كالنقش على الحجر

الولادة ليست الأصعب بالضرورة: مراهقة الأبناء فترة اكتئاب الأمهات

الصورة: Getty/Peter Muller

عادة ما ننظر إلى فترة ما بعد الولادة باعتبارها أصعب مرحلة من مراحل الأمومة: اصطحاب طفل جديد إلى المنزل، والحرمان المستمر من النوم، والتغيرات الحياتية التي تتطلبها رعاية طفل رضيع، وحتى الإصابة بنوع من الاكتئاب مُخَصَّص لهذه الفترة بالتحديد، وهو «اكتئاب ما بعد الولادة» في بعض الحالات المتطورة.

لكن دراسة جديدة يوردها مقال على موقع «Aeon»، تقول إن للأمر زاوية أخرى، وإن أكثر الفترات التي تتطلب قدرًا أكبر من المجهود، وبالتالي قدرًا أكبر من الضغوط النفسية، هو على عكس المتوقَّع، المرحلة التي يكون فيها الأطفال في الدراسة المتوسطة، أي بين 11 و 12 سنة.

تقول كاتبتا المقال إن الدراسة تضمنت أكثر من 2200 من الأمهات اللواتي تتنوع أعمار أطفالهن: بدءًا من الرُّضَّع، وحتى المراهقين. وجرت دراسة عدة جوانب من شأنها أن تؤثر في راحة الأم، وتربية الأطفال، وكذلك كيفية عناية الأم بأطفالها. إذ أظهرت النتائج ارتفاعًا في مشاعر التوتر والاكتئاب لدى أمهات أطفال المرحلة الدراسية المتوسطة، وتحديدًا أمهات الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 11 أو 12 سنة.

مرحلة الرضاعة ليست الأصعب

تمثل مرحلة المراهقة ضغوطًا نفسية على المراهقين وليس الأمهات فحسب.

رغم التحديات النفسية والبدينة الصعبة خلال فترة الرضاعة، فإن الأمهات يجدن عزاءً وابتهاجًا في حملهن لأطفالهن وشعورهن بإضفاء العناية والحب على كائن لا يستطيع الحياة من دونهن. ولكن باقتراب سن البلوغ، وبداية انفصال الأمهات عن أطفالهن من الناحية النفسية والمادية، تشعر بعض الأمهات بنقص التفاعل مع الأبناء، وحينها تظهر تحديات الأمومة الحقيقية.

تحدث تغيرات كبيرة في بداية مرحلة المراهقة. يجد الأطفال أنفسهم فجأة أمام سن البلوغ، وما يصحب هذا السن من تغير في الهرمونات، وحَب الشباب، واختلافات في باقي الجسم. من ناحية أخرى يجد الأطفال أمامهم طريقًا أكثر خطورة، فيرغبون في تجريب المشروبات الكحولية، أو المخدرات، أو الجنس.

تمثل هذه المرحلة مزيدًا من الضغوط النفسية على المراهقين كذلك، وليس الأمهات فحسب. يختبر الأطفال تغيُّرًا آخر مختلفًا، وهو الانتقال إلى بيئة مدرسية جديدة، بمبانٍ ضخمة ومدرسين متعددين، إضافة إلى الضغوط الأكاديمية، والتفكير المُسبَق في الاختبارات القادمة الصعبة، أو حتى في الكلية التي سيذهب إليها.

أصبحت تلك المخاوف تنمو في وقت مبكر، وتستمر مع الطالب حتى التخرج، ليواجه معاناة أخرى. يفكر الأبناء، خلال هذه المرحلة، في هوياتهم بعيدًا عن تدليل أهلهم ليعرفوا من هم حقًّا، ويتطلعون إلى أن يتقبَّلهم أقرانهم. إنهم يختبرون ما يفترضون أنه حدود وقيود، بينما يحاولون أن ينتصروا في معارك التغيير تلك.

من جانبها، ترصد الأم تلك المعارك، وتشعر بالقلق والتقصير المستمر خوفًا من أنها لا تحمي أطفالها بما فيه الكفاية من مخاطر العالم الخارجي، ما ينعكس بالسلب على الأبناء (الذين لم يعودوا أطفالًا)، فيشعرون أن الأم تحاول إحكام الخناق عليهم، ومنعهم من التطور، وهي الدائرة التي تستمر في تعزيز نفسها مع الوقت.

قد يعجبك أيضًا: النتائج الكارثية لقسوة الآباء

الطرق التقليدية لم تعد تعمل

أحد الأمور التي تجعل من الأمر أكثر صعوبة، هو أنه دائمًا ما كانت الأمهات أول من يستجيب لحزن أبنائها، ولكن عليهن الآن أن يجدن طرقًا أفضل لتقديم الراحة والطمأنينة. فالطرق التقليدية، مثل العناق، والكلمات الحلوة، وقصص ما قبل النوم، لم تعد تعمل بالكفاءة المطلوبة. وعليهن أن يضعن الحدود المناسبة لأطفالهن، والقرارات الحاسمة حول ما تسمح به وما لا يجب، وكل هذا يعود عليهن بالتوتر، وعلى أبنائهن بالخوف.

مع اختبار الأمهات لانخفاض القدرات البدنية والإدراكية، وقلقهم المستمر من الموت المبكر. تشعر أمهات أطفال المراهقين بالتوتر المستمر.

على الجانب الآخر، تلاحظ الأمهات ما يختبره أطفالهن من تغييرات، إذ إن سلوكيات طفلها اليومية تصبح صعبة التنبؤ. طفل في الصف الأول، لطيف ووديع، يتحول فجأة إلى مراهق مُتجهِّم، رقيق في بعض الأحيان، ورصين هادئ في أحيان أخرى، يكره العالم بأجمعه في أوقات يصعب التنبؤ بها.

ليس أمرًا جديدًا أن المراهقين يقلِّبون أعينهم متأففين عند الحديث مع أهلهم. لكن الأمر الجديد، وهو ما تثبته دراستنا، هو أن تلك التصرفات من شأنها أن تجرح مشاعر الأمهات بقسوة. فالأمهات اللاتي لاحظن أن أطفالهن وقحون، صُنِّفن ضمن أكثر النساء اكتئابًا.

أحد أهم استنتاجات الدراسة أن الانفصال الذي يؤلم الأم حقًّا لا يحدث عندما يخرج الأبناء من المنزل، ولكن عندما ينفصلون نفسيًّا عن ذويهم، ضمن محاولاتهم المعقدة في أن يصبحوا ناضجين في فترة مراهقتهم.

لم يعد الأمر قاصرًا على الإجهاد العاطفي فقط لأن سنوات المراهقة تتطلب مزيدًا من الوقت والطاقة، وبخاصةً بالنسبة إلى الأمهات ذوات مستويات تعليمية جيدة نسبيًّا. فعند المقارنة بين عدد الساعات التي يقضيها الأهل مع أبنائهم عند ممارستهم أنشطة لامنهجية (مثل الموسيقى، والدراما، والشطرنج)، فإن الأمهات المتعلمات يقضين وقتًا أكبر من الآباء المتعلمين أو الأمهات الأقل تعليمًا. إضافة إلى الوقت، هناك المجهود والإحباط النفسي المرتبط بالتخطيط والتنظيم وحضور المناسبات والسفر إليها ذهابًا وإيابًا، بمواعيد غير مرنة إطلاقًا، وغالبًا ما تتكرر مع أكثر من طفل.

يتزامن كل هذا مع اختبار الأمهات لإشارات الاقتراب من منتصف العمر وأزماته، وانخفاض القدرات البدنية والإدراكية، وقلقهم المستمر من الموت المبكر. إضافة إلى أنها فترة، وفقًا لدراسات أخرى غير دراستنا، يقل فيها الرضا بالحميمية الزوجية، وتزيد فيها الجدالات والمشكلات.

لا عجب أن أمهات الأطفال في المرحلة المتوسطة يختبرن أسوأ الأوقات، ويشعرن بالتوتر المستمر.

لكن الأمر ليس حتميًّا، فلكي تتأقلم الأمهات بصورة جيدة مع التغيرات التي تطرأ على أبنائهن، عليهن الاستعداد والوقاية بالكتب ومعرفة طبيعة هذه المرحلة، وكذلك أي وسيلة أخرى من شأنها أن تزيد من وعيهم وتساعدهم.

يجب على الأمهات في مرحلة مراهقة أبنائهن أن يحافظن على هدوئهن وانفعالاتهن من خلال تكوين صداقات حميمة وصادقة. إذ أظهرت دراسة سابقة أن تلك الصداقات يمكنها أن تساعد الأمهات في تخطي تحديات الأمومة. لذلك من الواجب على الأمهات أن ينظرن إلى تلك الصداقات باعتبارها طوق نجاة، وليست مجرد خيار أو رفاهية، وبالتالي الحرص على طلب الدعم واستمرارية تلك العلاقات، وبخاصةً خلال السنوات الأكثر تحديًا، وهي سنوات بداية المراهقة.

عليهن الاتكاء على بعضهن. أن يتكاتفن عند شعور إحداهن بالتعب أو الإرهاق، وينتشلن بعضهن من هذا الشعور بواسطة الدعم النفسي، أو من خلال ممارسة نشاطات ممتعة، بعيدًا عن المنزل والأطفال.

في جميع الأحوال، يجب أن تنظر الأمهات المكتئبات إلى الضوء في آخر النفق لأن هذه المرحلة ستنتهي، وستصبح الأمور أسهل غالبًا. سيصبح أبناء المرحلة الإعدادية طلابًا في المرحلة الثانوية، وبعدها في الجامعة.

يشير المقال إلى أن أكثر الأمهات سعادة هن ذوات الأبناء الذين تخطوا مرحلة المراهقة. وأن الأمهات بحاجة إلى لصق ملاحظة على باب الثلاجة ليتذكرن باستمرار أنهن: أشخاص قبل أن يكن أمهات.