حرف جر

التاريخ الذي لم يُكتب: ثلاثية رضوى عاشور غير المقصودة

«في لحظة الموت يبدو الحزن كجبل لا يتزحزح، ويتزحزح» - رضوى عاشور، «حجر دافئ».

في نهاية عام 2013، كنت في إحدى المكتبات أنظر إلى الكتاب الأخير للكاتبة المصرية رضوى عاشور، «أثقل من رضوى»، بشكل فاتر مليء بالشك والهواجس.

اقتربت من الكتاب ورأيت أنه، كأغلب أعمالها، انعكاس أو مَقْطع من سيرتها الذاتية. ولم أكن أميل إلى السِيَرِ الذاتية، فالقصة بالنسبة إلي تمثل حقيقة الوجود. التيه والصراع الذي يعانيه أشخاص وهميون هما أساس التساؤلات الشهيرة عن الهدف من الحياة. ولهذا وضعت الكتاب مرة أخرى وشبح إبراهيم أصلان يحوم خلفي.

قبل تلك اللحظة بعدة أشهر كنت قد قرأت «أطياف»، أُولَى قراءاتي لرضوى عاشور، وهو أيضًا كتاب سيرة ذاتية. أملك طبعته التسعينية القديمة التي أصابتني بالحيرة. أتذكر دهشتي من أسلوبها القوي المائل إلى الجفاف وبنائها الأدبي الراسخ بقوة تخلو من فجوات.

لم أعهد كاتبة مثلها من قبل. توقعت أسلوبًا أكثر رقة وكلمات أكثر نعومة لِما كان يحمله العنوان ويُظهره الغلاف، ولأن أدب السيرة الذاتية أغلبه يقع في منطقة التجربة الشعورية التي تحتاج إلى لين الكلام، ولأني أيضًا تصورت أن سيرة ذاتية لامرأة عربية ستمتلئ بكلمات التمرد الناعمة، إلا إنني كنت مخطئًا تمامًا.

أتذكر تيهي آنذاك والخليط الذي حدث داخلي بين الإعجاب والإحباط. لستُ مولعًا بالسير الذاتية. أنهيته بشكل محايد مع فضولٍ بتجربة أخرى للكاتبة. وعلى مدار عامين بدأت أكتسب وأكتشف ما قدمته.

بدأت بالبحث عن أعمالها القديمة لأنني تعلمت أن معرفة الكُتاب الحقيقية تبدأ من بداياتهم، ولأن أعمالها الثمانينية القديمة، كأغلب جيلها، كانت مُهمَّشة ومتوقفٌ طباعتها (قبل موتها)، لذا فكانت رحلة البحث عن «حجر دافئ»، بطبعته القديمة لدار المستقبل العربي، بين الكُتُب العتيقة الملقاة على المناضد الترابية في سور الأزبكية، إحدى المصادفات التي زادت من حظي العادي.

كان «حجر دافئ» كتاب يرمز إلى كل ما يحمله الدفء من ألم ومحاولات، لينتهي نهاية شاعرية وسط بناء أدبي راسخ تُسرب أحجاره الضخمة المشاعر كماء صامت. عندها أدركت أن رضوى عاشور كاتبة استثنائية، وأدركت أن شهرتها المتواضعة دليل على استثنائيتها، ولم أكن أعلم أن «حجر دافئ» الجزء الأول من ثلاثية خفية.

ثلاثية غير مقصودة

كولاج لغلاف رواية «حجر دافئ» من تصميم الكاتب

الكتاب الذي رفع رضوى عاشور إلى أفق الشهرة الأدبية هو «ثلاثية غرناطة». ورغم أن غرناطة نُشرت كثلاثية في طبعتها الأولى (لأسباب أغلبها يتعلق بتكاليف النشر)، فإنها رواية واحدة ارتبطت بها صفة الثلاثية بعد أن جُمعت الأجزاء الثلاثة في كتابٍ واحد.

بالطبع الثلاثية التي أقصدها هنا لن تتمحور حول هذه الثلاثية الشهيرة عن سقوط الأندلس. الثلاثية التي أتحدث عنها غير مقصودة. ولأني أحاول أن أكتب كقارئ يبحث عن البدايات، اعتبرت «حجر دافئ» كتابها الأول عن التاريخ الحديث الذي لم يُكتب، والذي عاشه آباؤنا تحت غيوم أجدادنا، كما نعيش نحن الآن تحت غيوم الآباء، لأن الغيوم توَرَّث كما يوَرَّث القمع والجهل، ولأن التاريخ يتكرر بكل الأخطاء والآلام والمشاعر والخسائر الصغيرة التي لم تكن أبدًا صغيرة.

أبشرك أيها الجيل المتمرد الآن، بأنك ستُكوِّن غيومًا لاحقًا ليعيش تحتها أولادك. هذا الصراع الأزلي بين جيل وجيل وبين أب وابن وبين «خديجة وسوسن».

الرواية مكتوبة في الثمانينيات، وهذا دليل على عبقرية أدبية سبقت فيها كل الأفكار الحديثة في البناء القصصي وتكوين الشخصيات.

«ليست حرة تفعل ما تشاء! إنها ابنتي وعليها أن تطيعني بالشرع والعرف والقانون» - رضوى عاشور، «خديجة وسوسن».

لعل عنوان روايتها «خديجة وسوسن»، والذي أعتبره الجزء الثاني من الثلاثية، يبدو سخيفًا ساذجًا للوهلة الأولى، يجمع اسمين ذوي طابع كلاسيكي يتماشى مع محاولات الطبقة البرجوازية المضمحلة للتمسك بأطلال العصر الملكي ووهم المظهر الأوروبي، إلا أن سخافة العنوان هي رمزية مجردة لحقيقة الصراع المستمر بين الأجيال. الأم والابنة خارج حيز المكان والزمان وما يحدث وأين يحدث هو مجرد خلفية لكينونة الصراع.

ما يميز هذه الرواية سرد المنظور، فنرى الأحداث من منظورين. تنقسم الرواية إلى نصفين: نصفها الأول من منظور الأم التي تصارع الأجداد حتى يستمر التتابع الزمني ليأخذنا إلى النصف الثاني، الذي تسرده الابنة وهي تصارع أمها.

المنظوران منفصلان بشكل ملحوظ رغم أنهما في نفس الحيز الزماني والمكاني، وهذا يطرح المعضلة الفلسفية التي تحاول الوصول إلى تعريف لحقيقة الوجود، والتي بالطبع تختلف من باحث إلى آخر.

الرواية مكتوبة في الثمانينيات، وهذا دليل على عبقرية أدبية سبقت فيها كل الأفكار الحديثة في البناء القصصي وتكوين الشخصيات، خصوصًا في الرواية العربية، إذ اعتدنا نمطًا ثابتًا وكلاسيكيًّا في تكوين الأحداث وعرض الأزمات، إما من منظور بطل الرواية أو منظور الراوي نفسه.

في نهاية الألفينات، وبعد مرور 23 عامًا على طبعة «حجر دافئ» الأولى عام 1985، جاء الجزء الأخير من الثلاثية، «فرج»، عام 2008، لينفرد بأسلوبه الأدبي وكثير من النضج اللغوي شكلته السنوات والمعاناة والثبوت.

تسرد الرواية حياة «ندى عبد القادر»، منذ كانت طفلة إلى أن صارت سيدة تتخطى منتصف العمر. تعتمد فيها رضوى على المنظور مرة أخرى، فنرى كل الأحداث من منظور ندى. ويتطور هذا المنظور مع تطور الشخصية، ففي البداية تصف لنا الطفلة الأحداث بشكل تجريدي يغلب عليه طابع البراءة النابع من عدم الفهم، ثم يتطور السرد بتراكم الإدراك لنجد أن الحدث القمعي كائن منذ القِدَم، وأن الآلام المستَحدثة تأتي من الإدراك. هذا الإدراك بأن المجتمع خاضع للاستبداد منذ أكثر من مئة عام، وأن محاولات الأجيال للتمرد المؤقت وشعورهم بالأمل نابعة من الرغبات في تغيير العالم، إلا أن الواقع يحتاج إلى مقاومة الداخل أولًا، لأننا جزء منه.

أنهيت الرواية قبل وفاة كاتبتها بثمانية أشهر، وعندما كنت أقرأ «فرج» شعرت بأن الزمن يسير موازيًا بين واقعي آنذاك وبين الماضي المسرود. هذا السرد الذي يؤكد قوة الثبوت ومقاومة الاضمحلال، الداخلي قبل الخارجي، وأن الثبات وسط السقوط انتصار. رضوى عاشور لم تنهزم في تلك الأعوام التي انقلب فيها المجتمع بعد يناير 2011 كما انهزم كثير من الرموز والقدوات، فظهرت المعادن الحقيقية بين لحظات الاختيار الحرجة والخوف.

لهذا، عندما رأيت عنوان «أثقل من رضوى: مقاطع من سيرة ذاتية» معروضًا باحتفاء رأسمالي فوق الرفوف شعرت بشيء من التوجُّس وتذكرت كتاب «حجرتان وصالة: متتالية منزلية» لأصلان، الذي يصف حياة رجل عجوز وحيد في منزله ينتظر الموت، وكنت أعلم حينها أن كتابه كان سيرة ذاتية أيضًا، وأن العنوانين لهما طابع حزين يختفي تحته الوداع الأخير.

لكن، هل الكتب الثلاثة سيرة ذاتية؟ وهل من الممكن فصلها عن سائر أعمال رضوى كثلاثية غير مقصودة؟

السمات الأدبية لرضوى عاشور

كولاج لغلاف رواية «خديجة وسوسن» من تصميم الكاتب

الثلاثية، أو التي اعتبرتُها كذلك، هي «حجر دافئ» التي نشرتها دار المستقبل العربي 1985، و«خديجة وسوسن» التي نشرتها دار الهلال 1989، و«فرج» المنشورة عن دار الشروق 2008.

بالطبع لا أعلم إن كان هناك مقصد من تشابه الروايات الثلاثة أم لا، وهل منظوري هذا شعور شخصي بالعوامل المشتركة بين الكتب، أم أنها مجرد علامات ثابتة تُعرِّف صاحب العمل من خلال أعماله الفنية والأدبية. لذا فمن الأفضل أن نعلم السمات العامة لرضوى عاشور كأديبة، كي نستطيع أن نفرق بينها وبين السمات الخاصة بالثلاثية المزعومة.

عبَّرت رضوى عاشور عن صوتَي الرجل والمرأة بشكل متساوٍ ككيانين يعانيان داخل مجتمع واحد.

هناك بالطبع سمات مشتركة تجمع كل روايات رضوى عاشور، سواء كانت أعمالًا ضخمة مثل «الطنطورية» و«غرناطة»، أو سيرة ذاتية مثل «أطياف»، أو روايات وقصص قصيرة مثل «فرج» و«رأيت النخل». وهذه السمات كالآتي:

  • محورية النساء

ربما نتجادل حول البعد النسوي الموجود بقوة في كل رواياتها، وما إذا كانت نسوية أم لا، لكننا سنتفق على أن كل أبطال قصصها نساء بشكل مباشر أو غير مباشر. إلا أن اتجاهها، نسويًا كان أم لا، بعيد عن الانحيازية، ويدمج التجربة الشعورية للمرأة المصرية في المجتمع دون أي مبالغات.

ترفض رضوى أن تُحصَر المرأة في سجن أدبي ضيق يتمثل في الانكسار أو التمرد الاندفاعي، وبالتالي فالمرأة ككاتبة أو كيان، من وجهة نظرها، يجب أن تخرج عن ذاتها وتكتب كإنسان وليس كامرأة. فلا يجب أن تُقبل أعمال عادية أو أدنى من العادية ويُحتَفى بها لمجرد أن صاحبها امرأة، ولا يجب أن تُعزَل الأفكار أو تُصنف بسبب التوجه الثنائي للرجل والمرأة.

عبَّرت رضوى عاشور عن صوتَي الرجل والمرأة بشكل متساوٍ ككيانين يعانيان داخل مجتمع واحد، وهذا رفع من شأن نسائها أكثر، وجعلهن يأخذن مكانتهن الطبيعية وما يتصل بتلك المكانة من سند يميل عليه المجتمع. ومن ثَم، قد تكون تلك الجدالات الخاصة بنسوية الكاتبة في أعمالها نابعة من منظورنا الذكوري المجتمعي للتعريف النسوي، وبسبب انحصار الثنائي في تابوهات الماضي المتراكم والأنظمة القمعية المتكررة عبر التاريخ.

  • التوجهات الاشتراكية

التوجه الاشتراكي المحايد هو ما نتحدث عنه، إذ نرى كثيرًا من مبادئ الاشتراكية في أفكارها، إلا أنها أيديولوجية ناضجة ومتحفظة، على خلاف الأجيال السابقة من الكُتاب المصريين، لِما أدركته الكاتبة من حقيقة الثورات الاشتراكية على أرض الواقع والفجوة بين القول والفعل الفردي والجمعي.

«ليس المهم أن يكون الانسان ماركسيًّا أو بوذيًّا أو مسلمًا أو مسيحيًّا، المهم أن يكون ماركسيًّا شريفًا أو مسلمًا شريفًا أو مسيحيًّا حقًّا» - رضوى عاشور، «فرج».

  • البعد التاريخي

لعل الهدف الرئيسي لرضوى عاشور هو تاريخ الزمان والمكان وتأثيرهما على دواخل شخصياتها، فهي تدون التاريخ من منظور المرأة ككيان راسخ يتحكم في الذاكرة الجمعية للمجتمع كله ويُعرِّف هويته.

  • التأثر الشديد بغسان كنفاني

شكَّل الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني أسلوب رضوى اللغوي وبناءها الكتابي من الناحية التقنية، ومنظورها المجتمعي والسياسي من الناحية الفكرية. الرمزية التي تزحف في رواياتها على استحياء وسط بنائها الواقعي والتاريخي تقترب كثيرًا من رمزية غسان. ومن الممكن أن نطلق عليه الأب الأدبي لرضوى عاشور، رغم الفجوة الزمنية بين الكاتبين.

رواية «سراج» أقرب مثال نستطيع أن نرى فيه هذا التأثر، لأنها تميل كثيرًا إلى قصة «القنديل الصغير» لكنفاني. نرى مثلًا تكرار مشهد النهاية في القصتين، حين احتشد أهل البلدة الصغيرة أمام قصر السلطان وهم ممسكون بمصابيحهم لإضاءة الطريق والمكان. ورغم تطابق المشهدين، فالمقصد كان مختلفًا تمامًا في كل قصة. رضوى صورت تمردًا على حاكمٍ ظالم، وغسان وصف لحظة تواصل وانكشاف الحقيقة التي كانت تبحث عنها الأميرة.

«هذه النجوم في السماء هي أرواح أحبابنا الذين ذهبوا، نارها عذاب الفراق، ونورها شوق الوصل والتلاقي»، رضوى عاشور «سراج».

رضوى عاشور: تاريخ لم يُكتب

لوحة «سيدة تكتب خطابًا» للرسام «يوهانس فيرمير»

كي نستطيع فصل الثلاثية عن سائر الأعمال، علينا أن نرى السمات الخاصة بتلك الكتب الثلاثة: «حجر دافئ» و«خديجة وسوسن» و«فرج»، وهي كالآتي:

أبطال الروايات فتيات صرن نساءً على مدار أزمنة الحكايا، يعشن المعاناة العامة التي يعانيها المجتمع

  • خصوصية الزمن

أحداث الروايات الثلاثة تقع في مصر خلال حقبة زمنية مشتركة، ما بين بدايات حكم جمال عبد الناصر ونهايات حكم السادات. تصف الروايات التاريخ الذي لم يُكتب، والذي بالطبع لم يُدَرَّس في المدارس الحكومية، فزعامة ناصر ودهاء السادات لهما أبعاد مختلفة ومظلمة، قمعت كثيرًا من المهمشين، وما زالت تخدع الأغلبية.

هذا النوع الصادق من الأدب يلعب دورًا مهمًّا في توثيق التاريخ الحقيقي، ولا أقصد هنا التاريخ الأكاديمي فقط، بل أقصد كل التاريخ، وما يحمله من المشاعر المهدرة والإدراك الزماني والمكاني للحقائق المخفية من أجل الأموال والسلطة.

  • خصوصية التجربة الشعورية للأبطال

أبطال الروايات فتيات صرن نساءً على مدار أزمنة الحكايا، يعشن المعاناة العامة التي يعانيها المجتمع، يتعرضن للضغوط الخاصة التي تترعرع فيها الفتيات، حتى وإن انتمين إلى طبقة متوسطة متفتحة.

تصف رضوى عاشور كل العادات الصغيرة وما يرتبط بها من آمال وأحلام، وتدمج التغيرات التدريجية التي كانت تتذبذب بين المكسب والخسارة، وبين أمل الاستمرار وآلام الاضمحلال.

  • أدب سجون

قد يصنِّف بعض القراء الروايات الثلاثة أدب سجون. ورغم أن الكتب تشمل السجون والقمع السياسي، فإن أبطالها كانوا في الأغلب خارجها، في السجن الأكبر، يحاولون النجاة، ويتأثرون بما يحدث حولهم وبمن سُرِقَت أعمارهم من الرجال والنساء داخل الحبوس.  

  • خصوصية الشعور

الروايات دائمًا تصور الحافة الحادة بين الداخل والخارج لكل أبطالها، وهذا يُبنى بتعددية المنظور كرواية «خديجة وسوسن»، أو بالتكوين الإدراكي خلال الماضي والحاضر لأبطالها كما في روايتي «فرج» و«حجر دافئ».

النهايات في الواقع مفتوحة وممتدة، تستمر باستمرار الوجود وتنتهي بانتهاء الحدث اللحظي أو الحدث الأكبر: الإنسان.

تركز الثلاثية أيضًا على التصوير المتماسك في وصف مشاعر التيه والحيرة لكل ما يحدث في الواقع، فيتحول هذا الشعور إلى ما يمكن نسبته إلى الأزمات الوجودية للأفراد. وهذا يذكرنا بلوحة «يوهانس فيرمير»، التي إذا نظرت إليها ترى فيها سيدة تكتب خطابًا وتنظر إليك، كأنها تردك وجودك أنت الواقف أمام اللوحة، كأنك تنتظر عملية الكتابة، أو تكتفي بمشاهدتها فقط.

هذا ما تفعله الثلاثية، فهي تولِّد ذلك الشعور بالخصوصية التي تبعثها نظرة السيدة إليك، فتسير في عالم مشترك بين شوارع القاهرة ووسط البلد، وبين أزمنة الحكم العسكري منذ بدايته، وبين محاولات النجاة والمقاومة والإدراك.

«وكأن وعيها انقسم على اثنين، إحداهما تتحرك في السياق اليومي تفعل وتقول، والأخرى انتحت جانبًا من الطريق ووقفت تنتظر» - رضوى عاشور، «حجر دافئ».  

  • النهايات الحقيقية

في حياتنا الواقعية لا توجد نهايات. عندما تجالس الأصدقاء وتحكي لهم عما حدث لك خلال اليوم، تنتهي الحكاية بانتهاء السبب والدافع أو بشعورك بالملل. أما إذا نظرنا إلى واقعك، فسنرى أنك ما زلت تجلس مع أصدقائك، ثم ستذهب إلى المنزل وتنام، وإلى آخره من أفعال حياتية.

النهايات في الواقع مفتوحة وممتدة، تستمر باستمرار الوجود وتنتهي بانتهاء الحدث اللحظي أو الحدث الأكبر: الإنسان.

هكذا، ختمت رضوى رواياتها الثلاثة بشكل شديد الواقعية كأنها تصف مشهد امرأة تعبر الطريق أو رجل يبتاع الخضراوات. ولعل هذه النهايات الثلاثة من أعظم النهايات التي قد توصف في تلك الحقبة الزمنية في مصر، إذ يمكننا أن نتخيل الأفراد والأماكن ببساطة لأننا نراها كل يوم. وهذا يؤكد خصوصية الأعمال، فلا أعتقد مثلًا أن رجلًا من شمال الصين سيمر بالتجربة الشعورية التي تتركها الروايات، أو سيتخيل ميدان التحرير ووسط القاهرة. «غرناطة» عمل تاريخي ورمزي قد يؤثر في جمهور من ثقافات مختلفة، بينما لا تستطيع رواية كـ«خديجة وسوسن» أن تفعل هذا.   

التاريخ الخاص هو الذي جمع الروايات الثلاثة، وهو الذي جعلنا، كأبطالها، نسير بين عوالمها المكتوبة وواقعنا المجهول.

آخرون يجادلون بأن الكاتبة تكرر أفكارها وتُسقط تجاربها الشخصية عدة مرات في رواياتها، إلا إنني أرى أن هناك خطًّا رفيعًا بين ظهور كيان المبدع بشكل ملحوظ وبين عملية التكرار ذاتها.

إذا نظرنا إلى لوحات «فيرمير» سنجد أنه رسم عدة لوحاتٍ تمثل سيدات مختلفات، فلوحته الشهيرة «فتاة ذات قرط لؤلؤي» مثلًا تخضع لسمات مشتركة مع لوحة «سيدة تكتب خطابًا» ولوحة «سيدة ورجلان» ولوحات أخرى، كلها تعتمد على البعد الرابع، فتصور سيدات تنظرن نحو المُشاهد، فهل هذا يعني أن فيرنير كان يكرر نفسه؟

لا أعتقد، فكل سيدة تجلس في غرفة مختلفة وحولها أشياء مختلفة ترمز إلى مشاعر وأحداث وإيحاءات مختلفة. ورغم أن أغلب سيدات فيرنير يبتسمن، فكل ابتسامة لها مدلولاتها الخاصة، كالحزن أو الفرح أو المكر.

كذلك رضوى في رواياتها الثلاثة، ففيها تجتمع سمات خاصة تفصلها عن الروايات الأخرى. «خديجة وسوسن» تتميز بمركزية صراع الأجيال، و«حجر دافئ» تتمحور حول العالم الفاصل بين السيرة الذاتية والخيال الروائي، بينما هناك تركيز أكبر على السجون وما يحدث فيها في «فرج». المنظور الجامع لتلك الثلاثية يوحدها، وفي الوقت نفسه يجعل كل رواية متفردة بذاتها. ولن أجد أفضل من كلمات عاشور لأعبر، بشكل متحفظ عن هذه العلاقة بين الروايات الثلاثة:

«الجاهل بالمكان أعمى. لا أقصد بالمكان خريطة الشارع ولا أين يبدأ وأين ينتهي، بل المكان الذى يخصنا وتسكن فيه حكايتنا وذاكرة حواسنا الخمس فيه» - رضوى عاشور، «فرج»

رحلت رضوى بعد أن تركت ثقلها بين ضفتي كتاب ، قررتُ أن أبتاعه الآن بعد كل تلك الأعوام من الهواجس. رحلتْ لتلتقي أباها غسان، ويصيرا نجمتين مضيئتين يسامران المحتاج والعطشان والتائه، وسط كل العواصف الهستيرية التي ينتجها العالم.