بحب اتنين سوا الميَّه والهوا

دواء ووقود: اختراع الطلاب المصريين للاستفادة من الإطارات التالفة

الصورة: pixel2013

الهدوء الذي خيّم على مجموعة المباني تلك في جنوبي العاصمة المصرية القاهرة لم يُفصح عما سيحدث بعد قليل. رحل الجميع، ولم يبقَ سوى ضوء خافت من أحد المباني، ثم انكسر الصمت بصرخات عالية.

كانت صرخات فرحة، ومصدرها 12 طالبًا وطالبة في كلية الهندسة بجامعة حلوان فرع المطرية، ودكتور عائد من رحلة دكتوراه في أمريكا. السعادة على الوجوه لا تقدر بثمن، الجميع ملتفون حول آلة تتناثر إلى جوارها إطارات سيارات تالفة، ومن الجانب الآخر للآلة تخرج القطرات الأولى لزيت الديزل، يعقبها كربون وغاز مشتعل. لقد حققوا ما أرادوا: الآن يعرفون كيف يصنعون الوقود من «الكاوتشوك» عديم القيمة.

هناك ثلاث إمكانيات مختلفة للاستفادة من إطارات كان مصيرها الإعدام في أحد مقالب القمامة، ويقدر إجمالي تالف الإطارات في مصر بـ18 مليون طن سنويًّا دون استفادة، وفقًا لما ذكره المهندس كريم عمارة، المشرف على الاختراع، بعد مراجعته تقارير وزارة البيئة.

إطارات.. إطارات: بداية الرحلة

الصورة: منشور

لم يكن تعبير «مشروع التخرج» عاديًّا بالنسبة إلى الـ12 طالبًا، إذ بدؤوا يتنافسون لينضموا إلى فريق عمل الدكتور كريم عمارة، أصغر أساتذة كلية الهندسة، الذي أكد أن طلابه لن ينفذوا مشروعًا بحثيًّا أو تقليديًّا، بل ستكون هناك معاناة وتعلم في الوقت ذاته، ما خلق نوعًا من المنافسة القوية بين الطلاب الراغبين في تنفيذ مشروع حيوي، وليس بحثيًّا على الورق فقط.

الأصعب من التكلفة المادية؟ لحظة فقدان الأمل في النجاح، لكن الطلاب لم يستسلموا.

تحديد الفكرة والمجازفة بتنفيذها خطوة ليست سهلة، إلا أن عمارة يروي مراحلها الأولية لـ«منشور» قائلًا: «طلبت منا وزارة البيئة المساعدة باختراعات تسهل عملية تدوير المخلفات، فقررت الاستفادة من أطنان الإطارات التالفة التي يكون مصيرها الإعدام، وهي فكرة تنفذها ثلاث دول في العالم فقط، لكنها لا تكشف طبيعة التقنية لأنها معلومات سرية».

بعد أيام من السهر والبحث، قرر عمارة أن يخاطر وينفذ المشروع بمنتجات مصرية 100%، وكذلك بأيدي طلاب كلية الهندسة.

عقبات: نريد تمويلًا

الصورة: منشور

لم تكن الرحلة سهلة، فتكلفة المشروع التي بلغت آلاف الجنيهات دفعها الطلاب والدكتور من مالهم الخاص، بالإضافة إلى مساعدات بسيطة من بعض المؤسسات، لكن الأصعب من التكلفة المادية كانت لحظة الإحباط أو فقدان الأمل في نجاح النموذج المصغر من الآلة في تحويل الإطارات التالفة إلى زيت ديزل يُستخدَم وقودًا حيويًّا، إلا أنهم لم يستسلموا.

استمر العمل على مدار عام مع التزام الطلاب بباقي مواد الدراسة، إلى جانب مجهود التنقل بين الوِرش من أجل صناعة النموذج المصغر، لكن كل المعاناة اختفت يوم تجربة الجهاز، فاختراعهم مصمم لإعادة تدوير ما يقرب من 50 كيلوغرامًا من الإطارات، وهو ما نجحوا في تنفيذه. ويبقى تصميم الماكينة الحقيقية التي تلائم أحجام المصانع وتستطيع تحويل ألف كيلوغرام من الإطارات إلى وقود، ولا يمكنهم ذلك دون توفير ممول يتبنى المشروع.

المخترعون

الصورة: منشور

محمود علي، أحد الطلاب المشاركين في المشروع، يوضح لـ«منشور» أنهم انقسموا إلى ثلاث مجموعات، كل واحدة لها مهمة محددة:

  1. الجانب التقني: المشروع كان مجرد فكرة، ومهمة تلك المجموعة كانت تحديد التصميم من أصغر التفاصيل إلى أكبرها
  2. توفير الخامات: حصلت المجموعة على مساعدات جزئية من بعض الشركات بخامات عينية كإسهام مجاني، إما بتوفير معدات وإما باستغلال ماكينات الشركات بعد ساعات العمل الرسمية لصناعة الآلة
  3. التصنيع: مهمة هذه المجموعة هي الاستفادة من عمل المجموعتين السابقتين لصناعة الآلة بأعلى جودة وأقل تكلفة

النتيجة: لدينا وقود، وغاز، كربون

الصورة: منشور

يُسهِم الاختراع بشكل واسع في مجالات الأدوية والوقود والغاز المشتعل.

نجح النموذج المصغر بالفعل في الاستفادة من 50 كيلوغرامًا من الإطارات التالفة وتحويلها إلى زيت ديزل بنسبة من 40% إلى 45% من إجمالي العينة المُدخَلة، ويستخدم هذا الزيت في الأفران الضخمة وغيرها من الماكينات كوقود، بدلًا من المازوت غالي الثمن ذي الجودة المحدودة، إضافةً إلى أنه يُنتج الغاز بنسبة من 5% إلى 8% من إجمالي الناتج، وهو غاز قابل للاشتعال يُعاد استخدامه في الماكينة نفسها لتوفير الوقود.

الصورة: منشور

يشرح كريم عمارة أن الآلة تُنتج مُركبًا ثالثًا هو مسحوق الكربون، وميزته أنه مادة خام أفضل من الفحم العادي في التعامل الطبي، ويستخدم في مجالات تصنيع الأدوية، فالمادة المسؤولة عن نزع السُّمية في أي دواء أصلها كربون.

بذلك، يُسهِم الاختراع بشكل واسع في مجال صناعة الأدوية والوقود والغاز المشتعل، ويوفر كثيرًا من الأعباء والوقت عن طريق ماكينة واحدة، في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على المحروقات في العالم كله، وتبحث الدول عن أساليب بديلة تضمن لها المستقبل.

يؤكد عمارة أنه «يمكن تغطية التكلفة الإنتاجية للمشروع في أقل من عام، لضخامة الإنتاج الذي يوفره».

الوضع الحالي للمشروع

نموذج الآلة خلال إنتاج الوقود والغاز

«يبقى الوضع كما هو منذ نجاح فكرة المشروع وإثبات نتائجها، إذ ينتظر الطلاب ظهور من يتبنى الفكرة لتنفيذها على هيئة أكبر تناسب احتياجات البلد، ورغم شهرة المشروع بشكل جزئي، لم نحصل على دعم لتحويله من مجرد اختراع إلى مشروع ذي استفادة قومية». هكذا الطالب محمود علي.

أما كريم عمارة فيختم بأسى: «نسعى منذ نجاح الفكرة للتواصل مع الوزارات لكن دون نتيجة. لم يتصل بنا أي مستثمر بعد، ولا تملك الكلية الفائض النقدي اللازم لتحويل المشروع إلى فكرة تسويقية فعلية بآلة كبيرة». وظيفة الطلاب والمشرف هي التوصل إلى الاختراع واختباره وإثبات نجاحه، وهم ليسوا مستثمرين وأصحاب مصانع، فهل ستكون هناك «خطوة تالية»، أم ينتهي المشروع حيث انتهى سواه؟