وجدنا عليه آباءنا

البحث عن موقف علي بن أبي طالب من حروب الردة

 الصورة: Major Sykes

في الشهور الأخيرة من حياة الرسول محمد، ظهر عدد من مدعي النبوة في أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية، أهمهم مسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأسدي وسجاح.

وبعد وفاة الرسول مباشرةً، رفض عدد من القبائل العربية أن يعترف بسلطة أبي بكر الصديق، فامتنعت تلك القبائل عن أداء الزكاة للخليفة الأول، وأوَّلوا الآية القرآنية التي وردت في سورة التوبة: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم»، والتي ورد فيها الحكم بفرضية الزكاة، فقالوا إن الأمر في الآية يدل على ضرورة دفع المسلمين زكاتهم للرسول وليس لخليفته. فريق ثالث من العرب أعلن ردته، فعاد إلى ممارسة الشعائر والطقوس الشركية التي كانت سائدة ومنتشرة قبل الإسلام.

وسط تلك التوترات والقلاقل، وجد الخليفة الأول نفسه مطالَبًا باتخاذ موقف قوي تجاه تلك الفرق الثلاثة، فتشاور مع الصحابة في ذلك الأمر، فنصحه معظمهم بموادعة تلك الفرق وتركها حتى ينتظم أمر المسلمين ويستجمعوا أسباب القوة والتمكين. ولكن أبا بكر أصر على التعجيل بقتالهم، وقال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً (أنثى ولد الماعز) كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم عليها»، وذلك بحسب ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم.

ووجه أبو بكر الجيوش لقتال القبائل الخارجة عن سلطانه، حتى استطاع المسلمون في عدة أشهر أن يقضوا تمامًا على حركات الردة، وأن يُقرِّوا سلطة دولة المدينة في عموم شبه الجزيرة العربية.

ويعد موقف علي بن أبي طالب من حروب الردة، من أكثر النقاط المهمة التي شهدت تضاربًا في الأقوال بين الروايات السنية والشيعية التي حملتها إلينا المصادر التاريخية، وترجع أهمية التعرف إلى وجهة نظر علي بن أبي طالب تحديدًا من تلك الحروب، لأنها تلقي الضوء على رأي الشيعة في ما يخص تلك الحركة السياسية التي عملت على التملص من قبضة السلطة القرشية.

يمكن أن نقسم الروايات الواردة في تلك المسألة، إلى اتجاهين رئيسيين: واحد يرى تأييد علي بن أبي طالب عمومًا لحروب الردة، وآخر يرى أنه أخذ منها موقفًا سلبيًّا، وعارضها. فكيف يمكن تمييز الحقيقة بين الروايتين؟

رأي شائع: تأييد علي بن أبي طالب لحروب الردة

الصورة: Imprimerie Lemercier et cie, established publisher

يستند ذلك الاتجاه إلى عدد من الروايات السنية الضعيفة، وبعض الروايات الشيعية المبهمة. فقد أورد المتقي الهندي في «كنز العمال» أن أبا بكر استشار عليًّا في حرب المرتدين، فقال له علي: «إن الله جمع الصلاة والزكاة، ولا أرى أن تفرق»، فعند ذلك قال أبو بكر: «لو منعوني عقالًا لقاتلتهم عليه كما قاتلهم عليه رسول الله».

بعض الروايات تذكر أن أبا بكر رشح علي ليقود أحد الجيوش الإسلامية المتجهة لقتال بعض المرتدين.

كذلك جاء في بعض المصادر، ومنها «الرياض النضرة في مناقب العشرة» لمحب الدين الطبري، أن علي شجع أبا بكر في قتال أهل الردة، وألح عليه في ذلك الأمر وخوفه من مغبة تركهم والانصراف عنهم، حتى إنه قال للخليفة الأول: «إن تركت شيئًا مما أخذ رسول الله منهم، فأنت على خلاف سنة رسول الله».

لا يقتصر ذلك النسق الروائي على تبيان تأييد علي بن أبي طالب ودعمه للخلافة في مسألة قتال المرتدين، بل إن ذلك النسق يضم عددًا من الروايات التي تؤكد أن علي اشترك في قتال المرتدين بنفسه، وذلك عندما حرس أحد أبواب المدينة مع عدد من الصحابة، وصدوا إحدى غارات المرتدين، كما ذكر مسكويه في كتابه «تجارب الأمم وتعاقب الهمم».

بل إن بعض الروايات تذكر أن أبا بكر رشح علي ليقود أحد الجيوش الإسلامية المتجهة لقتال بعض المرتدين. ففي رواية ابن أعثم الكوفي في كتابه «الفتوح»، ورد أن الخليفة استشار عمر بن الخطاب في توجيه علي، على رأس جيش لقتال الأشعث بن قيس، وورد في «تاريخ اليعقوبي»، أن أبا بكر استشار عمرو بن العاص في تأمير علي على الجيش المتجه لقتال طليحة بن خويلد.

يتوافق مع روايات ذلك السياق، ما ورد في «شرح نهج البلاغة» على لسان علي بن أبي طالب نفسه، في معرض شرحه لموقفه في أثناء حروب الردة: «... حتى إذا رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله وملة محمد، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلمًا وهدمًا يكون المصاب بهما عليَّ أعظم من فوات ولاية أموركم... فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون».

اقرأ أيضًا: بين روايات السنة والشيعة والمستشرقين: متى ظهر التشيُّع؟

هل يصمد ذلك الرأي أمام النقد؟

هناك عدد من الملاحظات على روايات ذلك الاتجاه، الذي يُسلِّم بدعم علي ومشاركته في حروب الردة. أول هذه الملاحظات أن الروايات التي ذكرت أن علي هو المشير والمحرض الأساسي لأبي بكر على قتال المرتدين، تخالف إجماع وتواتر الروايات التاريخية التي تؤكد أن أبا بكر كان هو المُصرُّ على الحرب في الوقت الذي تشير فيه إلى خلاف محتمَل مع صحابة آخرين، كسؤال عمر لأبي بكر: «كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، فيما كان أبو بكر يقاتل من عطَّل الزكاة ولو ظل معلنًا إسلامه.

إضافة إلى ذلك، فإن بعض الروايات التي ذكرت ترشيح الخليفة أبي بكر عليًّا لقيادة أحد الجيوش المتوجهة لقتال المرتدين، والتي وردت في كتاب «الفتوح» لابن أعثم الكوفي، قد صرحت بخوف بعض مستشاري الخليفة وقلقهم من احتمالية رفض علي لأمر أبي بكر بالقتال، ما يتعارض مع الاتجاه العام الذي يتبناه هذا السياق من الأساس، لأن ذلك التخوف يدل على مخالفة علي رأي الخليفة في مسألة قتال مانعي الزكاة والمرتدين.

لم توضح رواية «نهج البلاغة» كيفية مشاركة علي في حروب الردة. فقصارى ما أوردته الرواية أنه «نهض في تلك الأحداث»، دون توضيح للشكل أو الطريقة التي نهض بها. فهل كانت تلك النهضة في شكل المشورة والتحريض؟ أم كانت في صيغة مشاركة عسكرية في المعارك؟

لا تذكر الرواية أيًّا من تلك الاحتمالات، بل إنها لم تذكر سوى أن علي بايع أبا بكر في ذلك الوقت، وقد يكون المقصود من تلك البيعة إعلان قبول علي بشرعية الدولة في ظل تلك الظروف العصيبة التي كانت تمر بها. تضيف هذه الندرة في المعلومات إلى الشك العام الذي يحيط بالرواية ككل، وربما تهب من ثمَّ القوة إلى الرأي النقيض، الذي يرى أن عليًّا كان رافضًا لحروب الردة والمشاركة فيها.

قد يعجبك أيضًا: بذور المذهب الشيعي في التاريخ الإسلامي المبكر

رأي ثانٍ: هل عارض علي حروب الردة؟

يشتمل هذا الاتجاه على الرأي السائد في الأوساط الشيعية قديمًا وحديثًا، ويعتمد أساسًا على سكوت المصادر التاريخية عن ذكر أي معلومة أو رواية صحيحة، تؤكد اشتراك علي بن أبي طالب في قتال مانعي الزكاة والمرتدين.

قد يكون هذا الرأي منطقيًّا في مجمله، فعلي بن أبي طالب الذي ذاعت أنباء مآثره القتالية وقدراته العسكرية وأخبار بطولاته المتعددة في غزوات الرسول المهمة، مثل «بدر» و«أحد» و«الخندق» و«خيبر» وغيرها، لم يكن اشتراكه في معارك الردة ليمر على المؤرخين المسلمين مرور الكرام، خصوصًا أن هؤلاء المؤرخين اعتادوا على تلقُّف كل شاردة أو واردة في ما يخص أخبار الأبطال والحروب والملاحم.

وضحت الآراء الشيعية أن علي لا يرى مشروعية حكم أبي بكر، فلم يكن ليشارك في حروب الهدف الأول منها هو تأكيد سلطته وترسيخها.

فلو كان علي اشترك في تلك الحروب، لكان من المؤكد أن كتب التاريخ كانت ستمتلئ بمآثره وبطولاته، فما بالك وقد سكتت تلك الكتب تمامًا ولم تذكر أي شيء؟

يدعم ذلك الرأي، ما ذهب إليه واحد من كبار علماء السنة، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية، في «مجموع الفتاوى»، في قوله عند ذكر أخبار حروب علي ومآثره: «وعامة هذه المغازي التي تُروى عن علي وغيره: قد زادوا فيها أكاذيب كثيرة، مثلما يكذبون في سيرة عنترة والأبطال، وجميع الحروب التي حضرها علي بعد وفاة رسول الله، ثلاثة حروب: الجمل وصفين وحرب أهل النهروان، والله أعلم»، وفي ذلك دليل على عدم اشتراك علي بن أبي طالب في حروب الردة وفق ابن كثير.

ومن المهم ملاحظة أن مسألة مشاركة علي بن أبي طالب في حروب الردة أو موافقته عليها، احتوت بشكل ضمني على تأييد وجهة النظر السنية التي ترى اعتقاد علي بشرعية حكم الخليفة الأول، بينما رفضت الآراء الشيعية تلك المشاركة، واعتقدت أنه لما كان علي لا يرى مشروعية حكم أبي بكر، فإنه لم يكن ليشارك في حروب الهدف الأول منها هو تأكيد سلطته وترسيخها.

على أنه ينبغي أن نلاحظ نقطة مهمة وثيقة الصلة بذلك الاتجاه، وهذا الرأي الرافض لقبول اشتراك علي في تلك الحروب، وهو أن هناك من الباحثين الشيعة المعاصرين مَن حاول أن يستثمر التأييد التاريخي والمنطقي الذي يرفض قبول مشاركة علي في تلك الحروب، في إعادة قراءة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ظهور حركة الردة ومنع الزكاة وعدم الاعتراف بحكومة الخليفة الأول، إذ إن موقف علي من الحرب يؤدي مباشرة إلى إعادة تقييمها، خصوصًا عند الشيعة.

على سبيل المثال، يقول جعفر مرتضى العاملي في كتابه «الصحيح من سيرة الإمام علي»: «إن العرب كانوا يتوقعون أن يصير الأمر بعد رسول الله إلى علي عليه السلام، فلما توفي، وجاءتهم الأخبار حول انتقال الأمر إلى أبي بكر، تريثوا في أمرهم انطلاقًا مما عرفوه من بيعة يوم الغدير وغير ذلك».

في ذلك الادعاء نفي واضح للحقيقة التاريخية، ذلك أنه لا توجد أي رواية توضح أن هناك صلة قوية أو رابطة ولاء حقيقي في تلك الفترة التاريخية تحديدًا، بين القبائل العربية المرتدة أو التي منعت الزكاة من جهة، وعلي بن أبي طالب من جهة أخرى.

وذلك الادعاء أيضًا، يهمل جميع العوامل القبلية والمجتمعية التي تسببت في وقوع تلك الحركة الثورية التي اشتهرت بحركة الردة. ذلك أن أهم أسباب تلك الثورة كان استيلاء قبيلة قريش على مقاليد السلطة، ووراثتهم لنفوذ الرسول ومكانته، ويظهر ذلك بوضوح في قول أحد شعرائهم:

أطعنا رسول الله إذ كان بيننا .. فواعجبًا ما بال ملك أبي بكر

أيورثها بكرًا إذا ما مات بعده .. فتلك لعَمر الله قاصمة الظهر

لذلك، فإن فكرة توريث السلطة من الرسول إلى أبي بكر الذي كان يمثل قبيلة قريش، كانت أصل الغضب وجذر السخط القبائلي. ومن غير المنطقي أن نعتقد بأن توريث السلطة إلى علي كان من شأنه أن يهدئ من غضب تلك القبائل العربية التي اعتادت عبر تاريخها على قدر كبير من الحرية، وليس للمسألة علاقة بتشيع هذه الفئات لعلي أو رغبتها في خلافته.

لماذا تحظى المسألة بكل هذه الأهمية؟

الصورة: Marsupium

يمكن فهم مركزية مشاركة علي في حروب الردة من عدمها بالنسبة إلى السنة والشيعة معًا لأسباب تتعلق بالخلافات العقدية العامة بين الفريقين. فإثبات السُّنة لمشاركته يعني عمومًا تأييده دولة أبي بكر، ورفضه المشاركة يصبح بالنسبة إلى الشيعة علامة أخرى على معارضته العامة لهذه الخلافة وكل ما ترتب عليها.

يصعب التسليم بأن عليًّا شارك في حروب الردة بكامل عزمه، ويصعب التسليم بأنه عارضها بوضوح.

أمام ندرة المعلومات، حاولت المصادر التاريخية السنية أن تؤكد موافقة علي بن أبي طالب على حروب الردة بطريق غير مباشر، وهو طريق إثبات أن علي شارك المسلمين في غنائم تلك الحروب مثلًا. فعلى سبيل المثال، ذكرت مصادر تاريخية كثيرة، ومنها «سير أعلام النبلاء» لشمس الدين الذهبي، أن علي قد أخذ سبية من بني تغلب يقال لها «الصهباء»، وإنها أنجبت له عمر ورقية. وكذلك تذكر روايات أخرى أن أبا بكر وهبه سبية من بني حنيفة، وهي خولة بنت جعفر، والتي ولدت له بعد ذلك ابنه محمد بن الحنفية.

يعني ذلك أن علي بن أبي طالب وافق على تلك الحروب، لأنه لم يكن من المنطقي أن يكون قد رفضها واعتقد بفساد منطقها، ثم شارك باقي المسلمين في غنائمها.

حاولت المصادر الشيعية التصدي لتلك الشبهة، إما بتضعيف الروايات التي ذكرت أن علي حاز تلك السبايا في فترة حروب الردة، كما يذكر المجلسي في «بحار الأنوار»، أن علي قد ملك خولة الحنفية في حياة الرسول، وأن الرسول بشره وقتها بميلاد ابنه محمد بن الحنفية، وإما بذكر بعض الروايات التفسيرية التي تحاول أن تعالج الإشكال، وأن تقدم له مبررات غيبية الطابع.

يؤدي هذا الخلاف بالضرورة إلى تشويش الحقيقة التاريخية، ويزيد صعوبة الخروج باستنتاجات واضحة بشأن موقف علي من هذا الحدث المهم في التاريخ الإسلامي، ومن ثَمَّ فَهْم التاريخ السياسي المبكر للإسلام.

لكن مع ذلك، وإذا جُمعت الروايات كلها جنبًا إلى جنب، يصعب التسليم بأن عليًّا شارك في الحرب بكامل عزمه، ويصعب التسليم كذلك بأنه عارضها بوضوح، ولا يبقى إلا احتمال يليق بما نعرفه عن علي عمومًا: أي موقف مستقل ومتروٍ وعلى مسافة نسبية من السلطة في وقته.