الأقل حظًّا

السينما التونسية المؤنثة: سكوت.. إنهن يصوِّرن، ويصوَّرن

لقطة من فيلم «صمت القصور» - الصورة: سينيه تليفيلم 

 «نحب نجنَّح، نحب نطير». هكذا صاحت بطلة فيلم «موسم الرجال» للمخرجة مفيدة التلاتلي، صيحة تلخص كل آمالها وأحلامها، وتلخص جل مطالب الشخصيات النسائية في الأفلام التونسية وهواجسها، هواجس تتعلق بحلم الحرية، وبالتحرر من كل ما يعيقها ويكبلها، من سلطة الأخ والأب والزوج، من قيود العائلة والمجتمع، من سجن العادات والتقاليد والعيب والحرام.

هايدي تمزالي: مخرجة ثائرة على الذكورية

فيلم «زهرة» التونسي

لا يمكن الحديث عن سينما نسائية تونسية والمرور مرور الكرام على الدور الريادي الذي لعبته هايدي تمزالي، أول امرأة تدخل مجال التمثيل في تونس، من خلال فيلم «زهرة» سنة 1922، وهو من تأليفها.

تعد تمزالي أيقونة من أيقونات النضال والإبداع النسوي، فقد ارتبطت صورتها بصورة الثائرة ضد التبعية الذكورية، واحتكار الرجل للمجال الفني، وقد فتحت بظهورها الباب لبروز عدد من المواهب النسائية اللاتي كُنَّ أيضًا رائدات للتمثيل السينمائي في تونس، مثل حسيبة رشدي وفليفلة الشامية والزهرة فائزة، وغيرهن.

منذ ذلك الحين بدأت صورة المرأة المتمردة الباحثة عن الانعتاق في التشكل، وهي تقريبًا نفس الفترة التي بدأت تعرف فيها تونس تغيرات مجتمعية جذرية، أهمها صدور كتاب «امرأتنا في الشريعة» لمحرر المرأة الطاهر حداد، ثم صدور مجلة «الأحوال الشخصية»، التي كانت صدمة إيجابية زعزعت الفكر الرجعي المُكبِّل للمرأة.

قد يهمك أيضًا: أبرز الأفلام التي تناولت حياة وقضايا المرأة العربية

المرأة المخرجة

مشهد من فيلم «صمت القصور»

تُدخلنا مفيدة التلاتلي بفيلم «صمت القصور» إلى مجتمع أرستقراطي جميل من الخارج وفظيع من الداخل، يمتلئ بالاستغلال والتحرش والاغتصاب.

تنفرد الحركة السينمائية التونسية بظاهرة تميزها عن غيرها، هي وجود تيار نسوي أخذ على عاتقه تعرية معاناة النساء، إيمانًا بأن أنسب شخص يقدر على توصيل ما تشعر به المرأة إلى المتفرج هو المرأة ذاتها.

تقود هذا التيار المخرجة مفيدة التلاتلي، عميدة المخرجات التونسيات، وهي سينمائية شجاعة استطاعت عبر فيلميها «صمت القصور» و«موسم الرجال» تحطيم الحواجز الأخلاقية، والغوص في مكنونات المرأة العادية التونسية، ونبش عقدها النفسية بطريقة جريئة ومباشرة.

تُدخلنا مفيدة بفيلم «صمت القصور» إلى مجتمع أرستقراطي مصغر جميل من الخارج، فظيع من الداخل، وتفضح عن طريقه الاستغلال والعنف الجنسي، والتحرش، والاغتصاب المُسَلَّط على الخادمات من أولياء الأمور، وإجبارهن إما على الإجهاض القسري، وإما على تَحَمُّل رفض المجتمع لهن ولأبنائهن.

تكتب الناقدة المصرية خيرية البشلاوي في نقد «صمت القصور» أنه «فيلم من صُنع امرأة منسوج بحساسية مخرجة ثورية. والمرأة التي تشكل العمود الفقري وراء الكاميرا إنسانة ناضجة مثل الفيلم، الذي يطوي عالمًا نسويًّا يموج بالمعاناة والعبودية والأمنيات المجهضة والآمال البعيدة في عالم صامت أو محافظ. في عالم الصمت هذا، ترقد صرخات رهيبة وآهات محملة بمشاعر القمع، عَبَّرت عنها المخرجة في لقطات قريبة مشحونة بالدلالات والإحساس الفني والتعبيري. تعبير صامت وموجع خالٍ من المؤثرات الزاعقة وحس المليودراما الفج».

ترى خيرية أن الفيلم، رغم جوهره المتهجم وبطلته اليائسة من الخروج من كبتها الاجتماعي، قادر على إشاعة المرح أحيانًا، يؤكد أن صانعته متمرسة تخلق العلاقات بين الصور وتنسج المعاني.

سلمى بكار أيضًا من أوائل المخرجات السينمائيات، ولئن بدأت مسيرتها بأفلام السِّيَر الذاتية، فسرعان ما بدلت وجهتها وانضمت إلى «نادي» السينمائيات التونسيات المدافعات عن حقوق المرأة.

فيلمها «خشخاش» يبدو فيلمًا هادئًا بلغة سينمائية عاطفية لكنه يصدم المُشاهد بخطاب قاسٍ يعري المشكلات التي تعيشها المرأة داخل حياتها الزوجية: كبت جنسي، خواء عاطفي، شُح في المشاعر يُجبر البطلة على إدمان نبتة الخشخاش لنسيان الواقع المعيش.

عادت سلمى بكار في 2018 بفيلم لاقى نجاحًا جماهيريًّا، وبخاصة بين النساء، فقد أثار «الجايدة» معاناة المرأة التونسية قبل صدور مجلة الأحوال الشخصية، وتحدث عن جزء مظلم في تاريخ تونس المتمثل في «دار جواد»، وهو عبارة عن سجن للنساء المتمردات على النواميس المجتمعية، تُعاقَب بالزج فيه كل من سَوَّلت لها نفسها معارضة زوجها أو عائلتها بأي شكل.

بدهاء سينمائي كبير، أسقطت سلمى صدور مجلة «الأحوال الشخصية»، وبذلك تحرير نساء «دار جواد» وإغلاقها نهائيًّا، على الثورة القانونية الحالية في تونس، من إقرار للمساواة في الإرث وإلغاء للمهر والسماح للمرأة بالتزوج من أجنبي وإسناد لقبها لطفلها.

جيل مخضرم من المخرجات شجع على ظهور جيل جديد من السينمائيات، تربين على حرية التعبير والجرأة، وأكملن مسيرة كسر القوالب الجاهزة، وحطمن المُسلَّمات الفكرية، ما جعل إنتاجهن يلقى نجاحًا كبيرًا في جميع المهرجانات، ويحصل على جوائز عالمية. سينمائيات شابات حملن مشعل الإبداع والتحرر، من أمثال كوثر بن هنية وليلى بوزيد ونادية الفاني ولطيفة الدغري، وكثيرات.

قد يعجبك أيضًا: قصة نجاح الحركة النسوية في تونس

السينما التونسية والكليشيهات الجاهزة

لقطة من فيلم «الجايدة» - الصورة: سلمى بكار

الصورة التي يقدمها الفن التونسي ليست لها علاقة بالواقع، فهي موغلة في الإباحية أو في الانحطاط الأخلاقي والتأزم والمأسوية، أو خيالية رومانسية مثالية.

رغم اجتهاد عدد من السينمائيين والسينمائيات للارتقاء بالسينما التونسية وتخليصها من صورة السينما النمطية ذات الأماكن الحميمية وشخصياتها النسائية الماجنة المستهترة، ما زالت هذه الصفة تلاحقها.

عدد من النقاد يرى أن هناك هوة كبيرة بين واقع تونس وسينماها، وأنها لا تعالج القضايا الحقيقية للمرأة، بل أسهمت في تسريب ثقافة غربية دخيلة فرضها المُنتَج الأوروبي، أن عربدة المخرجات صنعت مشكلات وهمية من خلال تصوير المرأة دائمًا في صورة الضحية، والتركيز على صورة الرجل الغول المغتصب والخائن، المسؤول عن كل مشكلاتها، ما جعلها مسكونة بعداء الجنس الآخر، فصدَّرن أعداءً جددًا، وتغاضين عن الأعداء الحقيقيين للمرأة والرجل، من فقر وبطالة وتدهور اقتصادي وقوانين سالبة للحرية ونظام مضيق عليها.

تقول الممثلة جميلة الشيحي إن «الصورة التي تقدمها السينما أو الأعمال التلفزيونية ليست لها أدنى علاقة بالواقع، فهي إما موغلة في الإباحية، وإما في الانحطاط الأخلاقي والتأزم والمأسوية، وإما غارقة في الخيالية والرومانسية والمثالية. فأغلب الأعمال، إن لم أقل كلها، لم تطرح المسألة التي تُبرز واقع المرأة التونسية المثقفة المسؤولة والطالبة المتحدية للصعوبات، تلك المرأة المسكونة بالطموحات إلى الإنجاز والتغيير، لأني لا أعتقد أن المُشاهد يرغب في رؤية الصورة الفلكلورية التقليدية للمرأة التونسية، أو نقيضتها الإباحية، وكلها صور موغلة في السلبية متعالية على واقع هذه المرأة، تنفي عنها مَلَكَة العقل والقدرة على التفكير والفعل».

اقرأ أيضًا: «هز الخصر» كفعل مقاوم للفكر الذكوري في تونس

مع ذلك، وبالرغم من ضعف الإنتاج وانعدام التمويلات الذي يمثل عائقًا أمام بروز السينما التونسية عمومًا، يبقى الدور الذي لعبته وتلعبه السينمائيات التونسيات مهمًّا في تشكيل وعي عدد من النساء، وفتح فضاء أرحب للسينما. ومع صعود جيل سينمائي جديد ملتزم بقضايا شعبه ومنفتح على تجارب غيره، وخصوصًا متصالح مع حاضره، استطاع في ظرف وجيز أن يُخرج السينما التونسية وقاعاتها من أزمتها، وفي طريقه لتطوير الإنتاج السينمائي والارتقاء به إلى مرحلة جديدة.