يهمني الإنسان

هل يحق لنا أن نقتحم عزلة القبائل البدائية؟

الصورة: Gleilson Miranda/Governo do Acre

لنفترض أنك إنسان بدائي.

لا تغضب، جارِنِي. افترض معي أنك فرد في قبيلة بدائية تستوطن ضفة الأمازون، تحترف الصيد وتأكل مما يصيبُ سهمك. رداؤك لا يستر سوى عورتك، ولم ترَ حذاء في حياتك. الترفيه لديك أن ترقص ليلًا مع أقرانك إلى جوار النار، واليوم الذي لا ترى فيه حيوانًا مفترسًا تعتبره يومًا غريبًا.

هل تعتقد أن علينا، نحن «العالم المتحضر»، اقتحام عزلتك، أم تركك تعيش من دون الرفاهية التي ننعم بها؟

يُعتقَد أن هناك أكثر من مئة مجتمع بدائي معزول في العالم، يعيش أغلبها في غابات الأمازون المطيرة، ولم يسبق لهم أن اتصلوا بنا. لكن التاريخ الإنساني يحفل بوقائع تواصُل كارثية بين السكان الأصليين للأمريكتين والمستعمرين الأوروبيين بمجرد وصولهم إلى «العالم الجديد»، وهي الوقائع التي أدت إلى قتل ملايين من السكان الأصليين من أهل القبائل، سواءً بالأمراض أو المجاعات أو الاستعباد، لهذا تغيرت السياسة الرسمية للتعامل معهم، وقرر «المتحضرون» أن يتركوا «البدائيين» يعيشون في سلام.

لكنَّ عالِمين أمريكيين متخصصين في الأنثروبولوجيا (علم أصل الإنسان) يعتقدان أنه يجب أن نتصل بهذه القبائل بدلًا من تركهم في عزلتهم، وهو الرأي الذي أدى إلى انقسام في الأوساط العلمية المتخصصة.

يرى «كيم هيل» و«روبرت ووكر» أنه حان الوقت لتغيير السياسات الرسمية وترتيب اتصالات منظمة مع هذه القبائل التي غالبًا ما ستكون جاهلة بوجود عالم خارجي، ناهيك بطريقة الحياة فيه.

حق القبائل في العزلة

الصورة: Local Yali Tribeman Baliem Valley - Papua

يخشى ووكر وهيل أن لا يتم اللقاء الأول مع هذه القبائل بشكل آمن ومنظم، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. يمكن أن يحدث هذا لو كان اللقاء الأول مع أناس لا يهتمون بحياة السكان الأصليين وكفاحهم من أجل البقاء.

يقول هيل، عالم الأنثروبولوجي في جامعة ولاية أريزونا، إن حماية هذه القبائل ليس إلا «محض خيال»، فأماكن وجودها قريبة للغاية من عمال قطع الأخشاب والمناجم ومهربي المخدرات والمستكشفين والصادين. لذا، فلقاؤهم بالسكان الأصليين حتمي.

الهدف من الاتصال بهؤلاء، في رأي هيل، ليس استغلالهم أو الاستحواذ على أراضيهم لأن تلك الأراضي تُنتهك الآن بالفعل، بل زيادة حمايتهم عن طريق إخضاعهم رسميًّا لحماية الحكومات، ما يضمن لهم حقوقهم في أراضيهم.

أما ووكر، فيعمل أستاذًا مساعدًا في جامعة ميزوري، وقد اشترك مع هيل في كتابة افتتاحية مجلة «Science» الشهيرة في يونيو 2015، التي طالبا فيها الأمم المتحدة وحكومتي البرازيل وبيرو بالتخلي عن سياسة العزلة القديمة التي تعتمدها في التعامل مع القبائل البدائية التي ما زالت على فطرتها، وبدء إجراءات مساعدتهم حقوقيًّا وطبيًّا.

قوبلت دعوة هيل وووكر باستهجان من منظمة حماية السكان الأصليين، التي كافحت طويلًا لحماية حقوق المجتمعات التي لم تتصل بالعالم الحديث في أن تبقى وشأنها.

تصاعدت حدة الاستهجان إلى مرحلة الاتهامات المباشرة، حين أعلن مدير المنظمة أن ووكر وهيل يخدمان مصالح أولئك الذين يرغبون في انتهاك منطقة الأمازون ونهب ثرواتها، تحت غطاء «كل الهراء الذي يدَّعونه بشأن حماية القبائل».

«ستيفن كوري»، مدير المنظمة، لم يقتنع بما قاله العالمان من أن التواصل مع البدائيين سيؤدي إلى زيادة أعدادهم، وهذا في نظره أسوأ الأسباب التي ذكراها لتبرير ضرورة إجبارهم على التواصل مع العالم الخارجي، لأن هذا التبرير يتجاهل في سياقه، وبشكل مؤذٍ، الأعداد الضخمة من الرجال والنساء والأطفال البدائيين الذين لقوا حتفهم حين اتصلنا بهم: «حياة هذه القبائل ومعيشتها محفوظة ما دامت أرضها في أمان، والتفكير في أنه من حقنا أن نكسر عزلتهم شاؤوا أم أبوا، ونقتحم عليهم أراضيهم، أمر في غاية الغرور والخسة».

هناك بالفعل أمثلة عدة تبرهن على أن التواصل مع البدائيين يؤدي إلى حالات من العدوى، مثل «سيدتَيْ آوا» شمال شرقي الأمازون، اللتين أُصيبتا بالسُّل بعد تركهما لفترة طويلة دون علاج عقب الاتصال بأشخاص من خارج القبيلة.
لكن هيل يعتقد أن «الغرور» الذي يتحدث عنه كوري هو افتراض أن السكان الأصليين يعيشون في سعادة وصحة في معزل عن بقية البشر.

هل يريد أبناء القبائل البدائية التي لا تعرف شيئًا عن العالم الخارجي أن تتواصل معه؟ من يقرر؟

الإنسان حيوان اجتماعي بطبعه، والعزلة ليست فطرية لدينا، بل تحدث نتاج الخوف والرهبة. وبحسب هيل، سيكسر فرض الحماية الحكومية على القبائل هذا الخوف، وحينها ستُظهِر هذه المجموعات رغبتها في التواصل مع العالم الخارجي.

يعتقد الرجل أن كثيرًا من وجهات النظر المخالفة لنا تأتي من خلفية ترى السكان الأصليين البدائيين المعزولين عن العالم «أيقونات ثقافية»، وترجح إبراز التنوع الثقافي، وكأننا نعيش في ما يشبه حديقة حيوان آدمية، وهذا التفكير «يحول دون منح هؤلاء الناس ما يستحقونه من رعاية».

قد يهمك أيضًا: الوطن في محمية: حكاية الأصليين في أمريكا

من يقرر؟

واحدة من أوائل لحظات الاتصال عن بُعد بقبائل الأمازون

تتعدد الآراء حول هذا، لكن الحسم صعب، فهل يريد أبناء هذه القبائل التي لا تعرف شيئًا عن العالم الخارجي أن تتواصل معه؟ كيف تعيش هذه القبائل أصلًا؟ هل أهلها سعداء؟ من يقرر إذا كان يجب التواصل معهم؟ هل نحن من نقرر، أم نترك هذا لهم؟ ولو كانوا سعداء، فلماذا نُخرجهم من سعادتهم إلى عالم أكثر مادية؟ وإن كانوا يريدون التواصل مع غيرهم، أَلَا يُفترض أنهم قد حاولوا البحث عنا؟ ربما كانت العزلة قرارهم وليست جهلًا منهم بوجود «آخرين».