الملعب

«رحنا هناك ومرّينا»: كأس الخليج من منظور اجتماعي

يرى بعض الرياضيين أن بطولة كأس الخليج قد أدت الغرض منها، وانتهت بانتهاء المرحلة التأسيسية لكرة القدم في المنطقة، وأنها مضيعة للوقت على حساب بطولات وتصفيات رسمية ومعترف بها من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). وينظر آخرون إليها على أنها بطولة أمراء وشيوخ لا بطولة كرة قدم، كما صرح مدرب منتخب قطر السابق «فيليب تروسييه». حتى أن أحد أصدقائي وصفها ببطولة اﻷمهات، بسبب اهتمام الجمهور غير الكروي من وجهة نظره بالبطولة دون سواها، ومنهم اﻷمهات.

ورغم منطقية بعض الاعتراضات بشأن استمرارية البطولة، فإنهم لن ينكروا الدور الكبير لبطولة كأس الخليج في رفع مستوى تنافسية المنتخبات المشاركة، وتطوير المنشآت الرياضية، وتهيئة الفرق لخوض منافسات قارية وعالمية ككأس آسيا ونهائيات كأس العالم، وهو بالمجمل تأثير على المستوى الرياضي. إلا إننا لم نتساءل عن التأثير المجتمعي لتلك البطولة، التي بدأت حتى قبل تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي. 

ما سيأتي في المقال هو انطباعات شخصية، لا تقوم على دراسات أو توثيق، إذ لم أجد أي مرجع قد تناول هذا  الجانب من البطولة.

السفر

كان السفر بين مواطني دول الخليج يقتصر غالبًا على الزيارات اﻷسرية والعمل التجاري، وزيارات الوفود الرسمية. وجاءت بطولة كأس الخليج لتؤسس نوعًا جديدًا من السفر: السفر لحضور المناسبات الرياضية. خلق هذا نوعًا جديدًا من السياحة لم تعهده هذه المجتمعات، السياحة الرياضية وتعرف الشعوب الخليجية إلى بعضها، خصوصًا ممن لا يعرفون عائلات ممتدة لهم في الدول الخليجية الأخرى غير بلدهم. 

يعتبر تعدد وسائل السفر واختلافها من بطولة ﻷخرى أشبه بتوثيق لتطور وسائل السفر والنقل. ففي بطولة كأس الخليج اﻷولى في البحرين 1970، سافر بعض المشجعين عبر القوارب والسفن من ميناء الخبر. بينما في بطولة خليجي 14 في البحرين عام 1998، صار المشجعون يسافرون عبر جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين، هذا عدا التنقل بالطائرة.

مشاحنات مختلفة

لم تكن المشاحنات والاستفزازات بين أبناء المنطقة غريبة، إذ كانت قبل تأسيس اﻷنظمة السياسية الحالية تقوم على القبلية والمذهبية، واستغلت هذه المخاصمات في عقد التحالفات وشن الغزوات وتشكيل الحدود. ثم جاءت بطولة الخليج لتشكل خصومة جديدة ومغايرة عما سبقها من مخاصمات، مشاحنات قد تنشب بين شخصين من قبيلة واحدة، وكل منهما يشجع منتخب بلده الوطني.

ظهر العراق لأول مرة في النسخة الرابعة من البطولة عام 1976، وكانت الجماهير الخليجية تمني نفسها بأن يتمكن من هزيمة الكويت وكسر احتكارها للبطولة.

لا زلت أذكر حكاية عمتي، التي دخلت محلًا للأقمشة في مكة خلال أدائها العمرة. وحين سألها البائع كم مترًا تريد، أجابته بعفوية: أربعة أمتار. وما إن ألقت إجابتها حتى طردها البائع وأخبرها بأنه ليس لديه أقمشة للبيع. 

عادت عمتي تشكو لوالدي تصرف البائع علَّه يساندها ضد تصرفه، فلم تجد منه سوى الضحك. السبب بسيط، إذ صادف أن تكون زيارة العمرة بعد النهائي الشهير بين الكويت والسعودية في خليجي 1974، الذي انتهى بأربعة أهداف مقابل لا شيء، وسجل فتحي كميل ثلاثة أهداف واحتفل بأحدها بتحريك يده بطريقة عدَّها السعوديون استفزازًا واضحًا. وهي حكاية واحدة من حكايات ذكرها لاعبون سعوديون وجماهير حضروا المباراة المذكورة، وسردوها في برنامج وثائقي لصالح قناة السعودية الرياضية.

يحدث أيضًا أن تكون البطولة شرارة لمنافسة وخصومة تصل لمباريات البطولات الأخرى، كمباريات الكويت والعراق. 

ظهر العراق لأول مرة في النسخة الرابعة من البطولة عام 1976، وكانت الجماهير الخليجية تمني نفسها بأن يتمكن من هزيمة الكويت وكسر احتكارها للبطولة، بينما جاء العراقيون للبطولة وفي تصورهم أن الكويت كسائر المنتخبات الخليجية يمكن هزيمتها بسهولة، فجرى العكس، وفاز المنتخب الكويتي، واتخذ الاتحاد الكويتي قرارًا بالانسحاب من البطولة لأنها «خرجت عن أهدافها»، ثم تراجع عن موقفه بعد مناشدات الاتحادات الخليجية. 

استمرت حكايات الاستفزاز بين الجماهير واللاعبين في بطولات كأس آسيا والتصفيات الأولمبية وغيرها من البطولات، وكانت إما على شكل مشاجرات، أو استفزاز طريف كالذي ذكره بسام رؤوف لاعب منتخب العراق في خليجي 10 عام 1990، حين استفزه وزملاؤه تكرار بث إدارة الفندق الذي قطنوا فيه أغنية «صابك غرور» لعبد الله الرويشد، في كل مرة يجتمعون فيها بردهة الفندق.

الهتاف والغناء

لا كرة قدم دون تشجيع، ولا تشجيع دون هتاف وأغنيات. كان أبناء المنطقة ينشدون أشعارهم ويشهرون سيوفهم ﻷداء العرضة لشحذ الهمم قبل المعارك والغزوات، وأصبحوا بعد ذلك ينشدون ويهتفون في مباريات كأس الخليج. 

اختلفت نوايا وأهداف الهتافات، منها ما كان استفزازًا للخصم وتأكيدًا للتفوق عليه، مثل الهتاف الشهير «حيوا السعودي بأربعة» في نهائي 1974، الذي ظل في ذاكرة السعوديين حتى أعادوا الدين في تصفيات لوس أنجلوس اﻷولمبية وهتفوا «حيوا الكويتي بأربعة».  ومنها ما كان تقديرًا لتفوق الخصم واستحقاقه، كهتاف «حيوا العراقي حيوه»، الذي أنشدته الجماهير السعودية في استاد الملك فهد، وهم يشهدون هزيمة فريقهم بهدفين نظيفين بعد أداء فائق للمنتخب العراقي.

أسست البطولة لنوع جديد من اﻷغنية، اﻷغنية التي تحتفي بالفريق الكروي، وترتبط أغانٍ ببطولة بعينها وظروفها، مثل «رحنا هناك ومرينا»، التي غناها عبد الكريم عبد القادر بعد بطولة خليجي 8 في البحرين، ويقول مطلعها:

«رحنا هناك ومرينا

يبنا الكاس وردينا»

تحمل كلمات الأغنية حكاية المنتخب الكويتي مع هذه الدورة بفخر، إذ تأكدت مشاركته قبل عشرة أيام فقط من البطولة، إثر إيقاف الفيفا ﻷنشطة الاتحاد الكويتي بسبب التدخلات الحكومية. ولم يتسن للمنتخب اﻹعداد للبطولة مطولًا على غرار المنتخبات اﻷخرى، بل تجمع اللاعبون للتمرن في وقت قياسي، واكتفى الفريق بمباراة تجريبية واحدة. وهذه ظروف جعلت النقاد والمتابعين يستبعدون منتخب الكويت من المنافسة على اللقب، لكن ما حدث لاحقًا كان فوز الكويت بالبطولة وعن جدارة، في وقت انتظر كثيرون أن تكون مشاركتها مجرد «مرور عابر».

الطعام

اﻷطعمة والمأكولات متشابهة في المنطقة، لكن المشجعين واللاعبين يرون أنها ستكون مختلفة في موطنها اﻷصلي. 

في خليجي 20، زار اللاعبون واﻹعلاميون والمشجعون اليمن، وتحديدًا عدن، مكان إقامة البطولة. جاؤوا من دول فيها الكثير من المطاعم اليمنية، ويعرفون اﻷكلات اليمنية كالمندي والمظبي والحنيذ، لكنهم فُتنوا بالمطبخ العدني أكثر عندما جربوه في مكانه اﻷصلي، وكُتب عديد من التقارير الصحفية عن تزايد الطلب على هذه المأكولات، وانتعاش المطاعم وتوظيفها مئات من العمال لتلبية الطلبات، التي هُرِّب بعضها إلى اللاعبين سرًا، مخالفين بذلك تعليمات مشددة بمراقبة أوزانهم، وعاد كثيرون إلى بلدانهم حاملين معهم جرَّات العسل اليمني.

تختلف الهدايا من بلد منظم إلى خر، فقد تعود من الكويت ومعك الرهش والدرابيل، ومن البحرين والعمان بالحلوى والكثير.

الحضور النسائي

لم تخلُ مدرجات ملاعب كأس الخليج من الحضور النسائي، ويمكننا القول بأن مباريات البطولة منذ بدايتها حتى الآن قادرة على توثيق التغييرات التي حدثت للنساء في المجتمع الخليجي، منذ أن كانت نساء الكويت يحضرن بالعباءة وقد لا تكون بحجاب تحتها أو بالبراقع التقليدية، ومنذ أن كانت طالبات البحرين في الكويت يحضرن للملاعب، وتجد العمانيات والإماراتيات بلبسهن التقليدي يحضرن لدعم منتخباتهن، حتى وصلت النساء اليوم إلى الحضور إلى الملعب بقمصان اللاعبين وتشجيع المباراة بحماس.

توثق البطولة كذلك التغير الذي حصل في المجتمع السعودي، منذ منع النساء من حضور الملعب إلى الانفتاح على ذلك، وهو ما سنراه حين تستضيف المملكة البطولة.

‏ذكرنا في البداية منطقية المطالبات بإلغاء بطولة كأس الخليج، وفي رأيي أن ذلك لن يحدث لأسباب عدة، منها الاجتماعية، إذ يمكن للأفراد ذوي الحظوة رفع أسهمهم شعبيًا بالدخول إلى غرف ملابس اللاعبين، وتحفيزهم ووعدهم بالمكافآت أمام الكاميرات دون اعتراض من اللجنة المنظمة، في منظر لا يحدث في بطولات ينظمها فيفا أو الاتحادات القارية. وفي الوقت نفسه، يستر كثير من الاتحادات الكروية الخليجية تقصيرها الإداري بالفوز بكأس الخليج، وهو في متناول اليد مقارنة بالبطولات الأخرى. لتبقى رغم ذلك كأس الخليج أول ميادين المنافسة الشعبية في المنطقة، وساحة الاستفزاز والتحدي قبل وسائل التواصل الاجتماعي.