار دولة المدينة كمثل أعلى للتنظيم السياسي. كان الاعتقاد في أولوية الصراع يضع السلام نفسه محل شك، إذ إن غياب العنف لا يعني بالضرورة أن الوضع القائم جيد بما يكفي، وإنما قد يعني أحيانًا أن هذا الوضع يستدعي تحريكًا.

في المقابل، خلال العصور الوسطى، عندما كانت البابوية الآمر الناهي على الشعوب الأوروبية، استُبعدت النزعة السلمية من عقيدة الكنيسة، لتحل محلها دعوات الحرب والقتال، التي وجدت سبل تحققها خلال الحروب الصليبية الطويلة ضد المسلمين. مع ذلك، بدأت دعوات السلام تظهر ببطء إلى الواجهة مع الدراسة المتجددة للنصوص القديمة، وإن حصرت هذه الأخيرة ضمن نطاق جعل تحقيق السلام مقرونًا باللجوء إلى العنف والحرب والعدوان.

توما الأكويني، على سبيل المثال، في كتابه «الخلاصة اللاهوتية»، يقول إن «السلام هو الغاية الأسمى التي ينبغي أن يسعى إليها الإنسان في سبيل تحقيق أهدافه الطبيعية». لكنه يثبت، مع ذلك، أنه على الملوك واجب الدفاع عن الدولة وحمايتها، ولو اقتضى هذا شن الحرب.

السلام باعتباره هدفًا أسمى يختلف جوهريًّا عن السلام باعتباره وضعًا طبيعيًّا، إذ إن هذا الهدف يبدو أقرب إلى مثل أعلى مستحيل التحقيق واقعيًّا. لكن مع نهاية العصور الوسطى، كأي مثل آخر كان يستحيل تحقيقه، أصبح الأوروبيون أكثر إيمانًا بقدرتهم على إصابته كهدف دنيوي.

في عصر النهضة، سيبرز الفيلسوف الهولندي «إراسموس دسيدريوس»، كواحد من أهم مناهضي الحرب، ويتبنى مفهوم المواطنة العالمية الذي نادى به الفلاسفة الرواقيون قبل ذلك، للدفاع عن المثل العليا للسلام في جميع أنحاء العالم.

شدد إراسموس على وحدة البشرية، بحجة أن البشر مدفوعون من الطبيعة ليعيشوا في وئام وألفة. لهذا ينبغي عليهم أن ينشدوا التسامح القومي والديني، ويروا الآخرين مواطنين مثلهم. وجادل في مؤلفاته بأن واجب كل فرد يتمثل في ألا يدخر جهدًا لوضع حد للحرب. فالإنسان، حسب قوله، لا يولد من أجل التدمير والعنف، بل من أجل الحب والتآلف والخدمة لأخيه الإنسان.

في هذا التصور، تظهر الطبيعة البشرية مجددًا لكن باعتبارها خيِّرة، ويظهر السلام إمكانية واقعية محتمَلة التحقق إذا بذل الإنسان جهدًا كافيًا من أجله. مع الوقت، يتحول السلام تدريجيًّا من إمكانية إلى حالة طبيعية، وتنقلب الطبيعة البشرية من الخير إلى الشر في الآن نفسه، لتنتج مفهومنا الحديث عن السلام.

السلام في العصور الحديثة

الصورة: Pedro Belleza

خلال القرن السابع عشر، بدأت الأفكار حول إمكانية السلام الدائم في أوروبا بالظهور تدريجيًّا، تحفزها التجارة الدولية المتنامية والرغبة في توحيد أوروبا، في جهد أخير لطرد العثمانيين من أراضيها.

في كتابه «Some Reasons for an European State»، يقترح «جون بيلرز»، أحد أعضاء جماعة «الكويكرز» الإنجليزية، تقسيم أوروبا إلى مقاطعات متساوية الحجم تظللها حكومة واحدة مشتركة. أما الكاتب السياسي الفرنسي «إمريك كروسي»، فيطمح في كتابه «The New Cyneas» إلى تشكيل دولة عالمية واحدة تضم تحت لوائها الأجناس والأديان كلها. ويطرح زعيم جماعة «الكويكرز»، الإنجليزي «وليام بن»، في مقاله «An Essay towards the Present and Future Peace of Europe» فكرة عقد اجتماعات برلمانية أوروبية سنوية، هدفها الدفاع عن السلام والعمل على تنزيله في الواقع.

في المقابل، تنادي بعض الأصوات بوجوب مساءلة شرعية الحكومة، خصوصًا أن قبول البابوية باعتبارها السلطة النهائية والمقدسة تراجع إلى حد كبير.

في تلك الفترة، تبلور في الفلسفة بوضوح للمرة الأولى مفهوم «حالة الطبيعة»، ليصبح سؤالًا فلسفيًّا أساسيًّا، يشير إلى الحالة يوجد فيها الإنسان دون حاكم مشترك ودون دولة أو ثقافة.

يوضح «توماس هوبز»، في كتابه «اللفياثان»، أن الحرب ليست التقاتل، وإنما النزعة القتالية التي تظهر عندما لا يوجد حاكم مشترك يضمن تقييد العنف، إذ لا يمكن ضمان السلام والحضارة إلا من خلال إنشاء رابطة تنفذ القانون ويخضع لها جميع الأفراد.

لم ير هوبز حالة الطبيعة شرطًا تاريخيًّا حدث في الماضي وانتهى، لكنه استنتج أنها حالة ملازمة للإنسان عندما تغيب هذه الرابطة، وهذه الحالة بالنسبة إلى هوبز كانت مجالًا دائمًا للعنف والفوضى، ما لم تخضع للقانون.

في القرن الثامن عشر، حظيت مخططات السلام هذه بفرصة جديدة مع التنوير الفرنسي والألماني. أخذ «جان جاك روسو» مشروع السلام الخاص بالمفكر الفرنسي «آبي كاستل دي سانت بيير» وطبَّقه على أوروبا عصره، ليخرج بمؤلَّف «مشروع للسلام الدائم»، أصر فيه على ضرورة وجود سلطة مركزية قوية بما يكفي لفرض قوانينها على كل الدول الأعضاء. وأوصى الحكومات باتباع خطته، بحجة أن سلطة أوروبية مشتركة وقوية بما يكفي لإحقاق السلام تضمن الاستقرار الداخلي للدول الأعضاء.

في القرن التاسع عشر، قدم الفلاسفة النفعيون الإنجليز، أمثال «جيريمي بنثام» و«جيمس ميل» و«جون ستيوارت ميل»، كثيرًا من المفاهيم النظرية التي ناقشت الحرب والسلام والعلاقة بينهما في عدد من المؤلفات والمقالات.

زعم هؤلاء أن الحرب ظاهرة عفا عليها الزمن في المجتمعات الحرة، ولا يستفيد منها أحد سوى الأرستقراطيين والجنود المحترفين.

هكذا بدأت الحرب تفقد صفتها الطبيعية تمامًا وبصورة نهائية. كذلك، ندد عالم الاجتماع الإنجليزي «هربرت سبنسر» بالحرب في كتابه «Social Statics»، وعدَّها نتيجة للسلطة الحكومية المفرطة. فعند تقليص وظائف الحكومة، وتوسيع مجال الحريات الفردية، تختفي أسباب الحرب حسب قوله.

أصبحت الحرب إذًا شيئًا طارئًا يستدعي تفسيرًا وفهمًا، ما مهَّد للاعتقاد بأن السلام هو الحالة الطبيعية للوجود البشري الحديث. ومع الحربين العالميتين الأولى والثانية، تحددت سياسات وقرارات الدول التي كانت طرفًا فيها، وتلك التي لم تشارك فيها أيضًا، على إثر موجة التشاؤم التي خيمت على العالم حينها، مخافة تكرار نفس المأساة.

هذه هي الفترة نفسها التي بدأت فيها الحركة «السلامية» وسياسات اللاعنف في اكتساب جاذبيتها. لم تعد الحرب طارئة فقط على الحالة الطبيعية السلمية، وإنما خطأ حتى باعتبارها استراتيجية لتحقيق السلام أو أي أهداف اجتماعية أخرى.

المفهوم الحديث عن السلام باعتباره حالة طبيعية، الخروج عنها نوع من التعبير عن شر متأصل في الطبيعة البشرية، مفهوم هش.

أصبحت الحرب نوعًا من الجنون، ومروقًا عن الحالة العقلانية الوحيدة التي هي السلام. ويُعد الفيلسوف البريطاني «برتراند راسل» أبرز مناهضي الحرب خلال تلك الفترة، إذ أشار إلى أن السلام يقتضي فرض دولة عالمية، وبعد أن تبسط هذه الدولة حكمها لمدة قرن أو نحو ذلك، تمر لترسيخ سلطتها بناء على الموافقة بدل القوة.

ربما لا تبدو هذه فكرة سيئة بأي شكل، فالسلام قيمة عليا بالتأكيد، لكن هذا التصور عن العلاقة بين السلام والحرب ربما يؤدي إلى شرعنة أي وضع قائم ما لم يكن به عنف مباشر، حتى لو احتوى على أي درجات أخرى من الظلم الاجتماعي.

هذا التصور كذلك يؤدي إلى عدم فهم انبثاقات العنف في العالم، التي تبدو فقط نزوعًا «غير طبيعي» لهدم الوضع الطبيعي للسلام وتدميره، رغم أنها قد تكون منطلقة من مظالم فعلية لوضع غير عادل نفترض أنه طبيعي.

كانت هذه النقاط منطَلقًا لتوجيه النقد للأفكار الحديثة عن السلام عند مجموعة من المفكرين المعاصرين.

محاولات من أجل تعريف جديد للسلام

الصورة: MONUSCO/Myriam Asmani

في السياق المعاصر، وكما أشرنا سابقًا، شهد العالم انخفاضًا متواصلًا في معدل الحروب بين الدول بعد الحرب العالمية الثانية.

يرجع أحد أسباب هذا الانخفاض إلى درجة من التشابك الاقتصادي العالمي غير مسبوقة، تنظمه مجموعة المؤسسات التي استُحدثت لضمان إحقاق السلام في العالم، مثل الأمم المتحدة واليونسكو ومجلس الأمن الدولي، وغيرها من الكيانات التي بات يُلجأ إليها لفض حالات الصراع والتنازع.

دراسات السلام والصراع، التي بدأت معالمها تتشكل منذ ستينيات القرن العشرين، قاربت موضوع السلام من زوايا مختلفة، خصوصًا مع المفكر النرويجي «يوهان غالتونغ»، الذي يعد واحدًا من مؤسسي هذا المجال، وأول من اقترح التفريق بين نوعين من السلام: الإيجابي والسلبي.

انتقد غالتونغ المناهج الغربية التقليدية التي تُستخدَم في مقاربة موضوع السلام، وصنَّف التعريفات التي تقدمها هذه المناهج على أنها تدخل في خانة السلام السلبي، ودعا إلى مفهوم أكثر شمولًا وفعالية لمقاربة هذه الإشكالية.

نظرية السلام الإيجابي تنقلب على صورة السلام الحديثة التي رأت فيه وضعًا طبيعيًّا، ليصبح مرة أخرى هدفًا أسمى للبشرية، ربما بعيد المنال.

يدل السلام السلبي، حسب غالتونغ، على الحالة التي تغيب فيها الصور الجماعية المنظمة للعنف. من وجهة النظر هذه، فالإيقاف المؤقت للقتال أو التدخل للفصل بين الأعداء المتحاربين أو حالات الاستقرار العابرة، كلها يمكن أن تعد أشكالًا وتجليات مختلفة للسلام.

هذا التعريف يشرعِن العنف العفوي والفردي، ويقر به ظرفًا مقبولًا داخل مجتمعات يسودها السلام. وهو لا يشرعنها لأنه يراها مقبولة، بل لأنه يعجز أساسًا عن فهمها، إذ يعتقد في حالات الاستقرار الظاهرة أنها عودة إلى وضع سلمي طبيعي يجب تركيز الجهود كلها في الحفاظ عليه فقط.

لا يأخذ مفهوم السلام السلبي خصائص العنف في الاعتبار، ولا يوضح تمظهراته المختلفة، بل يكتفي بالقول إن السلام ببساطة «غياب للعنف». أسئلة من قبيل: أي نوع من العنف نقصد؟ ومن المسؤول عنه؟ ومع من يقام السلام؟ لا نتعرض لها حسب غالتونغ.

من هنا ظهرت الحاجة إلى مفهوم أكثر شمولية عن السلام، وجد صيغته في مفهوم السلام الإيجابي الذي اقترحه غالتونغ.

تنوعت التعريفات والاقتراحات التي قُدمت لهذا التصور الجديد، إذ هناك من رآه مرادفًا للعدل والقانون والنظام، وهناك من حدده في غياب العنف بجميع مظاهره: الجسدي والنفسي، المباشر وغير المباشر، الفردي والبنيوي. في حين اقترح آخرون تعريفه بأنه وضع اجتماعي يقل فيه الاستغلال ويُقضى عليه، وضع يغيب فيه العنف العلني والبنيوي على حد سواء.

نظرية السلام الإيجابي تنقلب على صورة السلام الحديثة التي رأت فيه وضعًا طبيعيًّا، ليصبح مرة أخرى هدفًا أسمى للبشرية، ربما يكون بعيد المنال.

تسعى النظريات التي تنطلق من السلام الإيجابي إلى تثبيت قيم إيجابية ومتفائلة في المجتمع، وتحويل العلاقات الاجتماعية السلبية إلى علاقات بناءة، والعمل نحو التعايش المتناغم بين مختلف الشعوب، وتعزيز المصالحة بين الأطراف المتصارعة، وإعادة بناء أنماط سلوك لاعنفية من خلال الفهم المتعاطف للآخرين.

تغيُّر تعريف السلام أدى إلى تغيير في السياسات التي توضع لتحقيقه واقعًا، إذ لم يعد يكفي التدخل الأجنبي في مناطق الصراع والمناطق المتنازع عليها لضمان السلام، فهذا التدخل ربما يكون سببًا في تأجيج الأزمات وتمديد زمن الصراع والعنف. خاض هذا المفهوم مرحلة طويلة قبل أن يصل إلى التعريف الذي نراه اليوم يؤسس الفضاء العام ويصوغ السياسات الداخلية والعلاقات الدولية.

هذا التطور لن يلغي بالتأكيد العنف وتمظهراته المختلفة، لكنه على الأقل سيرى في هذا العنف ظاهرة إنسانية ينبغي فهمها، لا مجرد مروقًا شريرًا عن حالة طبيعية للأشياء.

المفهوم الحديث عن السلام، باعتباره حالة طبيعية والخروج عنها نوع من التعبير عن شر متأصل في الطبيعة البشرية، كان مفهومًا هشًّا ولم يمكن استمرار الحفاظ عليه، على أن هذا لا يعني أبدًا أن نُعرض عن الأمل في مستقبل يسوده السلام.