فن وهندسة

يوكو أونو: هجين بين البرتقالة والليمون

الصورة: Joost Evers/Anefo

ارتبطت الفنانة اليابانية «يوكو أونو» في أذهان الناس ارتباطًا شرطيًا بعلاقة الحب والشراكة الفنية التي جمعتها بـ«جون لينون»، الفتى الذهبي وأشهر أعضاء فرقة «البيتلز» الإنجليزية. تلك العلاقة التي أنهت زواجه من «سينثيا لينون» عام 1968، وأدت إلى تفكُّك فرقة «البيتلز» كما يزعم كثير من محبي لينون.

انسحب جون لينون من الفريق في سرية في سبتمبر 1969، ثم أعلن الفريق توقفه رسميًّا في العاشر من إبريل عام 1970، عقب انسحاب «بول مكارتني» أيضًا.

تبدأ رحلة يوكو أونو الحقيقية مع الشهرة بعد تفكك البيتلز، وتعاونها فنيًّا مع لينون بعد تكوينهما فريقًا أسمياه «John Lennon & Plastic Ono Band». أنتج هذا التعاون 12 ألبومًا موسيقيًّا في مسيرة لينون في مرحلة ما بعد البيتلز، أشهر هذه الألبومات «Imagine» و«Double Fantasy».

 لم يفترق الثنائي منذ لقائهما الأول عام 1966 في أحد المعارض الفنية التي شاركت فيها يوكو في لندن، بعنوان «أشياء ولوحات غير منتهية»، وحتى اغتيال لينون عام 1980 على يد «مارك ديفيد تشابمان». يصعب عليك أن تجد صورة لا تجمعهما، أو حفلًا غنائيًّا لم يشتركا فيه، وهو الحضور الذي رآه بعض محبي لينون مقحمًا بشكل كيبر.

يوكو أونو وجون لينون: القصة تبدأ بتفاحة

لينون الذي لم يألف عروض الفن الطليعي في ذلك الوقت، لفت انتباهه في أول معرض زاره ليوكو، مجسم زجاجي تستقر عليه تفاحة خضراء. لم يفهم لينون الغرض من العمل، وشعر بسخافته وعدم جدواه، فأمسك التفاحة وبدأ في أكلها، ليجد يوكو تقف في مواجهته صامتةً تنظر إليه باستنكار وغضب مكتوم. أعاد لينون التفاحة حيث كانت وضحك بسذاجة، لتضحك يوكو أيضًا.

لم تخفت شهرة يوكو بعد وفاة جون كما توقع الناس، بل ظلت حاضرة بقوة في المشهد الثقافي والفني، تواجه الكراهية التي تتجدد تجاهها بمزيد من الغناء والعروض الفنية والأزياء المثيرة للجدل.

وصفها لينون بأنها «أشهر فنانة مغمورة في العالم. الكل يعرف اسمها ويجهل ما تفعله». هل هي كلمات رجل عاشق، أم رجل يعرف جيدًا ما يتحدث عنه؟ للإجابة عن هذا السؤال يتوجب علينا معرفة من هي يوكو أونو حقًّا.

من هي يوكو أونو حقًّا؟

الصورة: Eric Koch / Anefo

وُلِدت يوكو أونو في طوكيو عاصمة اليابان عام 1933. وبسبب طبيعة عمل والدها في البنك، تنقلت أسرتها من طوكيو إلى سان فرانسيسكو ونيويورك في أمريكا، ما أتاح لها التعرف إلى كثير من الثقافات والديانات المختلفة، وجعل أسرتها تتبنى نمط حياة متحررًا على الطراز الغربي الليبرالي.

شكَّل هذا التنقل المستمر هويتها وعمَّق من شعورها بالغربة، حيث عوملت دائمًا كدخيلة، خصوصًا بعد تضاؤل ثروة أسرتها خلال الحرب العالمية الثانية، التي كانت للمفارقة بين بلدها الأم: اليابان، والبلد الذي انتقلت أسرتها إليه عام 1953: أمريكا.

التحقت يوكو بجامعة سارا لورانس، حيث درست الشعر والموسيقى. واتسعت الفجوة بينها وبين والديها في تلك المرحلة لرفضهما أسلوب الحياة البوهيمي الذي تبنته. لكنها لم تستكمل دراستها في الجامعة، بل تركتها عام 1955 بحثًا عن صوتها الفني الخاص، وعمَّن يتقبل طبيعتها المتحررة إنسانيًّا وفنيًّا، ويدعمها.

بحلول عام 1960، كانت يوكو قد شاركت في عدد من عروض الفن التجريدي، وانضمت إلى حركات فنية معاصرة أبرزها «الفلوكسوس»، وهي امتداد لحركة «الدادائية الجديدة». ودعي إليها فنان أمريكي يُدعى «جورج ماكينوس»، كان يستنكر أن يكون للقائمين على المتاحف الفنية السلطة المطلقة في الحكم على أي عمل فني، كذلك المفهوم السائد عن أن المرء يجب أن يكون متعلمًا وعلى قدر من الثقافة ليفهم الفن ويتذوقه، وطالب بكسر الحاجز بين الفنان والمتلقي، فجميع الناس بالنسبة إليه فنانون، وبإمكانهم استخدام أغراض عادية من حياتهم اليومية وتحويلها إلى عمل فني.

عادةً ما تضمنت عروض أونو رسائل ذات نبرة انتقادية حادة للمجتمع.

كانت يوكو أونو من أشهر رواد هذه الحركة الفنية في الستينيات، بالاشتراك مع فنانين آخرين، أبرزهم مؤلف الموسيقي «جون كيج» والرسام الفرنسي الأمريكي «مارسيل دوشام».

أبرز عروض أونو الفنية

في عرضها «Cut Piece»، طلبت يوكو أونو من الحضور تقطيع أجزاء من ملابسها

اشتهرت يوكو أونو في الستينيات بتقديم عدد من العروض الفنية التي لاقت رواجًا في ذلك الوقت، ما دفعها إلى إعادة تقديمها أكثر من مرة خلال مسيرتها الفنية، وسمحت أيضًا لفنانين آخرين بتقديمها وتطويرها.

أبرز هذه العروض «Cut Piece»، الذي قدمته عام 1964 في مركز «سوجيتسو» للفنون في طوكيو. وفيه ارتدت رداءً أنيقًا، وجلست على ركبتيها على خشبة المسرح ممسكةً بمقص بإحدى يديها، ثم دعت الجمهور إلى الصعود على المسرح أفرادًا، ليقص كلٌّ منهم قطعة قماش من الزي الذي ترتديه. استمر الجمهور في التوافد إلى أن وصلوا إلى ملابسها الداخلية.

عندما طرأت فكرة العرض لأونو أول مرة، كانت متأثرة بقصة «الحكيم بوذا» مؤسس الديانة البوذية، الذي وُلد مثلها لأسرة ثرية، لكنه تخلى عن كامل ثروته وجلس ساكنًا تحت شجرة لمدة سبعة أسابيع كي يصل إلى أعلى درجات الصفاء الذهني والروحاني. بخلاف ذلك، ضمَّنت أونو في العرض حقيقة أن المرأة غالبًا ما يتوجب عليها التضحية بكل ما تملك.

ثاني العروض التي اشتهرت بها أونو كان «Bag Piece»، الذي قدمته في العام نفسه والمكان ذاته. وفيه طلبت من فردين الصعود إلى المسرح والدخول معًا في كيس أسود كبير حتى يختفيا تمامًا ولا يراهما الجمهور مطلقًا، ثم طلبت منهما خلع ملابسهما تمامًا، وتركت لهما حرية فعل ما يشاءان. كان هدفها إلغاء الفوارق العرقية والجندرية والطبقية بين المشاركين اعتمادًا على السياق الذي يجمعهم ويُبرز هشاشة كلٍّ منهم، ويُظهِر جوهره الإنساني على حساب مظهره الخارجي.

اعترف جون لينون أنه استلهم كلمات أغنيته الأشهر «Imagine» من نصوص يوكو أونو.

ثالث العروض كان «Painting to Hammer a Nail» عام 1961، وهو واحد من العروض القائمة على التعليمات التي ابتكرتها أونو، وفيه يحث الفنان الجمهور على فعل شيء معين عن طريق نص مكتوب على لوحة صغيرة بجوار العمل.

علقت أونو لوحة بيضاء على الحائط، ومعها مطرقة تتصل باللوحة عن طريق سلسلة حديدية رفيعة. بجانب اللوحة كرسي خشبي عليه جرة بها مسامير. كان على كل مشارك أن يلتقط مسمارًا ويدقه في اللوحة، ثم يقص خصلة من شعره ويلفها حوله. ولا يكتمل العمل الفني إلا عندما لا تبقى أي مساحة لدق مسمار آخر فيه.

عُرضت اللوحة في غاليري في لندن عام 1966، وكان هدف أونو منها تأكيد أن أي عمل فني لا يكتمل إلا بتفاعل المتلقي معه.

غريب فروت

غلاف ألبوم «غريب فروت»

لعل أشهر أعمال يوكو أونو الفنية على الإطلاق كتاب «Grapefruit»، الذي انتهت منه ونشرته عام 1964، واستوحت اسمه من حياتها الشخصية وهويتها المختلطة كيابانية أمريكية، ووجدت أن فاكهة الغريب فروت تمثلها، فقد نتجت عن تهجين ثمرتي برتقال وليمون.

الكتاب مجموعة من التعليمات أو الإرشادات التي كتبتها أونو لينفذها القارئ في حياته اليومية. يبلغ عدد النصوص 150، وقُسِّم الكتاب إلى خمسة أجزاء: الموسيقى والرسم والحدث والشعر والموضوع. بعض التعليمات التي يجب على القارئ اتباعها تحدث فقط في عقله. على سبيل المثال، في هذا النص بعنوان «Cloud Piece» تقول أونو:

تخيل أن السحاب يقطر ماء

ثم احفر حفرة في حديقتك

وضعهم بداخلها

يضم الكتاب تعليمات أو نصوص أخرى، أبرزها «Snow Piece»، الذي تقول فيه:

تخيل أنها تُمطر ثلجًا

وأن الثلج يتساقط في كل مكان

طوال الوقت

وعندما تتحدث إلى شخص آخر

تخيل أن الثلج يسقط بينكما

ثم توقف عن محادثته عندما يغطيه الثلج تمامًا

ونص «Cleaning Piece»:

حاول أن تقول شيئًا سلبيًّا عن أي إنسان

أ. لمدة ثلاثة أيام

ب. لمدة 45 يومًا

ج. لمدة ثلاثة أشهر

ثم شاهد ما سيحدث لحياتك

ونص «Conversation Piece»:

ضمِّد أي جزء من جسدك

وإن سألك الناس عن هذه الضمادة، اخترع قصة واحكِها

وإن لم يسألك الناس عنها، الفت انتباههم إليها واحكِ قصتك

وإن نسي الناس أمر هذه الضمادة

ذَكِّرهم بها واحكِ قصتك

ولا تتحدث عن أي شيء سواها

أشهر هذه النصوص «Tunafish Sandwich Piece»، الذي اعترف لينون عام 1980 بأنه، إضافة إلى نصوص أخرى تضمَّنها الكتاب، ألهموه تأليف أغنيته الأشهر «Imagine». لينون أنه أخطأ في الماضي بسبب أنانيته، لكن كان يجب أن تُنسَب الأغنية إلى يوكو كما نُسِبت إليه، لأن فكرتها وكثير من كلماتها مستوحى من كتاب يوكو، الذي تضمَّن كثيرًا من الجمل التي تبدأ بـ«تخيل هذا، أو تخيل ذاك».

بعد مرور 48 عامًا على صدور الأغنية، اعترفت الرابطة الأمريكي لمنتجي الموسيقى بإسهام يوكو في الأغنية، وأضيف اسمها إلى جانب اسم جون لينون كمشاركة في التأليف.

تقول يوكو في نص «Tunafish Sandwich»:

تخيل أن هناك ألف شمس تسطع في السماء في نفس الوقت

اجعلها تسطع لمدة ساعة

ثم اجعلها تذوب تدريجيًّا في السماء

واصنع ساندويتش تونة وكُله

, , , , , ,