تعتقد؟

هل عمل الخير طريقنا لنصير أشرارًا؟

الصورة: Getty/Diego Cupolo

كان «أوسكار وايلد»، الكاتب الأيرلندي الشهير، معروفًا، بالإضافة مواهبه الكثيرة، بمهاراته في قول المأثورات أو العبارات الحكيمة.

من بينها ما يستشهد به الكاتب عباس بانجواني في مقاله المنشور على موقع «Nautils»، إذ يقول وايلد في إحدى مقالاته: «الخير يخلق كثيرًا من الآثام»، لكن هل يتطابق الأمر حقًّا مع الواقع؟ هل الخير يؤدي إلى الشر؟

فضائح جنسية في العمل الإنساني

الفضائح الجنسية في منظمة «أوكسفام» البريطانية

انطلاقًا من إيمانه بأن الخير منبع الشر، لم يكن أوسكار وايلد ليُفاجأ بسلسلة الفضائح الشهيرة في بريطانيا، التي ضربت منظمات إنسانية كثيرة من بينها «President’s Club»، عقب كشف صحيفة «Financial Times» فضائح اعتداء جنسي وكراهية واستغلال ذي طابع جنسي ضد النساء داخل المنظمة.

ذلك إضافة إلى الفضيحة التي أطاحت بمسؤولين كبار في منظمة «أوكسفام»، التي تسعى إلى استئصال الفقر، عقب اكتشاف استغلال المديرين لعاملات الجنس في أثناء تقديم المساعدات عقب زلزال في هايتي. وبدلًا من توجيه عقاب مناسب للمتورطين في هذه الفضائح، اقتصر رد الفعل الذي اتخذته المنظمة على نقلهم إلى منظمات إنسانية أخرى.

تحذر «هيلينا إيفانز»، المديرة السابقة لوحدة حماية القاصرين، من تكرار حدوث الاعتداءات على الأطفال المتطوعين في المتاجر الخيرية التابعة لمنظمة أوكسفام، ومن تداعيات هذا النوع من الأفعال على صورة العمل الخيري.

تكرر الأمر بعدة أشكال في عدد من المنظمات التي تُعنَى بالشؤون الإنسانية، فقد استقال المديران التنفيذيان السابقان في منظمة «Save The Children»، «بريندان كوكس» و«جاستين فورثيث»، بعد عودة ظهور مزاعم ضدهما بالتحرش الجنسي والتَنَمُّر تجاه زميلاتهن.

قد يهمك أيضًا: لماذا نشأت الأخلاق؟

المظاهر، غالبًا، تخدع

السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: كيف يكون الأشخاص الذين يَبدون أخيارًا من الخارج وفي وظائفهم، على هذا القدر من السوء في السر؟

نظرية الترخيص الأخلاقي قد تفسر السبب، إذ تقول إن الإنسان حين يكون خَيِّرًا يمنح نفسه رخصة ليكون سيئًا، فهو على الأقل قد فعل عددًا من الأشياء الجيِّدة.

أورد المقال دراسة حديثة أجراها عالم اقتصاد في جامعة شيكاغو، كشفت أن العمل في شركات المسؤولية المجتمعية يشجع الموظفين على التصرف بخلاف الأخلاق التي ينحازون إليها.

في إحد التجارب، عُيِّنَ موظفون لنقل صور من نصوص ألمانية، وكان يُدفَع لهم 10% مقدمًا والباقي بعد إنهاء كل المهام، حتى لو وصلوا في النهاية إلى أن النصوص غير مقروءة ويصعب نقلها.

حين أُخبِر عدد من المشاركين في التجربة بأنه، في مقابل كل مهمة منتهية أو مقروءة، سيجري التبرع بـ5% من الأجر لمشاريع التعليم التابعة لمنظمة «اليونيسيف»، ارتفع معدل الغش بنسبة 25% مقارنة بما كان عليه قبل أن تضاف فكرة التبرعات الخيرية.

ظهر الغش في شكلين:

  1. بعدم استكمال الموظفين مهامهم من الأساس بعد الحصول على الأجر المقدَّم
  2. بالقول إن الملفات صعبة القراءة، ومن ثَمَّ أخذ الأجر كاملًا

اكتشف الباحثان «جون ليست» و«فاطيمة مومني» أن نسبة الغشاشين كانت أعلى بعدما أضافوا مسألة المسؤولية المجتمعية. فحين شعر الموظفون بأن أفعالهم ستذهب إلى التبرعات الخيرية، منحوا أنفسهم رخصة للسرقة.

استنتج ليست وفاطيمة أن طبيعة التصرف الخيِّر، المتمثلة في المسؤولية المجتمعية للشركات، تدفع الموظفين فيها إلى إساءة التصرف بشكل قد يضر بالشركة من ناحية أخرى.

ربما يكون هناك تماثل بين غش الموظفين بهدف زيادة المال الموهوب للخير، وما يفعله منظمو الحفلات بتوظيف مضيفات إناث بهدف جذب الانتباه إلى الحدث وزيادة التبرعات. لكن هناك مشكلة في استخدام هذه النظرية لتبرير الاعتداء الجنسي. الترخيص الأخلاقي ينطبق فقط حين نجد تفسيرًا للسلوك السيئ بكونه جيدًا، أو على الأقل ملتبس وغير واضح.

يختلف بعض المتخصصين في الأخلاقيات التنظيمية مع التعميم الذي يفترض أن الترخيص الأخلاقي يحدث فقط حين يكون السلوك السيئ مبرَّرًا أو إيجابيًّا اجتماعيًّا، لأن هذا يتجاهل فارقًا نسبيًّا في نظرية الترخيص الأخلاقي.

اقرأ أيضًا: بيولوجيا الشر: علماء الأحياء يحاولون إجابة أصعب أسئلة الفلسفة

نظريتان عن الترخيص الأخلاقي

الصورة: Karmen cute

تمنح الأعمال التافهة، كشراء منتجات التجميل الصديقة للبيئة، مستهلكيها رخصة أخلاقية ليتجهوا إلى سلوكيات سيئة.

ينقل المقال أن هناك نوعين تُطَبَّق فيهما نظرية الترخيص الأخلاقي:

  1. آلية الاعتماد الأخلاقي: تتناسب أكثر مع تبرير الفعل، وتتمثل في تبرير كالتالي: «فعلت أمورًا جيدة، أثبتُّ أنني شخص جيد بما يكفي، الآن يمكنني أن أفعل بعض الأشياء السيئة،  فأنا باعتباري شخصًا جيدًا أعرف أن سلوكي الجيد يزيد عن السيئ» 
  2. الرصيد الأخلاقي: يشبه الحساب البنكي، وفيه يقول المرء لنفسه: «كلما فعلت شيئًا جيدًا زاد حسابي البنكي، وكلما فعلت شيئًا سيئًا قَلَّ رصيدي». وفي هذه الحالة، لا يحتاج الفعل السيئ إلى أي تبرير

وعلى الرغم من أن الأمر بوضوح لا تُقبَل فيه الأعذار، فإن الحالة الثانية تفسر التصرفات التي صدرت من كوكس ورفاقه، فقد وفَّروا رصيدًا أخلاقيًّا بما يكفي ليسحبوا منه، أو على الأقل هذا ما فكروا فيه.

لكن النظرية لا يمكنها أن تتنبأ بأن كل فعل جيد سيقود في النهاية إلى سلوك شرير. هذا النمط من التفكير يُظهِر أن قطاع الأعمال الإنسانية ليس الأكثر عرضة لنظرية الترخيص الأخلاقي، فالبشر بارعون في إيجاد الأسباب ليكونوا أشرارًا، والدراسات كشفت أنه حتى الأعمال التافهة، كشراء منتجات التجميل الصديقة للبيئة، يمكن أن تمنح مستهلكيها رخصة أخلاقية للسلوكيات السيئة، لكن بالنسبة إلى قطاع الأعمال الإنسانية، فالعاملون به لا يحتاجون إلى بذل مجهود كي يجدوا رخصة أخلاقية لأفعالهم البغيضة.