كيف تشكِّلنا الحرب؟

كيف أقنع الإعلام الأمريكي شعبه بأن النووي أنقذ اليابانيين؟

أمريكيون يبتاعون الجرائد بعد إعلان الرئيس الأمريكي «هاري ترومان» عن نيته لاستخدام القنابل النووية في الحرب ضد اليابان - الصورة: Getty/Bettmann - التصميم: منشور

عام 1888، في إحدى القرى الصغيرة في ليتوانيا التي كانت تابعة للإمبراطورية الروسية، وتحديدًا في حي اليهود، ولد «ويليام لورنسن». تلقى لورنسن تعليمه في المدارس اليهودية، حيث كانت الحكومة لا تسمح لليهود بالتعليم خارجها. ولم تكن حياته تسير ببطء فحسب، بل إنه لم يتلق تعليمًا على طراز القرن العشرين، مثل أقرانه، بل كأنه يتعلم في القرن الخامس عشر. لم تكن حياته صاخبة أو مثيرة، فهو فرد في مجتمع يرتدي نفس الزي، ويمارسون نفس الأنشطة، ويعيشون أسلوب الحياة نفسها.

لم تجذبه الحياة الهادئة، ولم يرض أن يتحول إلى إحدى نسخ أبناء قريته. بعد الثورة الروسية عام 1905، ساعدته والدته على الهرب خارج روسيا، وكانت وجهته الولايات المتحدة. غيَّر اسمه إلى لورانس، واتجه إلى احتراف صناعة الصحافة العلمية، وكان أحد روادها في بلده الجديد.

بزغ نجمه عاليًا في عالم الصحافة، وذاع صيته. كان من بين قرائه ومتابعيه الشغوفين الجنرال «ليزلي غروفز»، العقل المدبر لأول مشروع نووي قتالي في العالم تابع للجيش الأمريكي (مانهاتن)، والذي كان حينها مهمومًا بكيفية الإفصاح عن استخدام القنابل النووية الأمريكي لعامة الشعب.

في إبريل 1945، ذهب الجنرال غروفز شخصيًّا إلى مكتب «نيويورك تايمز» ليعرض على مدير تحرير الصفحة العلمية في الصحيفة، ويليام لورانس الذي كان محترفًا في كتابة الموضوعات العلمية، مهمة الترويج للمشروع. كانت المهمة إذًا مزيجًا من كتابة مقالات صحفية وعلاقات عامة وبيانات دعائية. لم يستهلك لورانس كثيرًا من الوقت ليوافق على العرض المُغري، لكنه اشترط الاطلاع على المشروع بأكمله.

دون كثير من المقدمات، قاد الجنرال الأمريكي الصحفي ويليام لورانس إلى مدينة أوك ريدج التي تقع في ولاية تينيسي بوسط شرق الولايات المتحدة، ليطلعه على أحد أكبر المشروعات الأمريكية سرية، لأن الجيش كان في حاجة ماسة إلى الوسيط المدني الذي يقدم لهم يد العون كحلقة وصل بينه وبين الشعب كي يصوغ البيانات الصحفية، ويكتب القصص الإخبارية، ويبسِّط التعقيدات العلمية. كان الاختيار موفقًا، إذ كان لورانس قد أخذ قسطًا جيدًا من التعليم في جامعتي هارفارد وبوسطن، وفي عام 1937 حصل على جائزة «بوليتزر» للتفوق الصحفي.

أًعطِىَ الصحفي الضوء الأخضر ليجول حول كل مواقع تصنيع القنابل النووية داخل البلاد، مستضيفًا كبار العلماء والمهندسين بهدف تعميق معرفته بالمشروع الذي يعمل الآلاف من أجل إنجاحه، وكان حينها يمهد الطريق إلى قصف اليابان نوويًّا عن طريق نشر المقالات الصحفية التي تُمجِّد عصر العلم الذي تقوده الولايات المتحدة مُداعِبًا مشاعر الجماهير، ومُستخدِمًا كلمات مثل الجهد البطولي والانتصار المجيد والتضحية الواجبة، مشددًا على الجوانب الإيجابية للطاقة الذرية.

لم يحذِّر الجيش سكان المدينة قبل عملية تفجير ترينيتي فتعرض سكان الولايات القريبة لأشعة القنبلة النووية التي انتشرت عن طريق الهواء.

فكان لورانس بمثابة النحات الذي يُشكِّل العقلية الجمعية الأمريكية طبقًا للصورة التي تريدها السلطة، ليشرعن لها استخدام الأسلحة الفتاكة، وتبقى جزءًا لا يتجزأ من الواقع الأمريكي. واتبع خطاه جميع الصحفيين الأمريكيين.

في 15 يوليو 1945، كانت أول عملية تفجير سلاح نووي «ترينيتي» في صحراء مدينة ألاموغوردو التي تقع في ولاية نيومكسيكو بالمنطقة الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة، وكانت الفرصة سانحة ليُطمئِنَ لورانس الشعب الأمريكي.

لم يحذِّر الجيش سكان المدينة، ورأى ذلك جزءًا من خطة الحفاظ على سرية المشروع، وتهيئة الشعب لتقبل الحدث، أي إنه ليس له أضرار تذكر. بعدها مباشرة، كتب لورانس أن السكان الذين يعيشون في المنطقة، شاهدوا ضوءًا هائلًا، وكأنه انفجار لتفريغ ذخيرة قديمة، وليس هناك ما يُقلق. لكن الحقيقة كانت على العكس تمامًا، إذ إن كل سكان الولايات القريبة تعرضوا لأول جرعة من أشعة القنبلة النووية التي انتشرت عن طريق الهواء.

صدَّق الشعب الخدعة، وفي الثاني من أغسطس 1945، كافأ الجيش الإدارة العليا لصحيفة نيويورك تايمز بخبر عن أن عملية القصف النووي على اليابان قد أوشكت، كي يكون بإمكانهم تحضير الصحيفة.

الطريق إلى الانفجار

الصفحة الأولى من جريدة «نيورورك تايمز» بعد القصف النووي الأمريكي لليابان - الصورة: P. S. Burton

في السادس من أغسطس، كان لورانس الصحفي الرسمي لمشروع مانهاتن، وأول مدني على دراية كاملة بعملية «الولد الصغير» لضرب ميناء هيروشيما كأول هدف لقصف نووي أمريكي. وبعدها بثلاثة أيام، كان الجيش الأمريكي على موعد مع تنفيذ عملية «الرجل البدين» لقصف ميناء ناغازاكي، وكان على متن الطائرة الحربية لورانس الذي يعد المدني الأمريكي الوحيد الذي يرى بعينه عملية القصف النووي.

برر البيان الصحفي الصادر من البيت الأبيض الانفجار الذي دمر مدينة هيروشيما، على أنه أخذ ثأر، ولم يذكر الخسائر التي تكبدها الشعب الياباني.

استهل لورانس بيانه الصحفي بأنهم في طريقهم إلى قصف الأراضي اليابانية. بتلك البساطة، أزاح لورانس أي مشاعر إنسانية تجاه مسح مدينة بأكملها من على خريطة العالم. ولم يجد إجابة لتساؤله عن ما إذا كان يشعر بأي شفقة تجاه هؤلاء «الشياطين المساكين» سوى بالنفي.

فقط إذا تذكر الغارة الجوية المُباغتة التي نفذتها البحرية الإمبراطورية اليابانية، في السابع من ديسمبر 1941، على الأسطول الأمريكي في القاعدة البحرية لميناء بيرل هاربر بجزر هاواي، أو مقتل ما يقرب من 650 جندي أمريكي على يد القائد الياباني «هوما» في التاسع من إبريل 1942، في «مسيرة الموت»، في أثناء نقلهم داخل الأراضي الفلبينية من معسكر مانيلا إلى معسكر باتان سيرًا على الأقدام لمسافة لا تقل عن 115 كيلومترًا مربعًا، بسبب كثرة عدد الأسرى، ولا مأوى لهم في مانيلا. بذلك كانت مبررات لورانس لقصف اليابان نوويًّا تدور في إطار أنها هي التي حفرت قبرها بيدها.

كان لسان حال البيان الصحفي الرئاسي الصادر من البيت الأبيض يبرر الانفجار الذي دمر مدينة هيروشيما بأكملها، مخلفًا وراءه مقتل أكثر من 140 ألف ياباني، زيادة على الضرر الحتمي للإشعاعات النووية الذي سيدوم تأثيره طويلًا، على أنه أخذ ثأر، وضرورة من أجل إنهاء الحرب لحماية مليون جندي أمريكي. لكن البيان، بكل تأكيد، لم يذكر تفاصيل الخسائر التي تكبدها الشعب الياباني، بل كان التركيز على الفخر النابع من التقدم النوعي الأمريكي في تكنولوجيا إنتاج القنابل النووية، وأن اختيار المدينة كان يهدف إلى ضرب القاعدة العسكرية هناك، ولم يذكر، بكل تأكيد، أن القنبلة استهدفت وسط المدينة.

ولإيمان الجنرال غروفز بأنه من الضروري احتواء الموقف بإصدار «بيانات صحفية» مكتوبة بعناية فائقة، جهزت وزارة الحرب الأمريكية (وزارة الدفاع حاليًّا)، على الفور، حملة إعلامية قوامها 14 بيانًا صحفيًّا، تجنبًا لأي احتمالية لجدل شعبي أمريكي حول القصف النووي.

بذلك نجح الجنرال غروفز في التحكم بكل المعلومات الخاصة بالاختراع الجديد، والتي تصل إلى مسامع الشعب الأمريكي. معلومات مغلوطة عن ضآلة خطر الإشعاعات الناتجة عن الانفجار النووي، وانعدام الأضرار التي قد تصيب المدنيين، وعدم وجود سيناريوهات أخرى بديلة عن الهجوم على اليابان نوويًّا. بجانب معلومات مخلوطة بمشاعر تفيض بالثأر والانتقام والدفاع عن الوطن وحماية البشرية من أهوال الحرب العالمية الثانية.

لم تقتصر مهمة الإعلام الأمريكي على تخفيف وطأة الأثار السلبية للطاقة النووية، لكنه كان يعزف على الاستخدام الطبي المفيد لها، إذ أشارت المجلة الأمريكية «The Atlantic»، بعد القصف النووي لليابان، إلى أن الطاقة الذرية أنقذت حياة كثيرين في مدينتي هيروشيما وناغازاكي بفضل الاستخدام الطبي المتقدم لها.

على وتيرة منتظمة، كانت المجلة الأمريكية الأشهر «Life» تعرض الصور، وتروج القصص التي تحكي عن روعة الطاقة الذرية في خلق المعجزات لعلاج السرطان. وحتى عندما نشرت صورة لضحايا القصف النووي بعدها بشهرين، كان تعليق مصور المجلة أن الإصابات تبدو وكأنها تشبه تلك التي رآها عندما صوَّر الجنود الأمريكيين وهم يحترقون في بيرل هاربر.

بالتالي زُحزِحت الصورة التي قد تصل إلى الجماهير على أنها أسلحة فتاكة، إلى علاج ثوري واكتشاف طبي يُبدد المخاوف بدلًا من زرعها، وينفي تماما «مزاعم» بعضهم أنها مميتة، ويهمش ضحايا مدينتي هيروشيما وناغازاكي.

في 15 أغسطس 1945، وبعد استسلام اليابان غير المشروط مباشرة، أصدر جنرال الجيش الأمريكي، «دوغلاس ماكارثر»، بيانًا صحفيًّا باحتلال اليابان. وكان أحد أولويات البيان تقييد حرية الصحفيين الأجانب، ومنع الصحفيين اليابانيين من كتابة أي تقرير يرتبط بالقصف النووي الأمريكي أو تأثير إشعاعات القنابل من قريب أو من بعيد. ولم يكن يُسمَح لأي صحيفة نشر أي صورة للقنابل الذرية أو الأثار المدمرة التي خلقتها. ولم تُلغَ تلك الرقابة إلا بعد إنهاء الاحتلال الأمريكي لليابان عام 1952.

«شفرة مورس»

جهاز لإرسال الرسائل بشفرة مورس - الصورة: shankar s

بالرغم من رقابة الجنرال الأمريكي ماكارثر المُحكَمة على الإعلام، فإن «ويلفريد بورشيت»، الصحفي الأسترالي في جريدة «ديلي إكسبريس» البريطانية، والمختص في التغطية الصحفية عن الحروب في آسيا، استطاع السفر إلى هيروشيما بعد القصف بشهر واحد على متن إحدى السفن الحربية الأمريكية، أي في سبتمبر 1945. وبذلك كان أول صحفي غربي يصل إلى الأراضي اليابانية بعد القصف النووي، وكانت بمثابة نقطة تحول في حياته المهنية.

بمساعدة وكالة الأنباء الرسمية اليابانية «دويمي»، التابعة للإمبراطور الياباني، عن طريق إمداده بالمعلومات، أرسل تقريرًا إلى لندن يشرح فيه آثار الإشعاعات النووية على المدنيين، مستخدمًا «شفرة مورس»، وهي على هيئة نقاط ومسافات وعلامات مائلة، من أجل إرسال المعلومات التلغرافية وتمريرها بسلام. نُشِرَ التقرير وذاع صيته في جميع أنحاء العالم.

لم يكن الصحفي الاسترالي بورشيت الوحيد الذي استطاع تجاوز الخطوط الحمراء للرقابة الإعلامية الأمريكية، فبعدها بنحو عام، في أغسطس، نشرت الصحيفة الأمريكية «The New Yorker» مقالًا مطولًا من كتابة الصحفي والروائي «جون هيرسي». بأكثر من 31 ألف كلمة استفاد هيرسي من موهبته الفذة في كتابة الرواية ليحكي مأساة ستة من اليابانيين الناجين من الدمار الأمريكي. وفي أكتوبر من نفس العام، نُشرت الحكايات بعدها في كتاب «هيروشيما» الذي بيع منه ملايين النسخ حول العالم في ستة أشهر فقط.

الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم عن 55 عامًا مقتنعون بالقصف النووي على اليابان، أما من تقل أعمارهم عن 45، فيميلون إلى إدانة ترومان.

بعدها بسنوات، بدأ الكتاب اليابانيون محاولات حثيثة للكتابة عن الناجين من القصف النووي الأمريكي. ففي عام 1949، عندما قارب الدكتور «تاكاشي ناجي» على الانتهاء من كتاب «أجراس ناغازاكي»، أجبره الاحتلال الأمريكي على إضافة جزء كامل يحكي معلومات مفصلة عن الأعمال الوحشية لجيش الإمبراطور الياباني الذي قتل أكثر من مئة ألف فليبيني مدني في شهر واحد فقط، من الثالث من فبراير إلى الثالث من مارس 1945، والتي سميت «مذبحة مانيلا».

بذلك، لم تستطع عملية غسيل الأدمغة الممنهجة التي قادتها الإدارة الأمريكية، بقيادة «هاري ترومان»، عن طريق التوجية الإعلامي، أن تحبس كل الأصوات التي لا تُصنِّف الاستخدام النووي في الحرب العالمية الثانية كشر لا بد منه لإنهاء معاناة البشرية وحماية الأمريكيين، بل وصلت الأصوات القليلة التي ترى فيه هلاكًا ودمارًا لمدنيين آخرين، وكشفت عن معلومات مشوشة ومغلوطة تَعمَّد الإعلام الأمريكي إلقاءها في أذهان العالم أجمع توازيًا مع إلقاء القنبلة النووية.

بالرغم من وصول تلك الأصوات القليلة التي نقلت معاناة الناجين على أرض المعركة، فإن دراسة أجرتها مؤسسة «غالوب» المختصة في التحليلات والاستشارات الإدارية، أكدت أن 85% من الشعب الأمريكي كان مؤيدًا لقرارات الإدارة الأمريكية بقيادة ترومان حين أسقط القنبلتين على اليابان. وهناك استطلاع رأي صدر حديثًا أجرته إذاعة «سي بي إس نيوز» الإخبارية الأمريكية، أكد أن الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم عن 55 عامًا مقتنعون بالقصف النووي الأمريكي على اليابان، أما الذين تقل أعمارهم عن 45، فيميلون إلى إدانة ترومان وإدارته على ذلك الجُرم.

النتيجة حُسمت، ورجحت الكفة لصالح ترومان وساعده الأيمن الصحفي لورانس. لكن كي نصل إلى الحقيقة الأقوى، ربما علينا فقط أن ننظر إلى أولئك الذين نجوا، فهم الأشخاص الوحيدون الذين يمكنهم إخبارنا كيف يمكن لهجوم واحد أن يحول مدنًا بأكملها إلى رماد.