منشور

هدايا الويك إند: يقدمها هذا الأسبوع الكاتب السعودي أشرف فقيه

التصميم: منشور

هذا الأسبوع يختار لنا صديق «منشور» الكاتب السعودي أشرف فقيه ما يفضله من كتب وأفلام وموسيقى.


طلبوا مني في «منشور» أن أكتب عن مفضلاتي للكتب والأغاني والأفلام، وهذا طلب فيه من الطرافة الشيء الكثير، فأنا أفضِّل الموسيقى التصويرية للأفلام، وأستمع لهذه المفضلات حين أكتب أو أقرأ.

مفضلاتي للكتب والأغاني والأفلام؟ إننا نتحدث عن الشيء ذاته يا... لكن بثلاث صيغ مختلفة.

لا شك أن الأغاني جميلة، لكن «الموسيقى»؟ صوت الآلة المنفرد والمتسق رياضيًّا مع كهرباء الدماغ.. الموسيقى الصرفة.. صوت الفكرة ولغة الفلسفة، ذلك ما أفضله.

أُحب عبد الحليم والسِّت وطلال مداح وجوليا بطرس. لكن الموسيقى الخام.. عالم آخر جدير بالاحتفاء. «قارئة الفنجان» أغنية عادية لولا ألحان الموجي، وردة فنانة عادية لولا ألحان بليغ. اللحن.. الموسيقى.. وعن موسيقى الأفلام سأتحدث. الأفلام ثم الموسيقى ثم الكتب، هكذا أضرب ثلاثة عصافير بحجر. الحقيقة أنه عصفور واحد كبير.

***

في عام 1995 ظهر الفيلم «Seven»، بطولة براد بيت ومورغان فريمان، مع ظهور خاص جدًّا لكيفين سبيسي. فيلم خرافي. وأنا مراهق هش كنت مفتونًا بوسامة براد بيت ورقَّة جوينيث بالترو وفخامة حضور فريمان.

أذكر جيدًا المشهد الذي يصور المحقق (فريمان) في المكتبة العامة بين أرفف الكتب، باحثًا بين العناوين والمراجع، دارسًا نفسية القاتل المجهول الذي سيرتكب سبع جرائم.

أذكر جيدًا اللقطة التي يتناول فيها كتابًا اسمه «الكوميديا الإلهية»، وكيف يوبخ حراس المكتبة لأنهم يضيعون الليل في لعب الورق فيما هم محاطون بكنوز المعرفة. يُسكته الحراس بأكثر الأساليب أناقة: يرفعون صوت المذياع، الموسيقى سماوية من عالم آخر تزيد المشهد روعة، تجعلك تحس ملمس الورق في أناملك ورائحته في «خياشيمك».

انتظرت عدة سنوات حتى «أغوغلها» لأعرف أنها مقطوعة «Air» من تأليف «باخ». صرت أحب باخ، وفيفالدي بفصوله الأربعة، وبيتهوفن بسيمفونيتيه الخامسة والتاسعة. صرت أسمع لهم في ليالي المذاكرة حين كبرت أكثر والتحقت بالجامعة. أنا مدين لفيلم «Seven» بهذه الهواية الفاخرة، مثلما يدين براد بيت لي بمراهقة طافحة بالخيبة.

لم أقرأ «الكوميديا الإلهية» حتى الآن.

في الجامعة أيضًا تعرفت إلى عوالم أمين معلوف: «الحروب الصليبية» و«صخرة طانيوس» و«سمرقند» و«رحلة بالداسار».. و«ليون الإفريقي». آه يا ليون، آه يا حسن يا وزَّان.

أُحب أمين معلوف كثيرًا لأنه يحطم أُطُر الزمان والمكان، لأنه يتلاعب بالهوية كسروال مثقوب جدير بالاستبدال لولا الإخلاص للذكريات والعِشرة، وكذلك لأن كتاباته تكاد تكون مَشاهد سينمائية لفرط وضوحها ومباشرتها.

أذكر جيدًا.. جيدًا جدًّا.. ليلة قراءتي مقطع إعدام طومان باي على باب زويلة في «ليون الإفريقي». جعل أمين معلوف الشخصية تقف مرفوعة الرأس، جعله يهتف بالحشد المحيط قبل أن يعلقوه من رقبته: «اقرأوا لي الفاتحة».

كنت أرتجف إثارةً. ليس لأن النص بديع وحسب، بل بسبب الموسيقى المشتغلة في الخلفية بصدفة مدهشة. دون ترتيب ولا تخطيط كانت موسيقى «الإعدام» من الفيلم العظيم «Braveheart». تعلقت بإسكتلندا بسببه. وأحببت المؤلف الموسيقي «جيمس هورنر»، الذي سيضع موسيقى «تايتانك» بعدها بعامين، ثم يموت شابًّا، لكن بعدما جعل جيلي يصرخ «Freedom» مع «وليام ولاس» فيما الإنجليز ينتزعون أحشاءه، في ذات اللحظة التي علَّق فيها أمين معلوف آخر مماليك مصر على باب زويلة في خيالي المشتت بين العوالم.

***

حين أكتب، أستخدم الموسيقى محفزات للقريحة. الموسيقى وليس الأغاني. لا يسعك أن تستحضر الكلمات من عالم الغيب والإلهام فيما غيرك يترنم ببديع الكلام. الكلام لا يجتمع مع الكلام، أما الموسيقى فقهوة الإبداع. طبعًا أنا أقر هنا بأني مبدع، وهذا شأني.

المهم.. حين كتبتُ «المخوزِق» استحضرت القصة الحقيقية لدراكولا، الذي كان أميرًا رومانيًّا شريرًا حارب الأتراك بشراسة وضعته في ذات المرتبة مع أساطير الوحوش. كتبت عن دراكولا الشرقي مستحضرًا تفاصيل «دراكولا» الذي ابتكره «برام ستوكر» في عمله الشهير عام 1897، ومستمعًا لموسيقى الفيلم الذي يحمل الاسم ذاته من إخراج «فرانسيس فورد كوبولا» عام 1992.

الفيلم سيئ للأمانة، وإن كان أداء «غاري أولدمان» ممتازًا. أما المخرج فرانسيس فورد كوبولا، فلا يضره ما يصنع بعد 1972، لأن «The Godfather» أعظم فيلم في التاريخ، وهذه معلومة وليست برأي.

ولأني أكتب أعمالًا تاريخية، أَستحضر روح المرحلة بالموسيقى التراثية. وصف الحقبة العثمانية مثلًا يستدعي أعمال المبدع «جوكسيل باكتاغير»، الذي استعارت ألحانه الساحرة لينا شماميان: نسيج وحدها في عالمنا العربي. عوالم الشرق الآسيوي تناسبها أنغام «أنوشكا شنكار».

***

أُحب أن أستمع إلى الموسيقى في «الجيم» أيضًا. هذه موسيقى من نوع مختلف، كفيلة بضخ الأدرينالين في العضل. معركتي مع الشحوم تضاهي في عنفها أعظم مشاهد القتال. القائمة هنا تطول لتشمل موسيقى أفلام مثل «Rocky» و«Eye of the Tiger» و«Pacific Rim» و«Gladiator» و«The Last Samurai».

بعيدًا عن الحجارة والعصافير، أحب كتابات «روبرت سوير» في الخيال العلمي، وطارق علي و«ديفيد ليس» في الرواية التاريخية.

أعتقد أن ليو تولستوي أفضل روائي في تاريخ الكرة الأرضية، ويوسف إدريس أفضل من كتب القصة العربية. قرأت مؤخرًا «نظافة القاتل» من تأليف «إيميلي نوثومب»، وأعتقد أنها رواية كاملة، لا تنافسها إلا أعمال ساراماغو، ويمكن أن توضع «اللامتناهي في راحة اليد» لـ«جيوكندا بيللي» في نفس المرتبة.

إذا كنا سنتكلم عن العناوين التجارية الموصَى بها، فهناك ثلاثية «The Girl with the Dragon Tattoo» لـ«ستيغ لارسون»، والتي تعد أقلها فداحة. تحولت إلى فيلم رديء بنفس العنوان، وكان أفضل ما فيه اعتماده على موسيقى «Immigrant Song».

أُحب أغاني فرقتَي «Queen» و«The Cranberries»، وأعشق صوت صباح فخري، وأستمع إلى «مضناك» باستمتاع ولو أدَّاها درفيل معدَّل وراثيًّا.

أُحب موسيقى «مايك ماسي» التصويرية. وأما ما فعله طارق الناصر وطاهر مامللي للموسيقى التصويرية في المسلسلات العربية، فاستثنائي. ولا شك أن التعلق بصوت فيروز من مقتضيات الفطرة السليمة.

أعتقد أن فيلم «الأرض» أعظم ما أنتجته السينما العربية. يليه في المرتبة الثانية «زوجة رجل مهم». أفلام «أكيرا كوروساوا»، وبالذات «Seven Samurai»، تستحق حياة مستقلة لتقديرها. إنني مستعد لمشاهدة «Legends of the Fall» مرة كل شهر. أما «The Dark Knight»، فآخر فيلم محترم أنتجته هوليوود قبل أن تتولى نتفليكس زمام الأمور. هذه أيضًا معلومة وليست رأيًا.