الملعب

هوس التشجيع: ما هربنا منه نحو كرة القدم، وجدناه في كرة القدم

الصور: 2010 World Cup - Shine 2010، عزت السمري، steven rt  - التصميم: منشور

تفجير قنبلة في الملعب سابقة سجّلها «خايمي دي كارفالو»، وهو مشجع مخلص لفريق فلامنغو البرازيلي، لم يكن يتوانى عن فعل أي شيء لإثارة الحماس بين صفوف الجماهير لتشجيع فريقه ومساندته، فكان يحضر المباريات مرتديًا ألوان فريقه ومسلحًا باللافتات والأعلام التي كانت تصنعا له زوجته، إذ لم تكن تلك المواد تُصنع تجاريًّا في تلك الأيام.

هكذا يتحدث «أليكس بيلوس» في كتابه «كرة القدم: الحياة على الطريقة البرازيلية»، عن خايمي دي كارفالو، الرجل الذي كوّن فرقه نحاسية تعزف في المدرجات خلال المباريات لأول مرة، والذي انتُخب رئيسًا لرابطة المشجعين البرازيليين في ما بعد.

ربما يعتبر دي كارفالو، الذي تعود ذكراه إلى أربعينيات القرن الماضي، من أقدم المتعصبين الكرويين الذين ذكرهم التاريخ، لكنه بالتأكيد ليس الأخير.

إذا كنتَ من محبي متابعة مباريات كرة القدم، فمن المؤكد أنك تحفظ بعض وجوه الجماهير التي تبحث عنهم الكاميرات أو تلتقطهم بالصدفة، لا يفوتون حضور مباراة أيًّا كان المنافس أو مكان الملعب. الحديث هنا ليس عن مجانين الكاميرات، فالوجوه المقصودة لا تعباً بالكاميرات إطلاقًا، بل إنها لا تدرك شيئًا من المشهد بأكمله سوى متابعة فريقها تحت أي ظرف، وقد يصل الأمر إلى عدم متابعة المباراة أو فريقهم، لكن إثبات وجودهم هو الشيء الأهم، وربما لو قُدِّر لهم أن يروا أنفسهم من خارج المشهد لتغيرت آراؤهم، وهو ما لن يحدث أبدًا.

الحاجة إلى الانتماء تحتل مركزًا متقدمًا بين حاجات الإنسان الأساسية، وفي حالة تشجيع كرة القدم، فالانتماء إلى فريق بعينه يبدو طبيعيًّا.

يذكر بيلوس في الكتاب شخصيات أخري تشارك خايمي هذا الهوس. فهناك «إيفالدو»، شرطي متقاعد يحضر المباريات بصحبة مذياعه الضخم الذي يسبب الإزعاج للجميع، ولا يهتم بمشاهدة المباراة التي يحضرها من الملعب، بل يستمع إلى التعليق على المباراة عبر المذياع، الأمر الذي دفع أحد المدربين إلى اتهامه بإعاقة تواصله مع اللاعبين.

هناك أيضًا «دونا ميريكوينا»، امرأة عجوز ترتدي ملابس بألوان فريقها المفضل، ولم تخلع تلك الملابس منذ 25 عامًا، حتى أصبحت إحدى علامات الملعب المميزة.

ماذا يدور في عقول هؤلاء؟

لا زلت أذكر مشاجرة نشبت بين مشجع خمسيني وثلاث فتيات خلال مباراة لأحد الأندية المصرية في البطولة الإفريقية للأندية، حدث ذلك بعد أن اجتاحت حُمّى التشجيع الفتيات في بطولة أمم إفريقيا التي استضافتها مصر عام 2006.

كان الخلاف على مقعد يمنح جالسه رؤية أفضل، لكن الرجل لم يكن يتشاجر من أجل المقعد، ولم يتحدث بمنطق أنه جاء أولًا أو أنه أكبر سنًّا، بل من منطلق أن المباراة ربما لن تُلعب إذا لم يجلس هنا، من منطلق أنه جزء من تاريخ هذا النادي وله أفضلية على الجميع، كان يدافع عن عمره الذي أفناه على مقاعد المدرجات، ولم ينتظر أن يتفهم أحد ما يقول.

لم أستطع متابعة المباراة ذلك اليوم، كنت أتابع الرجل الذي انفصل عن الواقع تمامًا، تجحظ عيناه ويصرخ مستدعيًا كل عروق وجهه في ثانية واحدة، يضرب بيده على المقعد الذي لم يجلس عليه أبدًا، وفي لحظة الهدف يهدأ ويلتقط أنفاسه وكأنه في فاصل بين شوطي مباراة ملاكمة، ثم يبدأ من جديد.

من حسن حظ الفتيات أن المشاجرة كانت قبل المباراة، فهذا الرجل كان على استعداد تام لأن يقتل في سبيل متابعة مباراة فريقه المفضل.

السؤال الذي نسأله هو: ماذا يدور في عقول هؤلاء؟ كيف يتحول حب كرة القدم إلى ما يشبه دينًا له قواعده ونصوصه، ويبقي الدفاع عنه واجبًا قد يستلزم القتل؟

إذا نظرنا إلى هرم ماسلو الشهير، الذي يوضح ترتيب حاجات الإنسان والدوافع التي تحركه، نجد أن الحاجة إلى الانتماء تحتل مركزًا متقدمًا ضمن حاجات البشر الأساسية، إذ يقع ضمن الحاجات الاجتماعية، ويسبق الحاجات الفيسيولوجية (الطعام مثلًا) والأمان.

وفي حالة تشجيع كرة القدم، فالانتماء إلى فريق بعينه يبدو طبيعيًّا في البداية، بحسب ما توضحه لـ«منشور» منال زكريا، أستاذ علم النفس في جامعة القاهرة، لكن هذا «الانتماء الطبيعي» يزيد مع الوقت ويتحول إلى اتجاه قوي نحو الفريق، يتكون من ثلاثة أبعاد:

  1. بُعد معرفي: يقتنع المشجع أن النادي الذي ينتمي إليه أعظم كيان على الإطلاق
  2. بُعد وجداني: يشعر المشجع بسعادة شديدة بسبب الانتماء إلى هذا الكيان، وتقتصر سعادته على ذلك الانتماء
  3. بُعد سلوكي: يتضح في حضور المشجع كل مباريات وتدريبات الفريق أينما كانت

مع زيادة هذا الاتجاه بأبعاده الثلاثة، ينتقل الفرد من خانة المشجع المحب لفريقه إلى خانة «المتعصب».

هوس التشجيع موجود أينما وُجدت كرة القدم، أي في العالم بأسره، مما يشير إلى أن الأمر لا صلة له بمجتمعات متقدمة وأخرى متهمة بالرجعية، فكارثة هيسل لا تختلف كثيرًا عن كارثة بورسعيد، وهوس التشجيع ما هو إلا مرآة لهوس أكبر وأقدم تاريخيًّا: أهوس الحفاظ على الهوية، الذي يُنتج ثقافة رفض الآخر.

وبحسب منال زكريا، يندرج الميل إلى رفض الآخر ضمن الميول الفطرية للإنسان، التي جاءت المبادئ الإنسانية والقيم الحضارية والأديان لتهذيبها. ولأن الإنسان ابن بيئته، فالمناخ العام يؤثر بالضرورة في الفرد. كلما زاد تحضُّر البيئة التي تنشأ فيها، قل لديك التعصب ورفض الآخر. ربما لا ينتهي التعصب بالكامل، لكن أساليب التعبير عنه تصبح أكثر تحضرًا.

أخطأ المدافع الكولومبي «إسكوبار» وسجل هدفًا في مرماه، فتلقي العقاب بأن قُتل رميًا بالرصاص بعد عودته، كأنه جندي خان الوطن.

خيط رفيع يفصل بين المَشاهد المبهجة لتشجيع كرة القدم، الجماهير التي تظهر بقمصان موحدة وتتغنى باللاعبين وتهتف لهم في حماسة محببة، وبين مشاهد العنف الذي لا يمُتُّ للرياضة بصلة، ولا يندرج تحت راية الانتماء والولاء إلى الفريق، فالمتعة هي الغرض الأساسي لكرة القدم، فإن انتفت صفة المتعة عنها، لا يتبقى لكرة القدم سوى صراخ لا فائدة منه.

قد يهمك أيضًا: كيف استغل الساسة شغف جماهير كرة القدم؟

خطأ كروي أم خيانة للوطن؟

الصورة: Marty Groark

كرة القدم لعبة تعتمد بشكل كبير على أخطاء اللاعبين، بل إن هناك مقولة شهيرة مفادها أنه إذا لم يخطئ أحدهم لما سجل الآخر هدفًا، لكن في أجواء تشجيع يسيطر عليها هوس يفوق الحد، يتعامل هؤلاء المهووسون مع اللاعب الذي يخطئ بكثير من الكراهية، لأنهم يعتبرون ما يفعله أمرًا شخصيًّا تمامًا.

عديد من اللاعبين تعرضوا لأنواع مختلفة من الإيذاء لمجرد أنهم أخطؤوا أخطاءً شرعية و«تحدُث»، فالحارس الكاميروني «جوزيف أنطوان بيل» تعرض منزله للحرق بعد أن أُقصيَ منتخب بلاده من كأس العالم 1994، وحمّلته الجماهير الغاضبة مسؤولية الهزيمة. وفي المسابقة ذاتها، أخطأ المدافع الكولومبي «أندريس إسكوبار» في التعامل مع إحدى الكرات فسجل هدفًا في مرماه، فتلقى العقاب بأن قُتل رميًا بالرصاص بعد عودته، وكأنه جندي خان الوطن.

هل هناك مبرر إنساني لقتل شخص بدافع الانتماء إلى نادٍ أو منتخب كرة قدم؟

تقدم كرة القدم المنافسة في أوج صورها خشونةً، لكن يحلو لبعض الناس أن يُلصقوا بها ما لا تستطيع أن تحتويه أبدًا.

قد يعجبك أيضًا: كلاسيكو المتعة والصناعة: من يفوز بـ«كرة القدم»؟

فلتلاحقك لعنات كرة القدم يا «بيبيتو»

انتقل «بيبيتو» من نادي فلامنغو إلى الغريم فاسكو دا غاما، فذهب جمهور النادي الأول إلى مشعوذ كي يسحره فلا يلعب مجددًا.

تتأرجح كرة القدم بين طرفي الانتماء والاحترافية بصوره مستمرة، وأحد أهم مظاهر ذلك التأرجح انتقال اللاعبين إلى الأندية المنافسة، حينها تعبِّر الجماهير عن غضبها بصور شتى.

فالبرتغالي «لويس فيغو»، الذي انتقل إلى ريال مدريد الإسباني قادمًا من الغريم الأبدي برشلونة، تعرض لصافرات استهجان في أول مباراة له ضد فريقه القديم، بل ألقى أحد جماهير برشلونة رأس خنزير عليه حين اقترب من طرف الملعب لينفذ ركلة ركنية، بينما قررت جماهير مانشستر يونايتد الإنجليزي حرق قميص الأرجنتيني «كارلوس تيفيز» عقب انتقاله إلى الجار والغريم مانشستر سيتي.

عديد من اللاعبين واجهوا اتهامات الخيانة بعد أن رحلوا، لكن البرازيلي «بيبيتو» لاقى ما هو أكثر.

يروي «إدواردو غاليانو» في كتابه «كرة القدم بين الشمس والظل» ما جرى للاعب البرازيلي الشهير، الذي انتقل عام 1989 من نادي فلامنغو إلى الغريم فاسكو دا غاما، فشعر جمهور فلامنغو بـ«خيانة لا تُغتفر»، وقرروا حضور مباريات فاسكو دا غاما في مقاعد الفريق المنافس، كي ينهالوا بعبارات الاستنكار على «الخائن».

ربما يبدو لك هذا عاديًّا، لكن بيبيتو بدأ يتلقى تهديدات من جمهور فريقه القديم، بل إن بعضهم ذهب إلى أحد أشهر المشعوذين في البرازيل كي يسحر له فلا يلعب مجددًا. بعدها تعرض اللاعب لسلسة من الإصابات، فقرر أن يترك البرازيل إلى إسبانيا.

ما هربنا منه نحو كرة القدم، وجدناه في كرة القدم

جمهور الأهلي المصري في أحد تدريبات الفريق - الصورة: Elwy Ahmed

كثيرون يعتبرون كرة القدم مهربًا من التعقيدات الحياتية، لكن يأبى المتعصبون المصابون بهوس التشجيع أن يتركوا لهؤلاء فرصة للاستمتاع.

يسيطر التعصب على كثير من المناقشات اليومية العادية، وكثيرون يقررون أن لا يخوضوها مجددًا، فالنقاش السياسي أو الديني مثلًا من المستحيل أن يتّسِم بأي موضوعية، خصوصًا في بلداننا العربية. هربنا من كل ذلك إلى كرة القدم، فوجدنا العصب نفسه يحيط بنا، تعصبٌ لأندية ولمدربين وللاعبين بدرجات متفاوتة، ربما يكون أدناها اتهام الآخَر بعدم فهم اللعبة، وكأن كرة القدم لها معايير محددة للفهم.

, , , , , ,