سلطنة

حكايات ذاتية جدًا: عمار الشريعي.. وآخرون

يمكن تعريف طفولتي بأنها المرحلة التي عرفتُ خلالها أغنيات علي الحجار ومدحت صالح بصورة جيدة، في حين أني لم أشترِ يومًا شريط كاسيت لعمرو دياب. ربما يكون السبب في ذلك هو نشأتي في بيت تقليدي للغاية، سلَّم نفسه ضمنيًا للتليفزيون المصري، ليصبح كل ما يبثه هو العامل الأساسي المشكِّل لتكويني، دون اختيار أو إرادة حرة مني. أذكر بالأخص المسلسلات الدرامية المصرية التي قضيت طفولتي أمامها، أتنقل من مسلسل لآخر ومن حكاية لحكاية ثانية، وأتورط تجاه الجميع لدرجة افتقاد الأبطال.

نتيجةً لذلك، تشكَّلت ذاكرتي الموسيقية عن طريق التترات الغنائية (شارات البدء والنهاية) لكل مسلسل أتابعه، أشاهد التتر بنهم حقيقي، وأتبارى مع شقيقتي في حفظ الأغنيات خلال عشرة أيام؛ فـالتليفزيون المصري كان يرى التترات غير ذات أهمية، بالتالي يتوقف عن بثها بعد الحلقة العاشرة ؛ ليستبدل بزمنها فاصلًا إعلانيًا يدرُّ أموالًا. كنا نردد الكلمات معًا دون أن نعيها، مع الحرص على الصمت بين الكوبليهات، فقط لنسمح للموسيقى بالتسرب داخل رؤوسنا.

بالطبع لم يسمح عمرنا الصغير بالتفكير فيمن يقف وراء تلك الأغنيات، فضلًا عن جهلنا بمعنى كلمة مؤلف أو ملحن أصلًا، كنا فقط نعرف أن جميعها أغنيات جميلة ذات رنين، وأن هذا الرنين يسري في رؤوسنا ما إن نبدأ نحن بترديد مقاطع الكلمات ذات النهايات الموحدة.

لاحقًا، عرفت أن هذه الكلمات تُدعى شعرًا، وأن كاتبها يُدعى شاعرًا، وأنه يختلف عن المؤلف، وأن الشعر يظل كلامًا حتى ينفخ فيه الملحن من روحه، فيتحول لأغنية. وأن الكلمات بطبعها سريعة التبخر، بعكس اللحن الذي يعلَقُ بالذاكرة، وأن معظم ذاكرتي السمعية (التي تكونت من أغاني المسلسلات وفوازير نيللي وشريهان بالأساس) شارك فيها شعراء عدة، وبثَّ فيها ملحن واحد من روحه، كان بمثابة عمود فقري لها، وأن هذا الرجل يُدعى عمار الشريعي.

«بيسمعوا دبِّة النملة»

هكذا أجابتني أمي عندما سألتها عن بطل فيلم «الشموع السوداء»، وقدرته الخارقة في التعرف على الناس من صوت وقع أقدامهم. قالت لي وقتها إن فاقدي البصر عمومًا تتطور لديهم حاسة السمع بدرجة كبيرة. لم أقتنع بكلامها، غير أن الأمر ذاته تكرر مع الشيخ حسني الأعمى في فيلم «الكيت كات»: «يوسف، عرفتك من خطوة رجلك». فآمنت بأن الكفيف يسمع دبَّة النملة، وآمنت بأن عمار تحديدًا لا يكتفي بسماع دبَّة النملة، وإنما يفرزها لمقامات موسيقية ، ويطوِّع تلك المقامات لترتكز عليها نغمات، ومقاطع، وجُمل لحنية.

وقتها لم أكن دارسة للموسيقى، في الواقع لم أدرسها بتوسع أبدًا. إلا إن الموسيقى تداخلت مع دراستي للسينما هذا العام بدرجة كبيرة. لمدة عام يتم حشو رأسي بمصطلحات أفهم بعضها وأمرر معظمها دون استيعابه، وأتوقف عند مصطلح «الضرورة الدرامية» للموسيقى، التي تكون آخر خطوة في عملية صناعة الفيلم، إذ يضيفها الموسيقي بعد مشاهدة الفيلم كاملًا ليتمكن من تحديد لحظات الذروة الدرامية، التي تمتثل في ملامح الممثل بالأساس وانفعالاته، لحظات انكساره، أو شكه، أو ضعفه، مشاعر داخلية لا يُفصح عنها الممثل في هيئة قول.

موسيقى «أرابيسك» اكتسبت جماهيرية أمَّنت لها الأحقية في أن تُجمع لاحقًا في ألبوم موسيقي مستقل.

يتطلب الأمر دقة شديدة لخلق تزامن بين حركة الممثل والإيقاع الموسيقي المصاحب له، دقة تحتاج لنظر صحيح في المقام الأول. أعود لمنزلي وأراجع مشهدًا صامتًا تسرد فيه موسيقى عمار بداية حب يجمع عادل إمام بسعاد حسني من فيلم «حب في الزنزانة»، فأجد الجُمل الموسيقية تتوافق بدقة مع الإشارات المتبادلة بينهما.

أسأل محرك غوغل: كيف فعلها الشريعي وهو ضرير، فلا يمنحني إجابات، يقول فقط إن المخرج حسين كمال لطالما قال له: «انت بتخدعنا وبتشوف على فكرة». أكرر سؤالي، فيسعفني الشيخ حسني من فيلم «الكيت كات» بالجواب : أنا أشوف في النور، وفي الضلمة كمان.

أرابيسك: موسيقى الأزقة الجانبية

أبي أيضًا أحبَّ كل ما صنعه عمار، لكن أكثر ما تعلَّق به كان تترات البداية والنهاية لمسلسل «أرابيسك»، ربما أكثر من تعلقه بأحداث المسلسل نفسه. أقدم ذكرى لي هي وقوفي بالقرب منه، بينما يسجِّل التترات ليتمكن من سماعها وقتما يشاء. الحقيقة أن أبي لم يكن حالة فردية، فموسيقى «أرابيسك» اكتسبت جماهيرية أمَّنت لها الأحقية في أن تُجمع لاحقًا في ألبوم موسيقي مستقل، كان له قدر نجاح المسلسل تقريبًا.

أستمع لـ«أرابيسك» كثيرًا هذه الأيام وأحاول أن أفهم سبب تعلُّق أبي بها. هل السبب هو اختلاف طبيعة الكلمات المكتوبة لها؟ أنها ليست كأغاني عبد الحليم حافظ مثلًا، لا تتحدث عن الحب الذي لم يعد له مساحة وسط سباقات الهرولة اليومية، بل عن أمور أخرى؛ عن الزمن المنفلت من بين أيدينا «كإنه سحبة قوس في أوتار كمان»، وعن الأيام التي «تنفرط عقود كهرمان». أستمع إلى «أرابيسك» وأفكر أنها موسيقى تترجم الهزائم، العاديَّ منها خصوصًا، فمن بعد العشرين ثانية الأولى في المقطوعة، تغيب الملحمة عن الموسيقى تمامًا.

أستمع لها أثناء كتابة هذه السطور الآن وأصل إلى أن جماليتها كانت في وضوحها؛ لا تبالغ في تقديم الهزيمة كما لا تحاول تقديم المواساة، فقط تسرد ما حدث على الهوامش وفي الأزقة الجانبية من خيبات، تحديدًا ما سيستمر في الحدوث.

انتهى عرض مسلسل «أرابيسك» بانتهاء أحداثه، فانقطعت شخصياته من بيتنا وتوارت في الخلف، أما الموسيقى فلم تنقطع أبدًا. سمعها أبي كثيرًا، كثيرًا جدًا، لم يتوقف عن سماعها حتى حان أجله وتوفي بعد عرض المسلسل بستة أعوام . أظن أنها، وبشكل أفهمه أحيانًا وأعجز عن فهمه غالبًا، كانت تشدُّ من أزره.

أحلام هند وكاميليا: موسيقى الهوامش

لم أتخيل محمد عبد الوهاب أبدًا ملحنًا لتترات مسلسلات التليفزيون. بالطبع يختلف الأمر مع المسلسلات الإذاعية، فالرجل كان من المتحكمين في الإذاعة ويعاملها كأحد ممتلكاته (ومن حكم في ماله...)، أما التليفزيون فهو الاختراع الذي جاء لتسلية الأسرة المصرية بجميع فئاتها، كل ما يعرضه يُفترض أن يكون مسلٍ، وعبد الوهاب أجلُّ من ذلك. عبد الوهاب كان يليق بأم كلثوم في المقابل، وأنا، بعكس أمي، لم أستطع أن أحب أم كلثوم إلا متأخرًا، في مرحلتي الثانوية ربما، أما في التاسعة من عمري، فقد كنت أحب المسلسلات.

كانت موسيقاه هي التي تطرق بابنا لمدة ثلاثين يومًا.

ربما يكون هذا هو ما دفعني، وكثيرين غيري، للتعلُّق بموسيقى عمار بعيدًا عن أي عوامل نوستالجية، فقد أحبتها أمي لمجانيتها، وأحببتها أنا لتباسطها؛ لأنها تحترم الجميع، وتقدم نفسها من خلال سياق سهل ومناسب كالمسلسلات. لم نسعَ لموسيقى الشريعي، هي التي سعت إلينا. لم تسعَ أمي لأغنياته مثلما كانت تفعل مع أغنيات أم كلثوم، بل كانت موسيقاه هي التي تطرق بابنا لمدة ثلاثين يومًا، في موعد زمني متفق عليه مسبقًا، وبصفة مستمرة تجعل تردُّدها في بيتنا أمرًا بديهيًا.

للسبب ذاته لم أشعر أبدًا تجاه الرجل بالرهبة التي أحسها تجاه السنباطي مثلًا، ربما لأن كثرة تردد ألحانه في طفولتي خلق نوعًا من المعايشة تجاهه، كما لو أنه أحد أقاربي، دون حواجز تستلزم القفز فوقها، أو ربما لأن موسيقاه ليست من النوع الفاخر الذي يحثك على ارتداء ملابس رسمية ، مثلما تفعل موسيقى عمر خيرت، أو ربما ببساطة لانحيازه للهوامش. السبب الأخير هو ما دفع المخرج محمد خان للتعاون معه في فيلم «أحلام هند وكاميليا»، لأنه ليس هناك من هو أصلح لكتابة موسيقى فيلم يتحدث عن خادمتين على هامش المجتمع، غير ملحن تعرض للتهميش طويلًا بسبب إعاقته.

لكننا إيدينا قصيّرين

في أواخر عام 2010، انتشر المشهد الأخير من فيلم «البريء» على مواقع التواصل الاجتماعي. المقطع نفسه حذفته الرقابة لسنوات من نسخة الفيلم المتاحة للجمهور، ومع استشهاد خالد سعيد، انتشرت أغنية «محبوس يا طير الحق» من الفيلم ذاته بصوت عمار الشريعي، والغضب المتصاعد هذا وصل إلى ذروته في يناير من عام 2011.

تعددت الخسارات لتبتلع الأبنودي وعلي الحجار وغيرهما بمواقف سياسية مؤيدة للنظام الحالي.

أظن أن الثورة ساعدتني في إعادة اكتشاف موسيقى عمار. الأغنيات التي لم تفهمها ابنة التاسعة، استوعبتها جيدًا بنت العشرين. وقتها، كنا لا نزال نجرؤ على الحلم، نردد «حبيبتي من ضفايرها طل القمر»، ونعيد نشرها مرارًا وتصيبنا كلماتها بعدوى الأمل، ثم نتحول إلى «ماتمنعوش الصادقين» في كل مرة يتم فيها استضعاف الحق، ولمَّا تخبو الأحلام كنا نتجه مباشرةً نحو «لو مش هتحلم معايا». كانت أغنيات الشريعي والحجار أيقونات للثورة، حتى ولو لم يتعمد أيُّ منهما ذلك.

عقب عام واحد مات عمار وبعد عام آخر كانت مجزرة رابعة، وما بعد رابعة لا يشبه ما قبلها؛ مقاييس الحكم على الأمور اختلَّت بقدر كبير، فتعددت الخسارات لتبتلع الأبنودي وعلي الحجار وغيرهما بمواقف سياسية مؤيدة للنظام الحالي، فأتذكر الشريعي وأسائل موقفه، ثم أتذكر مداخلته في أحد البرامج خلال الأيام الأولى للثورة، وأتوقف عند جملته التي وجهها لمبارك: «أنا اللي لحنت حفلات أكتوبر 12 سنة، وأنا اللي امتنعت عنها 10 سنين»، وأقرر تجاهل بقية حديثه، الذي يخيفني قليلًا من احتمال اتِّباعه لموقف رفيقيه، وأفكر أن موته رحمة له ولي.

بعد مرور ما يقرب من ستة أعوام على الثورة، أقلعتُ عن المشاركة في أي أحلام جماعية ثانية. تغيّرتُ للغاية؛ صرتُ أرى جملة «حبيبتي من ضفايرها طل القمر» أجمل كثيرًا من أن تكون موجهة لمصر؛ لأن «الحلوة أم قلب كبير» أصبحت تبتلع الولاد، بدلًا من أن تضمهم. في المقابل، أصبحت «يا حبيبتي الشمس مش بعيدة» هي أغنيتي المفضلة من ألحان عمار.

يمكن تعريف السنوات الست الماضية من عمري، بأنها المرحلة التي أقلعتُ فيها عن ملحمية «شوقنا في عروقنا يصحي شمس الشروق». الآن، أصبحت أحب «يا حبيبتي» لأنها تخبرني، بوضوح ودون أي مواربة، بحقائق بسيطة لا تزال صالحة لإثارة دهشتي، كأن «الشمس مش بعيدة» وأن «احنا إيدينا قصيرين». هزيمة أخرى، كهزيمة أبي التي ترجمتها «أرابيسك».