بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

قصة القط السارق: هل تجعل المدينة الحيوانات أكثر ذكاءً؟

الصورة: Gellinger

في سريلانكا، تلك الجزيرة في المحيط الهندي، وبداخل إحدى البنايات، اختفت السمكة الأولى، سمكة الزينة الذهبية، من البحيرة الصغيرة الملحقة بالبناية في نهاية الدرب الضيق المحاط بالحوائط الإسمنتية الطويلة.

لم يكترث أحد لاختفائها. من يعبأ باختفاء سمكة رخيصة؟

لكن عندما بدأت أسماك «الكوي» الثمينة بالاختفاء، تملَّك الذُعر صاحب البناية، وبخاصة بعد خلو البحيرة من سبع أسماك من أصل عشرة اشتراهم منذ فترة قصيرة بـ65 دولارًا للواحدة، فوضع أربع كاميرات مراقبة للإمساك بالسارق.

إلى هنا تبدو هذه الحكاية عادية. لكن الكاتب «بول بيسيليو» يحكي قصة مختلفة في مقاله على موقع «The Atlantic».

سارق السمك

رحلة البحث عن سارق السمك

اكتُشفت هوية السارق بعد يومين، وسط ذهول الناس. كان قطًّا كبيرًا أشبه بنمر صغير مفتول العضلات، تنتشر البقع السوداء على جسده، ويملك آذانًا مطوية وأكتافًا قوية. خطته للسرقة كانت معقدة بعض الشيء: يتسلل ليلًا، ويمشى فوق حواف البناية، ثم ينزلق على المظلة، حتى ينزل إلى البحيرة، ويظل متربصًا ناظرًا إلى الماء حتى تحين اللحظة الملائمة ليصيد عشائه.

يتحرك القط السمَّاك بأريحية في المدينة، ويقفز فوق الأسطح، ويتسلل عبر مصارف المياه.

السارق ينتمي إلى فصيلة «القط السمَّاك»، تلك التي تحب الماء بخلاف أنواع القطط الأخرى. تعيش في المستنقعات والأراضي الرطبة. وعلى عكس كثير من القطط، تستطيع السباحة لاصطياد فرائسها.

المشكلة هنا أنه لم يُسجَّل دخول قطط الصيد إلى المدينة قبل هذه الواقعة في ربيع 2015، وإن انتشرت بعض الأقاويل عن مشاهدتها في الأنحاء.

سُرقت الأسماك مصادفة، من بحيرة البناية التي يوجد فيها مكتب إحدى المنظمات البيئية غير الربحية، التي تعمل في أحد فروعها الباحثة «آنيا راتناياكا»، وهي واحدة من خبراء فصيلة القط السمَّاك القلائل في العالم، ما ساعد على سهولة الوصول إليها واستشارتها، بدلًا من تجاهل هذه الظاهرة. عملت آنيا على ملاحظة ترك القطط للمستنقعات ودخولها إلى المدينة، وإجراء دراسة هي الأولى من نوعها عن هذه الظاهرة.

درست الباحثة سلوك مجموعة صغيرة من قطط السمَّاك في كولومبو، عاصمة سريلانكا الاقتصادية. يتحرك القط السمَّاك بأريحية في المدينة، ويقفز فوق الأسطح، ويتسلل عبر مصارف المياه.

يطرح بحث آنيا تساؤلات عدة: هل ينوي القط السمَّاك استيطان كولومبو التي تزحف على موطنه الطبيعي بالتدريج، أم إنه مجرد سلوك شاذ لبعض أعضاء الفصيلة؟ لماذا يتكيف مع الحياة في الحضر؟ والأهم: كيف تؤثر حياة المدينة في ذكاء القط السمَّاك؟

القط السماك: أرض جديدة، موطن جديد

القط السماك في رحلة الصيد

تمتد حدود كولمبو عبر شواطئ المحيط الهندي. لم تهدأ فيها حركة الاقتصاد والتجارة منذ نشأة طريق الحرير، طريق ملاحي وبري قديم ربط بين قارتي آسيا وأوروبا لتسهيل تنقلات القوافل التجارية. تزينها ناطحات السحاب، ولا تخلو المقاهي والملاهي الليلية من السياح. تزدحم شوارعها بالمارة والسيارات وسط تماثيل بوذا العتيقة، وتفوح منها رائحة غريبة، خليط من العطور والقمامة والبنزين، تتوغل حدود المدينة في أعماق الغابات المحيطة بها لتستوعب ازدياد حجمها المتسارع.

عثرت آنيا على 10 قطط أخرى، تتحرك بخطى واثقة وكأنها وُلدت في المدينة. تُرابط حول جداول المياه الواسعة في كولمبو.

أطلقت آنيا على القط السارق اسم «ميزوشي»، ووضعت طوق تعقُّب حول عنقه. وسَّع ميزوشي من دائرة تحركاته لما يقرب من ميلين مربعين. كانت المفاجأة أن القط لم يتجول حول البحيرات وقنوات المياة فحسب، بل ذهب إلى جراج إحدى قاعات السينما، وتحرك وسط السيارات في طريق أسفلتي متعدد المسارات. دخل إلى المدينة وتجوَّل فيها بأريحية.

صنع ميزوشي طريقه الخاص وسط المدينة الصاخبة. يتسلل عبر الممرات الضيقة، والأماكن المجهورة المظلمة الخفية حتى عن أعين سكان كولومبو، وفوق جدران الحي المرتفعة، ويجري في الحدائق حتى يصل إلى قناة المياه القريبة، ومن هناك، يذهب إلى قاعة السينما، ويصيد الأسماك من البِرَك قبل سطوع أشعة الشمس الأول. تقول آنيا: «تُظهر بيانات الطوق القط واثقًا جدًّا، يعلم ما يفعله، وضع لنفسه مسارًا لا يحيد عنه».

إضافة إلى ذلك، عثرت آنيا على 10 قطط أخرى، تتحرك بخطى واثقة وكأنها وُلدت في المدينة. تُرابط حول جداول المياه الواسعة في كولمبو. ورغم صولاتها وجولاتها بين السكان، لم يعلم معظمهم بوجود زائرين جدد.

كيف نُعرِّف ذكاء الحيوان؟

قدرة حيوان الراكون على حل المشكلات

بحلول عام 2020، ستحتل المدن ما يقرب من 10% من الأراضي الطبيعية. يعيش أكثر من نصف البشر في المناطق الحضرية، وعدد لا يحصى من الكائنات الأخرى كذلك، بدءًا من البعوض في لندن والفهود التي تهيم حول قرى مومباي لافتراس الكلاب الضالة، إلى طيور اللوركيت والعقعق فوق أشجار كولومبو، والسحالي الضخمة الملتصقة بجذعها.

هل تعكس التحولات السلوكية تغييرات أعمق في طريقة تفكير الحيوانات التي استوطنت المدن؟

تضطر الحيوانات، في بعض الأحيان، اقتحام المدينة لأنه لا يوجد مكان آخر تأوي إليه. وفي أحيان أخرى، تأتي بملء إرادتها للتمتع بالطعام السهل الوفير الذي يتركه السكان خلفهم بدلًا من مشقة البحث عن غذاء في الغابة، وللهرب أيضًا من خطر الوقوع ضحية الصيد المستمر على مدار العام. أليس التخفي في بيت الصياد نوعًا من الدهاء؟

تأثير المدينة المدهش في عقول الحيوانات واحد من أكبر ألغاز التكيف مع الحياة الحضرية في العصر الحديث. راقب «ستان جيرت»، عالم الحياة البرية في جامعة أوهايو، سلوك الذئب البري في المدينة، والذي توصل إلى الوقت المناسب لعبور الطريق على نحو آمن، وتعلَّم المرور بين السيارات في أثناء تحركها بناءً على سرعتها وحجمها، واختيار الوقت المناسب بناء على طريقة حركة السيارات وازدحام الشارع.

هل تعكس هذه التحولات السلوكية تغييرات أعمق في طريقة تفكير الحيوانات التي استوطنت المدن؟ يحير هذا السؤال علماء الحياة البرية الذين قارنوا، حسبما يقول كاتب المقال، في عدة عواصم، بين سلوك حيوانات المدينة وتصرفات مثيلاتها في البراري، ووجدوا أن الراكون الكندي، على سبيل المثال لا الحصر، يتفوق على أقرانه في المناطق الريفية.

يتطلب العيش في بيئة متقلبة، كالتي نراها في المدن، قدرات إدراكية كثيرة بالنسبة إلى حيوان يعيش مغتربًا بعيدًا عن موطنه الأساس، فيظهر لنا تساؤل جديد: هل تزيد الحياة الحضرية من ذكاء الحيوانات؟

يتوقف الباحثون عند هذه النظرية المثيرة للجدل، لأن الذكاء معقد في حد ذاته، فلا يمكننا حصر أسباب زيادة الذكاء في حيوانات الحضر على المواقف المعقدة التي تفرضها عليهم المدينة فقط، ونتجاهل طرق التفاعل في ما بينها، وتعلمها من بعضها، وطبيعة البيئة التي تحيط بها من كل اتجاه. يؤثر كل ذلك، مجتمعًا، في تصرفاتها وتكوينها العقلي على مدار أجيال متعاقبة بغض النظر عن المكان الذي تعيش فيه حاليًّا.

نحن لا نتحدث لغة واحدة، ولا نعلم كيف تنظر الحيوانات إلى العالم. فكيف، إذًا، سنتمكن من إيجاد مقياس محايد للذكاء ونطبقه على الفصائل المختلفة، أو فصيلة واحدة على الأقل؟

ركزت «سارة بنسون»، الباحثة في علم البيئة السلوكي في جامعة وايومنغ، على عامل المرونة باعتباره معيارًا أساسيًّا لقياس الذكاء بشكل عام. فكلما تغيرت البيئة من حولنا، تغيرت ردود أفعالنا وتفاعلنا معها. لذلك لن نلجأ حينها لتصرف قديم اعتدنا عليه في الماضي، لكنه أصبح دون جدوى الآن. تحتاج حيوانات الحضر إلى ما هو أكثر من ذلك، فلا بد لها من اكتساب مجموعة مهارات عقلية متنوعة، مثل الإدراك والحيلة والبصيرة، للتغلب على صعوبات العيش في المدينة.

هل تجلب المدينة الموت أم الحياة؟

قطط سمّاك صغيرة تلعب

الحياة المدنية ليست سهلة على الإطلاق بالنسبة إلى القط السمًاك، فهي مليئة بالأخطار. يستقبل مركز إعادة تأهيل الحياة البرية، خارج حدود كولومبو، حالة وفاة شهريًّا على الأقل للقط السمَّاك: توفي إثر حادثة سيارة أو دراجة نارية.

قتلت السيارات في سيريلانكا نحو 100 قط سمَّاك في السنوات الثلاثة الأخيرة. يسكب سكان القرى المحيطة بكولومبو الماء المغلي على قطط السمَّاك التي تحاول سرقة الدجاج من الأقفاص، تطارَد القطط عبر المدينة، وتُقتَل للخلط بينها وبين الفهود. إضافة إلى البيوت المليئة بكلاب الحراسة المتأهبة للانقضاض على أي دخيل، وقتل الفئران بالسم، لذلك تموت القطط بعد أكلها هذه الفئران المسمومة.

تظن آنيا أن هذه الأخطار ستجبر القط السمَّاك على الرجوع إلى موطنه الأصلي يومًا ما، وتوصلت إلى هذه النظرية بعدما علمت بما حدث للقط ميزوشي. ففي أثناء الدراسة، عكفت آنيا على تزويد بحيرة البناية بالأسماك لتضمن عودة ميزوشي كل يوم، ما يتيح لها مزيدًا من الفحص والتدقيق لسلوكه. نجحت الحيلة حتى اليوم الذي اختفى فيه ميزوشي، وعُثر عليه عالقًا في مصرف للمياه بسبب وزنه الزائد، ما أفقده القدرة على اجتياز الممرات الضيقة.

ترعى حديقة حيوان صغيرة في شمال كولومبو الحيوانات المعاقة. عثر الباحثون هناك على بعض قطط السمَّاك، وكان الفرق جليًّا بين سلوكهم وسلوك ميزوشي وغيره في شوارع المدينة، تتعامل قطط السمَّاك في الحديقة، حيث يتوفر لها الغذاء والعناية والمأوى الدائم، وكأنها قطة عادية لم تعرف أخطار المدينة.

السمات التي تكتسبها الحيوانات البرية عند العيش في الحضر، مثل الابتكار والتعلم والجرأة والفضول، قد تنقلب علينا نحن البشر.

تعتقد «كاي هولكامب»، خبيرة علم الحيوان في جامعة ميتشيغان، أن بوسعها قياس ذكاء الحيوانات عن طريق الاختبارات الشخصية التي تقيس سمات الذكاء السلوكية المحددة مسبقًا، مثل الفضول والجرأة، ودمجها معًا للتوصل إلى ناتج نهائي يحدد نسبة الذكاء.

طبقت هولكامب ستة اختبارات مختلفة على الضباع التي تعيش في ريف كينيا ومدنها وضواحيها. تضمنت هذه الاختبارات جهازًا معدنيًّا كبيرًا يشير إلى مكان غذاء مختلف في كل مرة، وسلالًا متعددة الألوان لقياس نمط الإدراك لديهم. كانت نتيجة الاختبارات أن الحيوانات هي الأسرع في التعلم والتأقلم مع المواقف الجديدة، والتحكم في انفعالاتها، هذا ما توصلت إليه هولكامب بعد قياس أداء كل ضبع منفردًا.

تُوقعنا قدرة الحيوانات على الاستفادة من موارد المدينة في مأزق، لأن هذه السمات المتطورة التي تكتسبها الحيوانات البرية عند العيش في الحضر، مثل الابتكار والتعلم والجرأة والفضول، قد تنقلب علينا نحن البشر في لحظة ما وبأبسط الطرق الممكنة. فلا فرق بين الراكون الذي استطاع فتح صندوق القمامة والتنقيب فيه عن الغذاء، والقط السمَّاك الذي أمسك بالهرة الصغيرة خارج باب الكوخ، والأسد الجبلي الذي قد يكسر زجاج نافذة ويهجم على المنزل في أثناء نوم سكانه.