بيزنس إز بيزنس

كيف تحول فيسبوك، بمساعدة شركة إسرائيلية، إلى «الإنترنت»؟

التصميم: منشور

غالبًا لن تتذكر ماذا كنت تفعل في الرابع من فبراير عام 2004، إذا كنت قد ولدت أصلًا حينها، لكن العالم كله يعلم ما كان يفعل مارك زوكربيرغ داخل غرفته الصغيرة في جامعة هارفارد، كان يطلق موقع «The Facebook».

زوكربيرغ، الذي كان يبلغ عمره حينها 20 عامًا، كان يحاول دخول سوق التواصل الاجتماعي المليء بعمالقة ربما كان لديك حساب على مواقعهم يومًا، مثل «MySpace» و«Hi5»، وخدمات أخرى عديدة حاولت أن تخلق تواصلًا اجتماعيًّا إلكترونيًّا بينك وبين أصدقائك، وتجعلك تخرج من الشكل التقليدي للتواصل إلى شكل مختلف من وراء شاشة جهاز الكمبيوتر.

أن تخوض مغامرة إنشاء مشروع صغير من الصفر، ثم تصبح أضخم عملاق في مجالك، هذا جيد بالطبع، لكنك لو لم تتقبل فكرة المنافسة ستتحول إلى غول يأكل من قد يفكر أن ينافسه أو حتى مجرد يقف في طريقه، وهذا تمامًا ما حدث مع فيسبوك.

زوكربيرغ: الخجول.. المحنك

 

Back in my old dorm room at Harvard.

A post shared by Mark Zuckerberg (@zuck) on

في العام 2009، كان أغلب من لديهم هواتف ذكية يستخدمون تطبيق «Foursquare» الشهير وقتها لمعرفة الأماكن الجديدة، وكانوا يسجلون وجودهم (check-in) عن طريقه في الأماكن التي يذهبون إليها، ويشيرون إلى حسابات أصدقائهم (tag) ويحكون لهم رأيهم في المكان، لكن حلم «نافين سلفادوري»، أحد مؤسسي التطبيق، قُتل حين أعلن فيسبوك في 2010 عن ميزة «Facebook Places» التي تمنح المستخدمين نفس مزايا فورسكوير بالضبط.

لن تتمكن من توقع ملامح عقلية مارك زوكربيرغ وطريقة تفكيره ورؤيته للسوق إلا حين تعلم ما كان عليه في أيامه الأولى مع فيسبوك وطريقة تعامله مع المستثمرين، مثل «رايد هوفمان» مؤسس شبكة «LinkedIn»، الذي أشار إلى أن زوكربيرغ كان قليل الكلام وأقرب إلى الخجل، لكن كانت لديه أفكار تكفي لأن تصنع من فيسبوك شبكة عملاقة تجمع ملايين البشر وتسهل لهم التواصل معًا بأشكال عديدة.

هوفمان أعلن أنه تعلم كثيرًا من التغيُّر الكبير الذي شهدته شخصية زوكربيرغ، من شخص خجول لا يستطيع صياغة عدة جمل إلى مدير محنك قادر على قراءة السوق ودخول صفقات بمليارات الدولارات ليفرض سيطرته.

فيسبوك: أنا الإنترنت

عندما تتنافس مع أشخاص في مجال ما، يقدم كلٌّ منكم أفضل ما لديه كي يستحق لقب الفائز أو الأفضل، وبالتالي يطوِّر ذلك من قدراتكم ويجعلكم تتعلمون من أخطائكم وتحاولون تصحيحها، لكن عندما تكون الوحيد في مجالك، فإنك ستكون محتكرًا لهذا العمل ولن تضطر إلى تطوير نفسك، لن تجد بدائل لك وستشعر بالخنوع والكسل، وحينها مهما كانت عيوب أدائك فلن تشعر بأنك مقصر أو تحتاج إلى تغيير.

هذا ما نعيشه مع فيسبوك، الذي يريدك أن تظل موجودًا لأطول فترة داخل حدود مملكته، تكتب وتشاهد مقاطع فيديو وتبعث رسائل إلى أصدقائك، تشتري أشياء وتدفع مقابل طلباتك اليومية، تراسل زملاءك في العمل وأصدقاء الدراسة عبر واتساب وتشارك صورك على إنستغرام، والتطبيقان مملوكان لفيسبوك، وبذلك لن تحتاج إلى الخروج أبدًا.

لن يمر شهر حتى تقرأ خبرًا عن إطلاق فيسبوك ميزة جديدة اقتبسها من تطبيق آخر، أو أنه اشترى التطبيق ذاته.

يتوقف سير العالم من حولك على كفاءة سيرفرات فيسبوك التي تدير بيانات مليارَيْ مستخدم، ومليار آخر شهريًّا على واتساب، و1.3 مليار شهريًّا لمسنجر، أما على إنستغرام فهناك نصف مليار مستخدم يوميًّا يرفعون صورهم في أماكن مختلفة من العالم.

يولي فيسبوك صفقات الاستحواذ اهتمامًا ووقتًا كبيرين، ويضع خططًا للنمو والتوسع على المدى الطويل. الأمر لا يقتصر فقط على تطوير مزايا وخدمات جديدة لجذب المستخدمين والحفاظ عليهم، ففي عام 2013، استحوذ فيسبوك على شركة «Onavo» الإسرائيلية المتخصصة في تحليل كل ما تفعله على هاتفك: التطبيقات التي تستخدمها، وكيف ومتى وأين تستخدمها، وكل ذلك كفيل بتقديم صورة واضحة لفيسبوك عن أداء تطبيقاته، وكذلك أداء منافسيه.

تحول «Onavo» بالنسبة لمارك زوكربيرغ إلى بوصلة «جاك سبارو» في سلسلة أفلام «Pirates of the Caribbean»، ترشده إلى القرارات الصائبة لضرب منافسيه عبر الاطلاع على علاقاتهم بالمستخدمين وكيف يتعاملون مع التطبيقات المختلفة.

لن يمر أسبوع أو شهر على أقصى تقدير حتى تقرأ خبرًا عن إطلاق فيسبوك ميزة جديدة اقتبسها من شبكة أو تطبيق آخر، صفقة يحاول إتمامها، خدمة جديدة ناشئة يريد أن يضمها إلى مملكته، أو حتى يقضي عليها ويقصيها من المنافسة مقابل حفنة ملايين. ربما تجده كذلك يدرس دخول سوق جديدة، فتتوقف بعض الشركات في تلك السوق وتعلن خدمات أخرى إفلاسها، لأنها لن تتمكن من منافسة لاعب نقطة قوته أنه يمتلك ثُلث سكان العالم على متن منصته.

فيسبوك وسناب شات: حرب الاستحواذ

فيلتر الورود الخاص بسناب شات (يمين) الذي اقتبسه إنستغرام (يسار)

إذا عُرض عليك مليون دولار مقابل بيع شركتك الصغيرة، هل تقبل؟ بعد عمليات حسابية لتحويل الدولار إلى عملتك المحلية، ستجد أمامك مبلغًا يصعب رفضه، خصوصًا لو كنت في نفس سِنّ «إيفان شبيغل»، مؤسس «سناب شات»، في نهاية 2012.

شبيغل، صاحب الثلاثة وعشرين عامًا وقتها، كان في قمة هدوئه عندما جلس إلى طاولة واحدة في منزله بمدينة لوس أنجلوس مع زوكربيرغ، الذي جاء ليلقي ببطاقة تهديد في وجهه معلنًا نيته إطلاق منافس شرس لسناب شات، أطلق عليه وقتها «Poke»، في رسالة غير مباشرة تقول بحسب تعبير شبيغل: «سندمرك».

نجحت ميزة «Stories» على إنستغرام، نجحت حتى بصورة أكبر من نجاحها على التطبيق الأصلي: سناب شات.

لكن العام 2013 انتصف، وستة أشهر مرت أشهر على إطلاق «Poke» لأجهزة آبل، والتطبيق لم يلفت أنظار المراهقين، وهم الفئة الذهبية التي يستهدفها «العفريت الأصفر». هنا عاود زوكربيرغ زيارة منزل شبيغل عارضًا صفقة استحواذ قيمتها ثلاثة مليارات دولار، لكن مؤسس سناب شات رفض، هناك عملاق جديد يريد أن يترك بصمته الخاصة.

لكن صمود سناب لم يستمر طويلًا، ففي 2016 لجأ فيسبوك إلى بطاقته الأهم: إذا لم تستطع أن توقف خصمك أو تسبقه، فاسرق قلبه مباشرة، وهو ما حدث حين نشر زوكربيرغ ميزة «Stories» على جميع منصاته، وهي الميزة الرئيسية لسناب شات، التي تسمح لك بمشاركة مقطع فيديو قصير أو صورة مع أصدقائك ومتابعيك لمدة 24 ساعة فقط.

لا بد أنك لاحظت انتشار «Stories» بدءًا من إنستغرام مرورًا بمسنجر وواتساب، وصولًا إلى تطبيق فيسبوك الرسمي وموقع الويب. وبالتأكيد كذلك لاحظت مدى نجاح الميزة على إنستغرام مقارنةً بسناب شات، إن كنت تستخدمه أصلًا، فقد وصل معدل استخدامها على إنستغرام إلى 250 مليون شخص في اليوم، مقابل نحو 166 مليونًا لتطبيق سناب شات كليًّا في أغسطس 2017.

تلك الزهرة التي قطفها فيسبوك من بستان التطبيق الأصفر رفعت المدة التي يقضيها الناس يوميًّا عند زوكربيرغ إلى 32 دقيقة لمن هم أقل من 25 سنة، و24 دقيقة بالنسبة للأكبر من 25.

حتى طَوق الورود «اقتبسه» إنستغرام، وهو أشهر المؤثرات البصرية الخاصة بسناب شات، وبدأ زوكربيرغ يطور مؤثرات خاصة به على منصاته الاجتماعية، وامتد الأمر إلى إطلاق تطبيق خاص للتصوير «Facebook Camera» على فيسبوك، وفتح واجهته البرمجية أمام المطورين ليصنعوا مؤثراتهم الخاصة ويتفاعلوا مع جمهورهم.

«كيفين سيستروم»، المدير التنفيذي لإنستغرام، أعلن أنه لو اعتبرنا شبكته تقتبس من سناب شات، فإن أي سيارة تقدم إطارات ونوافذ سنعتبرها تقتبس من أول عربة في العالم. لكن شبيغل لا يهتز، وحين سُئل بشكل مباشر عن المحاولات المستمرة من فيسبوك لاقتباس مزاياه، تساءل متعجبًا: «هل لأن ياهو لديه مربع بحث، يمكن أن نعتبره جوجل؟».

هل يقتل فيسبوك نفسه؟

بدأ الجيل الذي تتراوح أعماره بين 11 و17 عامًا في بريطانيا وأمريكا يفقد شغفه بفيسبوك لأنه ليس «كوول» بما فيه الكفاية.

في مجال التكنولوجيا، من يعمل فقط على تقليد الآخرين أو يتوقف عن الابتكار مصيره الوفاة وفقد الجمهور تدريجيًّا، يخرج منافسون جدد إلى السوق الذي كان سيده، سنوات قليلة ويصبح طَيّ النسيان، هذا ما حدث مع نوكيا وبلاكبيري في سوق الهواتف الذكية، وMySpace وHi5 في التواصل الاجتماعي.

في طريقه لبناء إمبراطورية نعتمد عليها بشكل كلي، يتبع فيسبوك أسلوب الاستحواذ على أكبر عدد من الدقائق الممكنة من إجمالي المدة التي نقضيها على هواتفنا يوميًّا، مما يساعده على إسالة لعاب المعلنين باعتباره يقدم وجبة دسمة من المحتوى الذي يفضله مستخدمو الإنترنت. لكن، بالضبط كالمطاعم، إذا لم تطور قوائم وجباتك ستفقد شغف الزبائن، وسيبحثون عن أطباق تفتح شهيتهم لدى آخرين.

هذه ليست تنبؤات بل واقع، إذ بدأ الجيل الذي تتراوح أعماره بين 11 و17 عامًا في بريطانيا وأمريكا يفقد شغفه بفيسبوك لأنه ليس «كول» بما فيه الكفاية، ويتجه أكثر إلى إنستغرام وسناب شات.

كيف تكون «كول»؟ كيف يؤثر هذا في صورتك الاجتماعية؟ تعالَ نعرف

يحاول فيسبوك بكل الطرق الممكنة أن يحافظ على مستخدميه لكن بالطريقة الصعبة، أن يصبح «كل شيء» على الإنترنت، مركز تسوق وساحة ألعاب ونافذة تقديم للوظائف ومعرض صور ومنصة مراسلات وإعلانات وشاشة لمشاهدة مقاطع الفيديو والبث المباشر، وكثير وكثير غير ذلك. لو حاول مارك زوكربيرغ إعادة ترتيب أوراقه وركز فقط على التواصل الاجتماعي، كما كان هدفه في 2004 داخل غرفته الصغيرة، ربما يكون مستقبله أوسع وأفضل كثيرًا، وربما يحافظ على بيئة صحية للمنافسة، وعندها سيكون المستفيد الأكبر هو أنت وأنا.