فكر فيها

تاريخ مخزٍ: لماذا حاكمت أوروبا الحيوانات وأعدمتها؟

الصورة: MW Books

في سبتمبر عام 1379، هاجت مجموعة من الخنازير رجلًا داخل أحد الأديرة الفرنسية فقتلته. وكما كان الحال في ذلك الوقت، خضعت الخنازير التي هاجمت الرجل، إضافةً إلى تلك التي شهدت الواقعة دون المشاركة فيها، للمحاكمة ونالت جميعًا حكم الإعدام. رأت المحكمة أن صياح الخنازير التي تشاهد وحركاتها العنيفة كانت إعلانًا لموافقتها على الهجوم، فلم يكن ممكنًا أن تفلت هي الأخرى من العقاب.

لم يكن في وسع رئيس الدير تصور تلك الخسارة الاقتصادية الفادحة، فكتب إلى دوق مقاطعة بورغندي يتوسل إليه أن يعفو عن الخنازير التي شاهدت الجريمة دون أن تشترك في الهجوم، والمدهش أنه لم يطلب العفو عن الخنازير التي أردت الرجل قتيلًا، وكأن خضوع الخنازير للمحاكمة أمر مسلَّم به ولا جدال فيه. وبالفعل، عفا الدوق عن الخنازير وأمر بإطلاق سراحها.

رغم أن السجلات التاريخية لا تُظهر كيفية تنفيذ حكم إعدام الخنازير الثلاثة، فإن المعهود في ذلك الوقت كان شنق الحيوانات أو إحراقها حية.

قد يصعُب تصور تلك البربرية غير المنطقية، لكن هذا ما كان عليه الوضع في الفترة بين عام 824 من الميلاد ومنتصف القرن الثامن عشر، فكان يُنتظر من الحيوانات أن تمتثل لنفس الأخلاقيات التي تحكم تعاملات البشر، بل إنها كانت تخضع لذات العقوبات وتُلقى في نفس السجون.

لأوروبا تاريخ مخزٍ في التعامل مع الحيوانات، لكنه لحسن حظ الأوروبيين سقط في بئر النسيان. ويستعرض مقال منشور على موقع «wired» بعض الوقائع التي نالت فيها الحيوانات والحشرات عقوبات يعجب لها العقل والمنطق السوي، استنادًا إلى ما ذكرة «إي . بي إيفانز» في كتابه «The Criminal Prosecution and Capital Punishment of Animals»، الصادر عام 1906.

الخنازير الأسوأ حظًا

الصورة: Matthias Zomer

لم تسلم الثيران والأحصنة والكلاب، وحتى الدلافين، من المحاكمة والإعدام في أوروبا قديمًا.

يقول إيفانز في كتابه إن تعدد محاكمات الخنازير وحالات الإعدام يرجع إلى أعدادها الكبيرة وحرية التنقل والحركة التي تمتعت بها، ويرصد حادثة تلو الأخرى كانت الخنازير تأكل فيها أُذُن هذا أو تعض أنف ذاك أو تقتل أطفالًا.

في إحدى المرات، قتل خنزير طفلًا «في يوم جمعة»، ما جعل جريمته أكثر بشاعةً في نظر المجتمع آنذاك. وحُكم على خنزير آخر في فرنسا عام 1394 بالإعدام، بعد أن «بَلَغ من انتهاك الحرمات مبلغًا» جعله يأكل قطعة من الخبز المقدس.

يوضح كاتب المقال أن القوانين البشرية طالت كل أنواع الحيوانات تقريبًا، ويعدد إيفانز نحو مئتي حالة إعدام لحيوانات مختلفة.

ليست تلك الحالات سوى نماذج تمثل الوضع في تلك الفترة، إذ لم يسمح تاريخ أوروبا المضطرب بوصول كامل المعلومات إلينا. لكن على كل حال، لم تسلم الثيران والأحصنة وثعابين الماء والكلاب والخراف، بل والدلافين، من الإعدام.

أحكام متفاوتة القسوة تشترك في لا منطقيتها

الصورة: Denali National Park and Preserve

تفاوتت العقوبات الموقعة على الحيوانات، فلم يكن الإعدام الخيار الوحيد. وكثيرًا ما تلقت الفئران خطابات نصح تحثها على مغادرة المنزل مثلًا، وفق إيفانز. وفي إحدى الحالات، حصلت خنزيرة وحمارة على حكم بالإعدام، خُفف إلى الضرب على الرأس.

في إحدى القضايا، حصلت حمارة على البراءة بعد أن تبين أنها فاضلة وحسنة السلوك وكانت «ضحية للعنف».

اتسمت أحكام الإعدام بالوحشية، ولم تسلم حتى الحيوانات البريئة من الظلم، فعندما جلب أحد الكيميائيين السويسريين حيوان الموظ (حيوان ضخم ينتمي إلى أمريكا الشمالية) إلى البلدة في أواخر القرن السادس عشر، اعتبره السكان شيطانًا خطيرًا، حتى نجحت امرأة عجوز «تقية» في تخليص البلدة من شروره، بإطعامه تفاحة غرزت فيها إبرًا مكسورة.

وفي الحالات التي كان البشر يمارسون فيها الزنى بالحيوانات، كانت الحيوانات تعاقب بالإعدام تمامًا مثل الشخص الذي انخرط معها في تلك الممارسة.

ذات مرة، حُكم على رجل وبغل بالإعدام حرقًا بعد اتهامهما بالزنى، فقطع منفذ الحكم أرجل البغل بعد أن شعر أنه سيرفسه، ثم مضى لينفذ حكم الإعدام بإشعال النيران فيه.

من ناحية أخرى، أظهر الأوروبيون تعاطفًا أكبر تجاه الحيوانات التي اعتمدوا عليها في المعيشة والعمل. ففي إحدى القضايا عام 1750، حصلت حمارة على البراءة بعد أن تبين أنها كانت «ضحية للعنف»، وشهد رئيس أحد الأديرة بأنها لطالما أظهرت أنها حمارة فاضلة وحسنة السلوك.

أما محاكمات الحشرات، مثل الجراد والسوس، فبلغت مبلغًا لا مثيل له من الحماقة والسخافة في تاريخ أوروبا. ففي القرن السادس عشر، كان «بارتولوميو شاسنيه» المحامي العام الأشهر الذي يدافع عن الحشرات، وأظهر استبساله في نُصرة الكائنات المختلفة لأول مرة عندما دافع عن مجموعة من الفئران «أجرمت أيَّما إجرام حين أكلت محصول الشعير» في أحد الأقاليم الفرنسية.

وفي مرافعة بارعة، قال شاسنيه إنه من المستحيل أن يجلب الفئران التي يدافع عنها إلى المحكمة، وطلب التماس العذر لها بالنظر إلى «طول الرحلة وصعوبتها والمخاطر الشديدة التي تحفها، بسبب اليقظة الدؤوبة لأعدائها الفتاكين من القطط، التي تراقب تحركات الفئران وتتربص بها في كل الأركان والطرق، مبيتةً نوايا شريرة».

قد يهمك أيضًا: كيف تنقذ الفئران والكلاب مرضى السل والسرطان؟

الحرمان الكنسي يشمل البشر.. والكائنات الأخرى

الصورة: Adam Jones, Ph.D

محاكمات الحيوانات كانت من تخصص المحاكم الكنسية، بحسب المقال، وكانت سلطة المحاكم تتمثل أساسًا في تقرير «الحرمان الكنسي»، وهو قرار يحرم الناس من عديد من الميزات الروحية التي تمنحها الكنيسة، وكانت العقوبة  نفسها توقَّع على الكائنات الأخرى من غير البشر.

آمن شاسنيه نفسه بالآثار التي تسببها تلك اللعنة القوية، فذكر أن أحد القساوسة «حَرَم بستانًا» لأن فاكهته كانت تغوي الأطفال للابتعاد عن القداس، فصار البستان قاحلًا حتى أمرت دوقة بورغندي برفع اللعن عنه.

توصل السكان، خلال محاكمة السوس الذي تفشى في أرضهم الزراعية، إلى حل وسط، بتخصيص قطعة من الأرض للسوس يحتشد فيها كيف يشاء.

كان الحرمان الكنسي عقوبة شديدة توقَّع على أكثر الحشرات والقوارض فتكًا. ففي القرن السادس عشر، عانت فرنسا، وتحديدًا بلدة سان جوليان، من السوس. قدم مزارعو العنب في عام 1545 أول شكوى ضد السوس، نتج عنها بيانًا يطالب العامة بالصلاة لتكفير الذنوب من أجل التخلص من السوس، وذهب السوس فعلًا.

قرار الحكم على السوس «أكلته الفئران»

الصورة: dimitrisvetsikas1969

عاد السوس مجددًا إلى البلدة بعد 30 عامًا، وبدأت محاكمته في 1587.

دافع المحامي الذي تولى القضية عن السوس بأن الله هو الذي خلق تلك الحشرات، ولم يكن ليخلقها دون أن يوفر له أسبابًا للبقاء على قيد الحياة، ولسوء الحظ، فإن غذاءه هو محصول البلاد. لكن الادعاء أكد سلطان البلدة على السوس، وأن الأصل أن الحيوانات تابعة للإنسان حتى إن خُلقت قبله، وتلك التبعية هي سبب خلقها قبل الإنسان، وفق ما ذكره إيفانز في كتابه.

بعيدًا عن ساحة المحكمة، توصل سكان بلدة سانت جوليان إلى حل وسط، بتخصيص قطعة أرض للسوس يحتشد فيها كيف يشاء. لكن المواطنين احتفظوا بالحق في المرور على تلك الأرض دون الإضرار بغذاء السوس، وسُمح لهم كذلك بالاستفادة من المياه الموجودة فيها.

رغم ذلك، رفض محامي السوس العرض الذي قدمه سكان البلدة، لأن الأرض كانت جرداء ليس فيها طعام كافٍ، لكن الادعاء اعتبر البقعة التي وقع عليها الاختيار مناسبة.

بعد ثمانية أشهر من بدء المحاكمة أصدر القاضي الحكم، إلا أن تفاصيله لم تصل إلينا لأن «الفئران أو الحشرات» أكلت تلك الأوراق، حسب إيفانز، الذي يوضح ساخرًا أن السوس الخاضع للمحاكمة «لم يرضَ عن الحكم، فأرسل وفدًا حادَّ الأسنان إلى الأرشيف لمحو حكم المحكمة وإلغائه».

يمكن استنتاج الحكم استنادًا إلى أحكام مشابهة، فعلى الأرجح كانت المحكمة ستأمر السوس بمغادرة البلدة بحلول تاريخ وموعد محددين، بعد توقيع عقوبة الحرمان الكنسي عليه.

مفارقتان تضربان محاكمات الحيوانات في مقتل

الصورة: pohjakroon

رغم أن الافتراض بأن الحيوانات قادرة على فهم قوانين البشر خطأ كبير، فإن نشطاء هذا العصر يكافحون من أجل إعطاء الشامبانزي نفس الحقوق القانونية التي يتمتع بها البشر.

يشير المقال إلى مفارقتين تضربان محاكمات الحيوانات في مقتل، واحدة لاهوتية والأخرى منطقية: 

  1. المفارقة اللاهوتية: إذا كانت ذنوب الفلاحين هي التي جلبت الآفات، فإن الله جعلها جزءًا من خطته للحياة على الأرض. وإذا كنا نحن البشر أصحاب سلطان على تلك المخلوقات، لنا الحق في التعامل معها كيفما نريد، فإن هذا النفوذ يشمل محاكمتها في حال تعديها علينا. لكن، أليس الله من يتحكم فيها؟ وإلا فكيف للصلوات أن تخلصنا منها؟
  2. المفارقة المنطقية: إخضاع حتى أحقر وأصغر الحشرات لنظام العدالة الذي يحكم تصرفات البشر يضفي صفة «البشرية» على تلك الكائنات،  في الوقت الذي يشكل فيه توقيع عقوبات عليها بسبب «جرائمها المفترضة» نزولًا من البشر إلى مستوى من الوحشية تتصف به الوحوش.

بهذا المنطق، لا تعتبر الحيوانات كائنات معدومة الإرادة الحرة وجُبلت على الأكل والنوم والتزواج كما زعم كثير من الفلاسفة على مر التاريخ، فإخضاعها للمحاكمة يفترض قدرتها ليس فقط على اتخاذ قراراتها، بل على الضلوع كذلك في تصرفات معقدة، مثل تصور أن الخنازير حرضت بعضها بعضًا على القتل، مثلما حدث في واقعة الكنيسة.

مع ذلك، أدرك الأوروبيون في العصور الوسطى أن الحيوانات ستشعر بالألم الذي يصاحب تنفيذ عمليات الإعدام، قبل ظهور الحركات الحديثة التي تسعى إلى اعتبار الحيوانات كائنات تشعر بالألم ولديها عاطفة مثل البشر.

ورغم أن الافتراض بأن الحيوانات قادرة على فهم قوانين وأخلاقيات البشر خطأ كبير، فإن نشطاء العصر الحالي يكافحون من أجل «تشخيص الشامبانزي»، مما يعني إعطاء تلك الحيوانات نفس الحقوق القانونية التي يتمتع بها البشر، فهل نحن على وشك أن نرتكب نفس الخطأ الذي وقع فيه الأوروبيون في القرون الوسطى، جهلًا بعواقب مطالبنا؟