منشور

هدايا الويك إند: يقدمها هذا الأسبوع الكاتب السعودي عزيز محمد

التصميم: منشور

هذا الأسبوع يختار لنا صديق «منشور» الكاتب السعودي عزيز محمد ما يفضله من كتب وأفلام وموسيقى.


طلب مني الأصدقاء في «منشور» إعداد قائمة بمفضلاتي من الكتب والأفلام والموسيقى. ولأني عادةً ما أجد صعوبة في الحديث عن مفضلات، أكتفي بالحديث عما ترك فيَّ أثرًا من أعمال، عَبرتُ أو أعدت العبور بها في 2018، وأقتصر على الأعمال العربية منها.

الكتب

أحد أبرز مباهجي القرائية خلال العام. الكتاب موسوعة مدهشة لما أحاط به القزويني من الكائنات والجمادات في زمنه بمختلف أنواعها وفصولها، وأجمل ما فيه جمعه بين العلم الرصين والخرافة دون أي تمييز بينهما.

في أحد الفصول تجد له شرحًا علميًّا دقيقًا وسابقًا لعصره عن وظيفة كل عضو من أعضاء الإنسان، وفي الفصل التالي يتحدث عن أُمة أهلها برؤوس بشر وأبدان أفاعي، ولهم أجنحة يطيرون بها.

اقتراب الخرافات من الوقائع إلى هذا الحد يحمل سحرًا خاصًّا، ويجعل الكتاب أشبه بهلوسة متدفقة لعقل عالِم مجنون، رجل شغوف بالكون إلى حد طفولي، وسرعان ما يُعدي القارئ فتنتقل إليه حمَّى الالتباس بين الحقيقة والخيال.

هذه الرواية، أو المتتالية القصصية كما توصف، أتذكرها دائمًا بكثير من الدفء، وأجد نفسي أعود إلى قراءة مقاطع منها بين حين وآخر.

التفاصيل اليومية التي يتوارى خلفها المعنى دون إفصاح، دون انعكاسات ذاتية تُبرِز شخصية السارد، ترفع القصة البسيطة إلى مستوى عمل مدهش في فنيته. «حَرفنة» أصلان، وهو هنا في أعلى حالات تَمكُّنه من صنعته، تبدو نتيجة تراكم خبرة طويلة في الكتابة، في تصفية السرد من كل ما يشوبه، أكثر من أن تكون مجرد مسألة «سهل ممتنع» كما يجري اختزالها عادة.

قدرة أصلان على الدمج بين الفصحى والعامية دون أن يُربك سلاسة النص أحد أوجه هذه البراعة. مقارنةً بنموذج نجيب محفوظ الكلاسيكي، يبدو لي نموذج أصلان، وبدرجة مقاربة خيري شلبي ومحمد البساطي، عصريَّ اللغة والحيل السردية والإمكانيات، وأتمنى أن يستوفي حقه من حيث رقعة تأثيره في الأجيال القادمة.

قرأت لهيثم «كيف تختفي» واستلطفته. أعجبتني قدرته على تقديم كل جملة في أذكى صياغة ممكنة. هذا هو الانطباع العام الذي يرتبط في ذهني عن نصوصه: الذكاء دون تكلُّف ولا استخفاف. حتى حين يربط النوم بالفعل الثوري والدلالات السياسية، فإنه يحافظ على توازن نبرته ولا يثقلها بالتحذلق.

أتذكر بالتحديد نَص «رقة الراديكالية» الذي يتناول النوم في مكان الاعتصام، ونص «المطمئن» الذي يتناول النوم وسط الغرباء في أماكن عامة، وهو أمر لطالما وجدت صعوبة في فعله قبل ذلك اليوم، حين قرأت النص في مقهى وسط مجمع تجاري: «النوم في فشله الاجتماعي لا يحوِّل المجال العام إلى مجال للجفاء والتجاهل، وإنما إلى مجال للثقة والاطمئنان. ففي قلب الإضراب الاجتماعي الذي يشكله النوم تلوح ثقة جديدة في الآخر». ممتن لكل الغفوات الهانئة التي حظيت بها بفضله.

قرأته للمرة الأولى في 2008 تقريبًا، وكنت حينها واقعًا في حب درويش بعد ديوان «كزهر اللوز أو أبعد»، الذي ظللت أقرأه حتى حفظت بعض قصائده.

 قررتُ أن أقتصد في قراءة هذا النص النثري، حتى لا أفسد أثره في نفسي بكثرة استدعائه من الذاكرة. ثم أعدت قراءته هذا العام، فراودني شعور بالخيبة تجاه بعض البلاغات التي فقدتْ سحرها الماضي، وشعور أكبر بالدهشة نحو كثير من مواضع الإبهار التي لم أستوعبها تمامًا في القراءة الأولى.

حتى حين يُفرط محمود درويش في تكثيف عباراته ويُثقلها بالأوصاف، يبقى إفراطه عذبًا، وموسيقاه الداخلية تحافظ دائمًا على رشاقة منعشة وحكمة مرحة، تعيد تذكيرنا بأنه رحل مبكرًا أكثر مما يجب.

هناك عبارة لأبي حيان التوحيدي يدرجها محمود في بداية «كزهر اللوز أو أبعد»: «أحسن الكلام ما قامت صورته بين نَظْمٍ كأنه نثر، ونثر كأنه نظم»، وأعتقد أنها تنطبق بشكل أدق على هذا الكتاب.

ربما لا يمكن تصنيف حجار ضمن الشعراء الأبرز في جيله، حتى ضمن كُتاب قصيدة النثر، لكنه بالنسبة إليَّ الأكثر شفافية.

تحمل النصوص بساطة الكتابة الفورية، التي لا يبدو أنها عبرت من خلال فلاتر التنقيح والتشذيب، والتي لا يمكن التطوير عليها في الوقت نفسه، إذ يصعب استبدال أي مفردة بأخرى.

مجرد رجل متعَب يكتب، لكن يكتب بأريحية مَن أتقن التعب، لا مَن تمكَّن منه تعبه. قصيدة «سوف تحيا من بعدي»، التي تقع في نهاية هذا الكتاب، كانت تَقاطعي الأول مع حجار. قرأتها لأول مرة في منتدى على الإنترنت، ومُذَّاك كل كتاباته، بل وحتى ترجماته، تُقرأ في ظل تلك القصيدة امتدادًا لها، وكأنه يكتب من العالم الآخر، مما بعد القصيدة التي تحمل نبرة الوداعات الأخيرة.

هذا ما يجعل لأكثر جُمَل بساطة حجار أثرًا بليغًا في نفسي، كل الجمل التي عاشت من بعده.

الأفلام

لقطة من فيلم «وفي الليل يرقصن» - الصورة: Films du 3 Mars, Les

«عندما غادرتُ بلدي لأول مرة، قال والدي لإحدى أَخواتي إنه أحس كما لو كانت يمناه بُترت. اليوم أعود لأحاول أن أقول إنني ربما لن أعود تمامًا».

بهذه العبارة يبدأ المخرج المغربي حكيم بلعباس توثيق عودته المؤقتة من أمريكا إلى مسقط رأسه في مدينة بوجعد. وهناك، نتقصى معه جذور شعوره بالذنب: شعوره بأن كل حركة منه محاولة لإرضاء والده، شعوره بـ«خيانته» لأخيه، والخجل لأنه يصور لأخته أنه يحسدها على البقاء مع والديه.

يبدو أفراد العائلة معتادين على وجود كاميرا حكيم بينهم، إذ يسمحون لها أن تكشف بشفافية كبيرة طبيعة علاقتهم الدافئة والمتصارعة معًا، العلاقة بين الانتماء والرغبة في التحرر، بين النأي واستمرارية الشعور بأن ما يحدث لواحد منهم يحدث للباقين.

هذه التناقضات المتجذرة في صميم المشاعر داخل البيت العربي خصوصًا، والتي تعكس جوهر فكرة العائلة بشكل عام.

أحد التعليقات على يوتيوب ذكر ملاحظة ثاقبة عن أن الفيلم يُذكِّره برواية فوكنر «عندما أرقد محتضرة»، وأعتقد أن هذا يعبر عن كثير مما تفادت لغة بلعباس الفصيحة التعبير عنه رغم رقتها، أو ربما بسبب رقتها بالأصح، لكنه عبر بطريقة ما من خلال الصور.

وثائقي المخرجة الجزائرية يمينة بن قيقي، المقتبس عنوانه من كتاب النفزاوي الشهير، يحاول أن يكسر قيود الحديث عن الجنس بحرية في المنطقة العربية، الجزائر تحديدًا، مُحيلًا إلى الإرث التاريخي العربي/الإسلامي المتسامح تجاه هذا الموضوع، كما يزعم الفيلم على الأقل.

حيوية الفيلم تصدر من حوارات الشوارع التي يستعرض فيها الجزائريون آراءهم وتجاربهم الجنسية بانفتاح أمام إغراء الكاميرا، حتى في قلب حمامات وصالونات النساء، حيث تجري بعض أظرف المحادثات وأكثرها عفوية.

فنيًّا، لا يقدم الفيلم كثيرًا مما يتوقعه المشاهد، ويبقى في جزء كبير منه مجرد جهد قاصر، نوعًا ما، مقارنةً بطموح موضوعه، لكن ما يستحق الاهتمام أنه يجلب الحديث عن الجنس إلى النور بصراحة ليست مألوفة سينمائيًّا، على مستوى الفيلم الوثائقي العربي على الأقل، ولعل السينما العربية في معظمها ما زالت غير قادرة على تناوله سوى عبر رمزيات مبتذَلة و«فيتيشيات» مثقلة بإيحاءات بالذنب، وإن بدت أحيانًا جريئة.

صُوِّر هذا الفيلم الوثائقي للمخرج السوري محمد ملص في مخيمات لجوء الفلسطينيين في لبنان، وفيه يطلب من اللاجئين سرد أحلامهم، في محاولة للوصول إلى ما يدور في لاوعيهم.

بعض المَشاهد صُوِّرت في صبرا وشاتيلا عام 1981، أي قبل عام واحد من وقوع المجزرة الشهيرة، ما يجعل الفيلم وثيقة مؤثرة.

نرى هؤلاء اللاجئين يكشفون عن أكبر مخاوفهم، وما تركته الحرب فيهم من ندوب وآمال دفينة، مطمئنين لشعورهم بأن الأسوأ قد حصل، لكننا ندرك، كمشاهدين، أنه فقط على وشك الحصول، وأن كل الفقد والقلق الذي وثقته الكاميرا منعكسًا في مناماتهم سيتحقق مضاعَفًا في الواقع وقت المجزرة.

يذكر ملص أنه يخيل له أن السينما، بطريقة ما، وسيلة لحفظ الأشياء حين يفشل الواقع في حفظها. ربما فقط بهذا المعنى يبدو فيلمه «المنام»، من زاوية نظر أقل يأسًا بعض الشيء، وثيقة لحفظ أحلام أولئك اللاجئين من الامِّحاء.

وثائقي لمخرجة كندية، لكنه يتحدث بالعربية، وأحداثه تجري في القاهرة. يتتبع الفيلم الروتين اليومي لعائلة من راقصات الأفراح الشعبية، بقيادة الأم «رضا»، خلال حملها بطفلها الثامن، وبعد فترة بسيطة من وفاة زوجها.

لا يقع الفيلم في فخ السياحة السينمائية، إن صح التعبير، كما يحدث لوثائقيات كثيرة من نفس النوع، بل يعرض أجمل وأقبح ما في تلك الحياة الصعبة دون تعاطف فوقي ولا تزويق جمالي للفقر، ويترك لأفراد العائلة أن يعبروا عن أنفسهم بما يكفي لتشعر بأنك تألفهم جيدًا عند نهايته، تألف حتى جارتهم «لوزة» الحاضرة دائمًا لاعتراض الشتائم والدعوات والصراعات بين الأجيال وتلطيف الأجواء المشحونة.

يبدو حضور المخرجة «إيزابيل لافين» خفيًّا، وهي تصور كل هذه المشاهد الصدامية والطريفة في أحيان كثيرة من داخل غرف النوم ووسط الأفراح، وحتى في غرفة الطبيب، دون أن تؤثر في ما يجري.

إذا كان الناس في «الروض العاطر» يميلون إلى الاستعراض في حضرة الكاميرا، فهم هنا يبدون في أكثر حالات عدم الاكتراث بوجودها، ولا يمكن تَصوُّرهم يتصرفون بطريقة مختلفة خارج فضاء الفيلم، وهذا أكثر مظاهر نجاح الفيلم التسجيلي الذي يحاول الإيحاء باقترابه من الحقيقة قدر الإمكان.

بدأ التونسي مارسيل حنون مشواره في محيط الموجة الفرنسية الجديدة بفيلم «A Simple Story» عام 1958، الذي يقع في نقطة ما بين أفلام الموجة وأفلام «روبرت بريسون»، لكنه انفصل عنها لاحقًا لصالح سينما أكثر استقلالية وتجريبية.

بالأخذ في الاعتبار مستوى التغييب الذي تعرَّض له حنون خلال مشواره السينمائي الممتد لأكثر من 50 عامًا، وإن كان تغييبًا ذاتيًّا بالدرجة الأولى، ربما يكون من المقبول خرق القاعدة بالحديث عن أفلامه رغم فرنسيتها. أبرز هذه الأفلام «رباعية الفصول»، التي أفضِّل فيها الجزء الثالث «الربيع».

لعل أكثر ما تخرج به من هذا الفيلم هو انطباع. ليس فهمًا للقصة، بل استغراق في الطابع الحِلمي للمَشاهد التجريدية بالأبيض والأسود للممثل الفرنسي المعروف لاحقًا «مايكل لونسديل» وهو يهرب وحيدًا في الحقول، إضافة إلى حسية المَشاهد الملونة للطفلة التي توشك على البلوغ، بينما نتابع روتينها اليومي مع جدتها في دفء منزل ريفي.

لا يوجد رابط واضح بين الشخصيتين، لكن الفيلم يبني على عدم تقاطعهما بالذات. «يومًا ما سنتوقف عن أن نطالب الأفلام بأن تكون منطقية، كما أننا لا نطالب الموسيقى بأن تكون منطقية، ولن يعود من الضروري أبدًا أن نروي قصصًا جميلة». هكذا يقول المخرج، الذي يلعب دوره مايكل لونسديل أيضًا، في «الخريف»، آخر أفلام الرباعية والجدير بالمشاهدة بدوره.

الموسيقى

المغنية التونسية صلُّوحة - الصورة: Saisons tunisiennes

سأخصص فقرة الموسيقى لصلُّوحة (الشهيرة بصَليحَة)، التي كانت الرفيقة الأثيرة لسماعات سيارتي خلال 2018.

كنت اقتنيت في ديسمبر 2017 أعمالها الكاملة في ستة أقراص من إصدارات مركز «النجمة الزهراء» العريق في سيدي بوسعيد، ولم أكن قبلها أعرف هذه المطربة التي أخبرني دليل المتحف أنها النظير التونسي لأم كلثوم.

ربما لا تكون مقارنتها مع «الست» فكرة جيدة، إلا أن رصيدها الغنائي، في جزء منه، يشكل نوعًا من الاستمرارية لعصر النهضة الموسيقية العربية. فحين كانت مصر تدخل عهد الأغنية الطويلة في ثلاثينيات القرن العشرين، كان رواد المعهد الرشيدي يستجلبون لتوهم رصيد المشرق العربي من القصائد والأدوار والطقاطيق، ويدمجونها في قوالبهم الغنائية، كوسيلة لتحصين هوية تونس العربية من غزو الثقافة الفرنسية.

صليحة، التي كانت المطربة المفضلة لهذا العهد، كان لديها فوق ذلك موروثها الغنائي الشعبي من نشأتها البدوية، الذي يمكن تتبعه في صوتها وأدائها ونطقها الحروف التي تمنحها شخصيتها الغنائية المميزة.