فكر فيها

دليلك للتعامل مع الفوضى: لا يمكن التعامل مع الفوضى

الصورة: Getty\Klaus Vedfelt 

كم مرة فكرت في المستقبل وأثقلك التخطيط لهمومه؟ كم مرة جهَّزت خططًا للتعامل مع أمر ما، ثم انتهى كل شيء بشكل سيئ، أو حدث أمر سار بشكل غير متوقع؟

يحاول الفيلسوف البريطاني «نايغل واربرتون»، في مقاله المنشور على موقع «New Philosopher»، الإجابة عن سؤال: ما الذي نستفيده من الماضي؟ وكيف نرى المستقبل؟ وهل هنالك طريقة، من الناحية الفلسفية المحضة، تساعدنا على فهم علاقتنا بالزمن وكيف نرى أنفسنا فيه؟

المستقبل الذي لا يستوعبه أحد

الصورة: hansbenn

لو لم تعش الوقت الحالي، الآن، لن يمكنك الحصول على دوافع لتمضي قدمًا، ستنقصك الاتجاهات، وستنتقل من عثرة إلى أخرى.

كثيرًا ما حاول الفيلسوف «سورين كيركغارد» في كتاباته أن يستكشف الطرق التي نفهم بها الحياة، ورأى أننا نفهم الحياة ونستوعبها بالعكس، أي إننا نعيش ما نمر به، وما يأتي به مستقبلنا، لكننا نعي ما حدث عن طريق النظر إلى الوراء.

ربما يتفق هذا المنطق في التفكير مع فكرة «بومة منيرفا» التي تحدث عنها الفيلسوف الألماني «هيغل»، وقال إنها لا تطير إلا في الغسق بعد أن يسدل ليل التاريخ ستاره، بعد أن ينتهي كل شيء تحلق البومة رمزًا للحكمة.

كيركغارد كان مهتمًّا بالتجربة الفردية في التاريخ، وفكرته أن الفرد يعيش في المستقبل ويفهم من الماضي، وهذا لا يسهل أي شيء، لأننا نتحرك باستمرار، لذا لا نصل إلى نقطة راحة يمكننا النظر منها إلى ما مضى لتقييمه.

المستقبل إذًا هو التخطيط والاستغراق في أحلام اليقظة، نقضي أيامًا طويلة من حياتنا في التفكير فيها، رغم نصائح المربيين الذهنيين بالعيش في الحاضر فقط. كلمة «في الساعة التالية» ستثير أفكارك عن المستقبل القريب. لو لم تعش الوقت الحالي، الآن، لن يمكنك الحصول على دوافع لتمضي قدمًا، ستنقصك الاتجاهات، ستنتقل من عثرة إلى أخرى.

ربما ننسى شمسياتنا في يوم ماطر، أو نُفوِّت مواعيد مهمة، أو لا نملك أي طعام في الثلاجة حين نعود إلى المنزل. يعيش بعضنا بهذا الشكل، لكن هذا أمر صعب. ومع ذلك، فالمفارقة أن التخطيط هو كل ما نحتاج إلى فعله، ونحن لا نملك في الحقيقة فكرة كبيرة عما ستؤول إليه الأمور.

حتى نبؤاتنا القاسية التي تعتمد على أدلة جيدة، يمكن أن تكون غير دقيقة بشكل واسع.

اقرأ أيضًا: استشراف المستقبل: ما يميز الإنسان حقًّا عن غيره من الكائنات

الدقة لا تعني الصواب

نظام جَذب طوَّره الباحثون للمساعدة في التنبؤ بما سيحدث في النظام الفوضوي

نستخدم كلمة «صدفة» حين نجهل الأسباب التي أدت إلى حدوث شيء ما. إرجاع الأمور إلى الصدفة طريقة البشر التي يقولون بها إنهم غير متأكدين مما يحدث.

في آخر كتبه، «ما لا يمكننا معرفته»، يوضح عالم الرياضيات «ماركوس دو ستوي» مدى تعقيد التنبؤ بشيء بسيط مثل مسار سقوط مكعب أُلقي من ارتفاع. يصعب التكهن بالطريقة التي سيرتد بها المكعب أو يدور، حتى لو كنت عالمًا بقوانين الفيزياء. ينطبق نفس الشيء على البندول المزدوج، فاختلاف بسيط في زاوية الإلقاء يُحدث فارقًا عظيمًا في النتائج.

«الشواش»، أو الفوضى، نظرية رياضية طُوِّرَت لوصف موقف مماثل.

نحن محاطون بنظام يمكن التنبؤ به نظريًّا، لو كنا نعرف قدرًا كبيرًا من المعلومات عنه في ظروف البداية، لكن عمليًّا يصبح التنبؤ الدقيق بالمستقبل أمرًا مستحيلًا، لأن أي تغييرات بسيطة في الحاضر لها نتائج مختلفة بدرجة كبيرة. يُعرف هذا أحيانا بـ«تأثير الفراشة»، مصطلح ظهر إلى الوجود بعد أن تساءل «إدوارد لورينزو» عما إذا كانت حركة جناح فراشة في البرازيل يمكن أن تتسبب، بما يترتب عليها من أشياء، في إعصار في تكساس.

لِمَ يُعتقد بالضرورة أن هذا سيحدث؟

سؤال لورينزو كان دعوة للنظر إلى تعقيد أسباب تغيرات الجو، هل يمكن أن تكون الظروف الجوية المعقدة في أمريكا سببها شيء ضئيل وبسيط كرفرفة جناح فراشة على بعد آلاف الأميال؟

كان سبب السؤال أن الطقس شيء يصعب التنبؤ به اعتمادًا على المعطيات المقربة مهما بدت دقيقة.

في القرن الثامن عشر، أشار الفيلسوف «ديفيد هيوم» إلى أننا نستخدم كلمة «صدفة» حين نجهل الأسباب التي أدت إلى حدوث شيء ما. إرجاع الأمور إلى الصدفة طريقة البشر التي يقولون بها إنهم غير متأكدين مما يحدث. لكن حتى مع النظام المعقد كالذي يسبب أمرًا مثل الإعاصير، فإن المعرفة التقريبية لظروف البدء قد لا تكون كافية لعمل توقعات تقريبية عن الناتج. وضع لورنزو هذا في تعريفه عن نظرية الفوضى:

«في حياتي حدثت أشياء كثيرة كان يصعب التنبؤ بحدوثها، أمور تحولت إلى شكل مختلف تمامًا. في العام الذي وُلِدت فيه كان يمكن أن تتصاعد أزمة صواريخ كوبا وتصبح حربًا نووية. حين كنت في المدرسة في السبعينيات، كُتَّاب الخيال العلمي المملوؤون بالأوهام فقط هم من تصور إمكانية أن يتواصل العالم ويرتبط ببعضه هكذا عن طريق الإنترنت. كانت فكرة أن يحمل عدد من الناس أجهزة كمبيوتر صغيرة في حقائبهم الخلفية، أو أن تكون هناك سيارات دون سائقين على الطرق، أمرًا بعيد المنال».

اليوم يتنبأ الناس بأن الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر ستحتل قريبًا معظم الوظائف. وبعضهم قلق من أن يتولى الذكاء الاصطناعي كل شيء. لكن من يعرف حقًّا ما الذي سيحدث؟ حتى الأذكياء يرتكبون أخطاء جسيمة في تنبؤاتهم. الفيلسوف النمساوي «لودفيغ فيتغنستاين»، الذي تدرب كمهندس طيران، كان ذكيًّا بدرجة كافية، لكنه زعم أن أحدًا لن يستطيع الوصول إلى القمر، قبل عقود قليلة من حدوث ذلك بالفعل.

الحل ليس تجاهل التفكير في المستقبل. نحتاج إلى التنبؤ، نحتاج إلى التفكير في ما قد يحدث، ما الذي سيحدث لو ساءت كل الأمور. يتكهن خبراء الأرصاد الجوية بالطقس وهم واعون بأنه من حين إلى آخر قد لا تصيب توقعاتهم نهائيًّا للأسباب التي أشار إليها لورينزو. وتمامًا كخبراء الأرصاد، علينا أن نعرف كيف تلعب نظرية الفوضى دورًا في حياتنا. يجب أن نراجع توقعاتنا في ضوء الأدلة الجديدة في بيئتنا سريعة التغير، وأن نكون حساسين تجاه التغيرات التي تحدث في حاضرنا، لأنها قد يكون لها أثر على المدى الطويل.

«ما أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟». هذا هو السؤال الذي تسمعه من المعالج النفسي السلوكي كطريقة لتقليل الخوف من الفشل، ويستحق أن نسأله حتى لو كنا نعرف احتمالات حدوث أسوأ التصورات. بشكل فردي وجماعي، التخطيط لمخاطر ما قد يفعله بنا أسوأ سيناريو قد يكون ما ينقذنا حقًّا. في أسوأ الأحوال، سيساعدنا على أن نكون جاهزين لسيناريوهات ربما يصعب وجودها أصلًا.

لكن هناك بالطبع خطورة أن يحدث أمر أسوأ مما يمكننا تخليه، واحتمالية أن نكون مملوئين بالخوف من المستقبل، وهي فكرة في ذاتها يمكن أن تؤثر في المُخرَجات وتحدد إمكانيات نجاحنا.

بدلًا من تشجيع هذه الفكرة، يُفضَّل أن نُوازن بين التفكير في أسوأ وأفضل السيناريوهات التي قد تحدث معًا. علينا أن نقضي بعض الوقت في الحلم بمستقبل خيالي لنحصل على فكرة مثالية نسعى لتحقيقها. هناك دائمًا احتمال أن حركة جناح فراشة في مكان ما قد تغير الظروف، وتدفعنا خطوة تجاه المستقبل الذي نحلم به ونسعى إليه.

, , , , ,