فن وهندسة

يايوي كوساما: الفنون جنون؟ ربما، وربما تكون علاجًا

الصورة: Susanne Nilsson

تعبِّر الفنانة اليابانية «يايوي كوساما» عن فنها بأنه «وسيلتي لإصلاح الضرر الذي أحدثته في طفولتي»، وتعتبر فنها «المرض والعلاج» لهوسها في آن واحد، وتصفه بأنه فن سايكوسوماتي.

آمن الطبيب النفسي «رونالد لينغ» بأن السلوك الذُّهاني لمرضى الذُّهان (مرض نفسي) ما هو إلا تعبير منطقي عن انزعاج ما، وأن النوبات الذُّهانية هي محاولات للإشارة إلى بعثرةٍ ما في النفس، والأجدر أن يُنظَر إليها كتجارب مطهرة ونقاط تحول تقود إلى تجليات كبيرة.

يتقبل لينغ مدى صعوبة فهم تعبيرات أولئك المرضى، ويعزي ذلك إلى كونها تعبيرات محصورة في اللغة الرمزية الشخصية، أي أنها لا تحمل معنًى سوى داخل الشخص نفسه.

لا يستعمل رونالد لينغ الأدوية في العلاج النفسي مطلقًا، ويحاول أن يفك شفرة الشخصية عن طريق الاستماع الجيد والحضور الكامل، بناءً على افتراضه أن الأصل في حالة الإنسان العقلية هو الصحة، وأن المرض العقلي ناتج عن جنون في المحيط، وهو محاولة للعودة إلى حالة الصحة، وأن من يصمهم المجتمع بالجنون هم في جوهرهم شعراء وفنانون يعكسون الجنون في محيطهم.

بداية كوساما مع الفن والجنون

كيف حاربت كوساما من أجل فنها؟

وُلدت يايوي كوساما عام 1929 في اليابان، أختًا صغرى لأربعة أبناء تركهم أبوهم في صغرهم، وأم أشعرت كوساما مرارًا أن مجيئها إلى الدنيا كان غلطة. هذه هي الظروف التي تعتقد يايوي أنها ولَّدت هوسها وهلاوسها، بالإضافة إلى المناخ السياسي المضطرب حينها في فترة «الشووا». تقول كوساما: «لم أستطع أن أهرب من هذا التجنيد، لأنه ما أرادته الحكومة، وما أرادته المدرسة. عانيت حتى قُتل دماغي».

توضح المؤرخة «ألكساندرا مونرو» أن عدائية كوساما نبعت من الوطنية الإجبارية المسيطرة على اليابان، ومن ضغوط التبعية المجتمعية، وغُرس غضبها على السُّلطة مبكرًا في عقليتها، وأصبحت مطابقةً لتعبيرها عن شخصيتها ولفنِّها مع مرور الزمن.

وجدت يايوي كوساما مهربها في الفن، فكان هذيانها هو الملهم الأول لكثير من أعمالها.

تذكر كوساما من هلاوس طفولتها أنها كانت تسمع صوتها كصوت كلب أحيانًا، وكانت تسمع وترى زهور البنفسج تتكلم في الحقل، وتحكي أنها شعرت ذات مرة بقوة شريرة في قاع البركة التي كانت تسبح فيها، قوة أرادت أن تغرقها وتأخذ روحها، وتكررت الهلاوس والرؤى النمطية في طفولتها، مثل النقاط والشباك والورود المتكدسة، أنماط كانت تُشعرها بأنها تهددها بنثر نفسها فيها.

«كنت أتأمل يومًا الورود الحمراء الصغيرة المطبوعة على مفرش الطاولة، وعندما نظرت إلى أعلى رأيت الطبعة ذاتها تغطي السقف ثم تكسو النوافذ والجدران، ثم غطت الغرفة كلها وغطتني وغطت الكون بأكمله. أحسست أني أندثر لألتحم مع أبدية الزمن ولانهائية الكون، ثم أتلاشى. أدركت أن الأمر يتخطى خيالي نحو الواقع الفعلي. ارتعبت، وعلمت أن عليَّ أن أهرب».

لكنها وجدت مهربها في الفن، فكان هذيانها هو الملهم الأول لكثير من أعمالها. تحكَّم فيها التكرار والتكتل اللانهائي لشكل وحيد يغزو الجمادات والمساحات والبشر، لم توفر هلاوسها إلهامًا وحسب، بل رغبةً ملحةً في تمثيلها على الواقع.

قد يهمك أيضًا: هل ترى العالم بعيون مختلفة؟ أنت عبقري

تجارب سريالية

أعمال فنية
الصورة: Susanne Nilsson

انتهت الحرب عام 1945، السنة التي وافقت تخرُّج كوساما من المدرسة الثانوية، فالتحقت عام 1948 بمدرسة الفنون الجميلة «Kyoto School of Arts and Crafts». درست الفن هناك لسنة واحدة  فقط، شكلت هذه السنة التعليم الأكاديمي الوحيد الذي تلقته كوساما في مجال الفن.  لكنها ظلت تجرب في اكتشاف نفسها، جربت فن «نيهونجا» وفن «يوجا» (اللوحات الزيتية بالطريقة الغربية)، ثم وجدت نفسها في الأسلوب الطليعي.

كانت أعمالها تُعتَبر ضمن الفن السريالي برعاية الناقد الفني «شوزو تاكيجوشي»، الذي نظم أول معرض منفرد لأعمالها في بداية عام 1955. وحين قدمها في فقرة من معرض مشترك عام 1952 قال إن «الرسوم في لوحاتها تتدفق وكأنما سدًّا قد انهار، على الفنان أيًّا كان أسلوبه في التعبير أن يكشف عن نزعاته الغرائزية في الفن. على الأشكال والصور الفنية أن لا تكون محض ادعاء، بل رمزًا للمشاعر العميقة. هنا، يصبح نَفَس الفنان تدفقًا طبيعيًّا يمكننا اعتباره خط يدها».

الشبكات اللامتناهية

أعمال فنية
الصورة: Andrew Russeth

أثبتت كوساما نفسها كفنانة بذكاء ناقد فني، تملك سُلطة على جوهرها، كاشفةً عن صفاء عقليتها الفنية، وقادرةً على ترويض جنونها.

بحلول ديسمبر 1955، انتقلت كوساما إلى نيويورك لتجسد هناك بصمة فن جديدة في رحلتها: سلسلة «الشِّبَاك اللامتناهية». وتذكر يايوي أن منبع الشِّبَاك كان نفسيًّا، وأن الشِّبَاك ستائر تفصل بينها وبين الناس والعالم والواقع». كانت تَصِل الليل بالنهار وهي تعمل على تلك اللوحات، حتى تنهار جسديًّا.

قد يعجبك أيضًا: نزهة في مفهوم الموهبة

مفهوم السأم محوري في هذه اللوحات: «لم يكن عندي أي هدف، أحسست بأن الفن والحياة عديما الجدوى، رسمت السأم، الذي يعد أهم من أشعة الشمس للحياة».

تقول مونرو في تحليلها لشِبَاك كوساما إنها تثبت نفسها كفنانة تتحلى بذكاء الناقد الفني، وتملك سُلطة على جوهرها، كاشفةً عن صفاء عقليتها الفنية وقدرتها على ترويض جنونها عن طريق تعبيرها عنه بفنها، وإن هذا الوعي بذاتها هو ما يشكل الفارق بينها وبين الفن السطحي الذي ينتجه فنانون آخرون مصابون بالذهان.

خرجت الشِّبَاك من حدود اللوحة

أعمال فنية
الصورة: Andrew Russeth

في 1962، تحولت كوساما من فن اللوحات إلى فن البيئة والمحيط، ونتج عن ذلك سلسلة أسمتها «التكديس والقهر»، سلسة تتمحور حول تغطية جمادات بأقمشة بيضاء محشوة بالقطن ومخيطة على شكل قضيب. صنعت كوساما في مشروعها الأول المئات منها، وخيطتها على كنبة مفردة، محولةً الكنبة إلى حلم متفجر بالقضبان. نتج هذا العمل عن هلاوس استحوذت عليها، فخرج مسيئًا ومُرضيًا في الوقت نفسه، وعدوانيًّا وفكاهيًّا، ومنفرًا وغامضًا.

تفسر مونرو اختيار القضيب هنا برغبةٍ في امتلاك قوة المضطهِد، تجسيد لحِسِّها بإنكار أبيها لها، احتجاج على نمطية الأدوار المعينة على الذكر والأنثى، والسلطة الذكورية التي أحاطت بها في اليابان، فمنحت نفسها، من خلال فنها الذي ملَّكها آلاف القضبان، شعورًا بالنصر وحقًّا لرد اعتبارها.

الجمادات التي تختار يايوي كوساما تكديسها بالقضبان تكشف عن ثيمة مختلفة في كل مرة. السلم مثلًا، الذي أسمته «حياة السفر»، يرمز إلى الصعود والتسلق، حرفيًّا أو مجازيًّا، فالسلم جماد مرتبط عادةً بمجال الرجل، لكن كوساما حين حولته إلى قطعتها الفنية لم تضعه في مجالها وحسب، بل وضعت فردات من الكعب العالي على السلالم، وكأنها تقول: «وأنا أصعد أيضًا».

عروض يايوي الداخلية تتمثل في تلوين نقاط على المشاركين العراة وتوزيعهم في غرف المرايا، أما عروضها الخارجية فتدور حول الدعوة إلى السلام.

استمرت كوساما في توسيع لوحاتها على محيطها: «خرجتْ الشِّبَاك من حدود اللوحة، وغطت المكتب والكراسي والأرضية، وأدركت أنني أرى حلم طفولتي بأم عيني في الواقع فعلًا». خرجت من هذا التمدد مشاريع تكتل أخرى، مثل «تراكم القوارب»، و«هوس الأكل»، وسلسلة «غرف المكرونة».

تركيب فني آخر خرج من امتداد هلاوس كوساما هو سلسلة «مرايات الأبد». كانت تصنع غرفًا مكسوة بالمرايا والنقاط والأضواء، تعطي الزائر شعورًا بالتلاشي الذي تتحدث عنه كوساما في وصف هلاوس طفولتها، سلسلة المرايات تجسيد حرفي فعلي لهلاوس كوساما.

اقرأ أيضًا: ما الفن وقد استُهلكت كل الأفكار؟

انتقلت كوساما إلى العروض الحية في الشوارع: «النقطة تشبه الشمس، الشمس نقطة، تمثل الطاقة الذكورية التي هي مصدر الحياة. والنقطة تشبه القمر، القمر نقطة، تمثل القدرة الأنثوية على الإنجاب والرعاية. النقاط تمثل التكاثر إلى ما لا نهاية. كوكب الأرض نقطة، نقطة واحدة ضمن ملايين النقاط الأخرى، علينا أن ننسى أنفسنا في النقاط، علينا أن ندع أنفسنا لتيار الأبد غير منقطع النظير».

نظمت كوساما ما لا يقل عن 75 عرضًا حيًّا منذ عام 1967 حتى 1970، منها ما هو داخلي وما هو خارجي. تمثلت العروض الداخلية في جمع عدد من المشاركين العراة وتلوين النقاط عليهم وتوزيعهم على غرف المرايا التي صنعتها أو في استوديوهات تنظم فيها مقابلات، وأسمت سلسلة العروض الداخلية «أحداث الحب»، وكأنها تقول إننا في النهاية واحد: «لم يكن هدفي من التعري والمداعبة هو الإثارة، بل التحرر».

أما العروض الخارجية فأسمتها كوساما «احتفالات الجسد»، ودار معظمها حول حقوق المثليين والدعوة إلى السلام. كانت تتفق مع مجموعة من المشاركين على موقع التقاء يجتمعون فيه، ثم تلون النقاط على أجسادهم، ويرقصون في الساحات حتى تفرقهم الشرطة.

العودة إلى اليابان

جولة في أحد معارض أعمال يايوي كوساما الفنية

بحلول عام 1970، كان الإعلام يتململ مسيرات كوساما، التي ظنت حينها أنها بلغت أقصى نجاحها في نيويورك، فأطلقت فيلمًا قصيرًا بعنوان «Self Obliteration» يلخص أعمالها ومسيرتها حتى ذلك الوقت، ثم عادت إلى اليابان.

كانت اليابان حينها قد دخلت عصرًا جديدًا في تاريخها، عصر ازدهار تكنولوجي واقتصادي وفكري، وهناك قدمت عددًا من المعارض، بالإضافة إلى نشرها روايات وقصائد. وفي عام 1977 انتقلت للعيش داخل مصحة نفسية في طوكيو، تعتمد على الفن كوسيلة للعلاج من الذُّهان،  وبنت لنفسها معملًا فنيًّا إلى جوار المصحة، تعمل فيه طيلة النهار ثم تعود في الليل إلى المصحة.

يكمُن استيعاب الإبداع في صفات مثل الانطوائية والعدوانية والاندفاعية والعناد، والشغف يترجم صفة الإبداع في صيغة إنجاز.

تعاونت كوساما في مسيرتها الفنية مع دور الموضة العالمية مثل «لويس فيتون» و«مارك جيكوبز»، وكان آخر ما قدمته مجموعة جديدة من «x-girl» في فبراير 2017.

قد يهمك أيضًا: كيف تشارك الثوريون والفنانون في إطلاق «السريالية»؟

تطرح مونرو في ختام كتابها عن كوساما تساؤلات من أهمها: هل كان فنها المضطرب وكتاباتها وتعبيراتها تعكس جنونًا فعليًّا؟

الشعرة بين العبقرية والجنون

معرض ليايوي كوساما
الصورة: Samuel Mark Thompson

درس الطبيب النفسي «هافلوك إليس» عقلية الأشخاص المبدعين وأولئك المصابين بالذُّهان لإيجاد علاقة بين العبقرية والجنون، ثم جاء عالم النفس «هانز آيزنك» وراجع الدراسة ودعمها بأبحاث، واستنتج أن العبقرية لا علاقة لها بالذُّهان (Psychosis)، بل بالذُّهانية (Psychoticism)، التي عرَّفها بأنها استعداد باطني للإصابة بأعراض الذُّهان.

اعتقد آيزنك أن الإبداع صفة في الشخصية توفر القدرة على الإنجاز الإبداعي، لكن استيعاب هذه القدرة يكمُن في الصفات الشخصية للذُّهانية (في غياب الذُّهان)، ومنها الانطوائية والعدوانية والاندفاعية والعناد والإبداع، بالإضافة إلى الشغف لترجمة صفة الإبداع في صيغة إنجاز، عن طريق الأعمال الفنية على سبيل المثال.

هذا الشغف ينبع من جوانب مختلفة في الحالة الذهانية، من جانب التفكير المبالِغ في الحصر (Over Inclusion) على وجه الخصوص، معتبرًا هذا الجانب صفة مشتركة بين العبقرية والجنون.

وجدت كوساما طريقة لتترجم ذُهانها في إنجاز إبداعي بين العبقرية والجنون، وكأنها تثبت أن العبقرية والجنون طريقتان مختلفتان لإدراك الذات،  وأن ما تعكسه الحياة فينا من جنون كما يرى رونالد لينغ ، وما تغرسه فينا من صفات ذُهانية تعطي ركائز الإبداع كما يؤمن رأي هانز آيزنك، قد يكون هو العبقرية بحد ذاتها.

, , ,