إلى أين تأخذنا التكنولوجيا؟

أعضاء جسدك تخونك، كلمة السر تحمي هاتفك أكثر

الصورة: Getty/GCShutter

عندما مد يده ليتكئ على السير المتحرك للسلم الكهربائي، اندهش كل من كانوا وراءه من ارتدائه قفازًا بلاستيكيًّا أبيض اللون، وكذلك من النظارة الشمسية التي تغطي عينيه بشكل كامل، فلا مكان للشمس داخل المراكز التجارية. لكن ما يعرفه عُمر عبد الله يجعله دائمًا تحت ضغط وقلق من تعرُّض جسده لأي اختراق، فبصمات أصابعه وعينيه أغلى ما لديه، لكنه عرف ذلك بعد فوات الأوان.

وجهك لا يناسب مربع الباسورد

عندما دخل عُمر إلى أحد المطاعم، وجد على طاولة قريبة من طاولته، فتاة تخرج هاتفها من حقيبة يدها، وتنظر لثوان إلى شاشته، التي أضاءت معلنة عن فتح القفل ببصمة وجه صاحبة الهاتف، فتذكر عمر آخر مرة استخدم فيها تلك الميزة، كانت منذ نحو عامٍ واحد قبل أن يعرف أن مسألة حماية الأجهزة الإلكترونية ببصمة الوجه تعد مخاطرة كبيرة.

فقد قرأ عُمر تقارير تتحدث عن سهولة فتح الهواتف الذكية عبر التحايل على الحماية ببصمة الوجه أو العين، وذلك عبر طرق بسيطة مثل «تمرير صورة فوتوغرافية» تُظهِر وجه المستخدم أمام كاميرا الهاتف، أو استخدام قناع مصمَّم بطريقة معقدة باستخدام النحت وصورة فوتوغرافية تقليدية، كما حدث مع ميزة «Face ID» على هاتف أبل الأحدث «آيفون إكس».

عملية اختراق لهاتف آبل «آيفون إكس»

حمضك النووي مرآة جسدك

مع تطور تقنية «DNA Phenotyping» سيصبح من السهل معرفة ملامح وجه أي شخص وتفاصيله، من خلال تحليل حمضه النووي.

أعاد عُمر إلى ما حوله صوت إشعار قد وصل هاتفه، وعندما أخرجه كتب كلمة مروره وفتح قفل الشاشة، وكان الإشعار يخص خبر حول تسريب بيانات الملايين من مستخدمي خدمة «MyHeritage»، الخاصة بتحليل الحمض النووي للمستخدمين، وتحليل صفاتهم الجينية لمعرفة أصولهم وشجرة عائلتهم.

بعد أن أنهت عيناه قراءتها السريعة للخبر، تخيل عُمر مصير من تسربت بيانات حمضهم النووي، ووقعت في يد مجموعة محترفة من المخترقين، وتمكنوا من تحليل تلك البيانات، واستغلال تقنية «DNA Phenotyping»، التي اكتشفوها مؤخرًا، وتساعد على معرفة الملامح العامة للوجه، وشكل الشخص، من خلال تحليل حمضه النووي. فقد استخدمت شركة «Human Longevity»، عام 2017، معلومات «DNA» الخاصة بألف شخص، مع الترتيب بشكل معين بهدف توقُّع بصمة ثلاثية الأبعاد لشكل الوجه والصوت والطول والوزن ولون العين والشعر.

أمعن عُمر التفكير في أنه مع تطور تلك التقنيات بشكل سريع، سيصبح من السهل جدًّا معرفة الملامح الدقيقة وتفاصيل وجه أي شخص، من خلال تحليل حمضه النووي. وذلك أمر يسير من خلال الحصول على إحدى خصلات شعره بأي طريقة.

قد يهمك أيضًا: هاتفك، حرفيًّا، جزء منك

«الهاكرز» يتسللون إلى حياتك عبر بصمات أصابعك

صوت تنبيه مرتفع لفت انتباه عمر، وكان قادمًا من هاتف شخص يجلس بجانبه يحاول فتحه ببصمته، ولكن مستشعر البصمة لا يقبلها، ما أثار غضب صاحبه، وبدأ يكتب كلمة مروره وهو يصب لعناته الغاضبة على هاتفه، فابتسم عمر، وتحرك من مكانه إلى صديقنا الغاضب، واستأذنه أن يجلس معه، فنظر إليه مندهشًا، ووافق بإيماءة بسيطة من رأسه وابتسامة صفراء.

لم يضيع عمر وقتًا، وحمل كوب الماء الزجاجي الذي كان على طاولة مضيفه بعناية، موجهًا إياه في اتجاه الضوء، ولفت انتباهه إلى بصماته المنتشرة عليه، مؤكدًا سهولة استغلال تلك البصمات التي يتركها على أي شيء يحمله في فتح هاتفه الذكي، وأي جهاز آخر يعتمد في حمايته على بصمات أصابعه. كل ذلك يجري وسط ذهول المضيف الذي بمجرد أن استأذن عمر ليغادر، بدأ في الدخول إلى إعدادات هاتفه لتغيير وسيلة حمايته من بصمة الإصبع إلى كلمة المرور التقليدية.

كان عمر على حق في اكتفائه بكلمة المرور السرية التي لا يمكن لأي شخص توقعها، بتشكيلات متداخلة من الحروف والأرقام لا يفهم دلالتها غيره.

اطَّلع عمر على ما فعله الباحث الأمني الألماني «جان كريسلر»، والشهير باسم «Starbug»، في 2014، عندما تمكن من الاستيلاء على بصمات أصابع وزيرة الدفاع الألمانية «أورسولا فون دير لاين»  عبر مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تمكَّن من الوصول إليها عبر محرك بحث غوغل، بعد أن تمكن من تحليل بصمات أصابعها، وجمع عددًا من البيانات الإحصائية عن طبيعة بصماتها، تمكَّن من الخروج ببصمة صناعية مطابقة لبصمتها الأصلية، ونجح في تكرار نفس العملية مع بصمة عين رئيسة الوزراء الألمانية «أنجيلا ميركل»، وكذلك الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين».

اقرأ أيضًا: الهندسة الاجتماعية: أنت في خطر ما دمت متصلًا بالإنترنت

ترغب في اختراقك؟ استخدم النمط

عندما وصل عمر إلى موظف الحسابات ليدفع حساب مشروبه، وجده يفتح هاتفه بطريقة النمط «Pattern»، الذي يرسم من خلالها شكلًا معينًا بتوصيل الخطوط بين عدد من النقاط الموجودة على شاشة القفل، فحذر الكاشير حول خطورة استخدام هذا الأسلوب، باعتبار أنه من السهل استخدام آثار بصمات أصابعه على شاشة الهاتف للتعرف إلى شكل النمط، وبالتالي يسهل اختراق هاتفه، وهذا ما نجح في تنفيذه عدد من الباحثين بجامعة بنسلفانيا الأمريكية بنسبة نجاح 90%.

بمجرد خروجه من باب المطعم، تيقن عمر أنه كان على حق في مسالة التخلي عن كل بصماته الحيوية في حماية هاتفه، واكتفائه بكلمة مروره السرية التي لا يمكن لأي شخص توقعها، فهو يغيرها كل ستة أشهر، إضافة إلى أنه لا يضع فيها أي معلومات متعلقة بحياته، من حيث أسماء أشخاص قريبين منه أو تواريخ متعلقة بحياته، فهي تشكيلات متداخلة من الحروف والأرقام لا يفهم دلالتها غيره، و... قطع أفكاره إشعار مفاجئ على هاتفه، يخبره بأن شخصًا ما يحاول تخمين كلمة مرور بريده الإلكتروني، لكنه فشل، فابتسم عمر وتابع السير.