الشاشة

الرقصة الأخيرة لمايكل جوردان: أكثر من أسطورة، أقل من قديس

الصورة: Netflix

اعتدنا أن تكون الوثائقيات عملية توثيق لحدث معين، وهذا الحدث في رأي صناع الوثائقي هو حدث يستحق الرواية. في غالبية الأحيان تكون القصة المسرودة غير معروفة على الإطلاق، أو تكون رواية أحداث تاريخية شهيرة لكن بدقة متناهية وتفاصيل مكثفة. لكن القليل، بالنسبة لي على الأقل، ألا يكون الوثائقي عن الحدث، بل عن الشخصية.

في جميع القصص المسرودة برأيي، سواء كانت روايات أو أفلامًا، مسلسلات أو حتى ألعابًا، من الأفضل أن تكون الشخصيات هي المحرك، وليس الأحداث. هناك شعور منعش للمتلقي حينما يدرك أن الشخصيات تتجه إلى الحدث، تصنع الحدث، وليس العكس. كل حدث في حياتنا اليومية خلفه العديد من القرارات البشرية، شرب القهوة صباحًا، النجاح في الدراسة، الحصول على وظيفة، جميعها أحداث تحصل في كل يوم لكنها نتيجة قرارات أفراد، وهذه القرارات متأثرة بالظروف الحياتية المحيطة بهم وناتجة عن ما مروا به حتى الآن.

هذا الأمر منعش تحديدًا حينما تُسرد قصص تاريخية متعلقة بحدث مهم، لأنك تستقبل المحتوى وأنت مستعد تمامًا أن يتمحور التركيز حول هذا الحدث، وقد تنسى أنه كغيره من الأحداث مجرد نتيجة قرارات فردية متجمعة.

لنأخذ مسلسل «Chernobyl» على سبيل المثال، الذي يروي حدثًا تاريخيًا مهمًا للغاية ولا تزال آثاره باقية حتى يومنا هذا، لكن هذه الكارثة النووية لم تكن إطلاقًا مصب الاهتمام الرئيسي للمسلسل، بل كانت النتيجة. كان التركيز بالكامل على الشخصيات المتأثرة والمعنية بهذا الحدث، ما قاد إليه، ما نتج عنه. المسلسل عبارة عن دراسة كاملة للنظام السوفييتي وثورة الأفراد من الداخل عليه.

كان من الممكن جدًا أن يكون تشيرنوبل عبارة عن عمل يسرد الأحداث بشكل معتاد وروتيني. وفي الحقيقة، ليس هناك شيء أكثر مللًا من رواية حدث تاريخي بشكل روتيني، لأن في تلك الحالة الفرق الوحيد بين رواية الحدث التاريخي وبين مقالة على ويكيبيديا هو العامل البصري فقط.

وهنا، نصل إلى «The Last Dance»، رقصة مايكل جوردان الأخيرة.

مايكل جوردان: بشري برغبات غير بشرية

الفكرة المسبقة التي نمتلكها عن الأساطير الرياضية أن الموهبة تغمرهم من الرأس حتى أخمص القدمين. الحديث عن موهبة ميسي ومارادونا وغيرهما من الأسماء العديدة تجعلنا نؤمن بفردانيتهم وندرتهم، وأن حجم الموهبة الهائل هو ما يفصلهم عن غيرهم. الأمر سيان بالنسبة للفنانين والملحنين والروائيين، هناك اقتناع تام بأنهم محظوظون للغاية بهذه الموهبة الربانية التي وُهبت لهم، هذا الإلهام السماوي الذي لم يُعطَ لأحد غيرهم. 

لكن مايكل جوردان في هذا العمل، وبعد أن سمح للإعلام بأن يتناول قصته كما يشتهي على مدار عقود من الزمن، قرر أن يرويها بنفسه، قرر أن يُظهر لنا الجوانب الملائكية والشيطانية من شخصيته على حد سواء، والنقطة التي كان يريد أن يوصلها لنا كمشاهدين هي أنه مثل سائر الناس، والميزة الوحيدة التي يمتلكها هي الرغبة العارمة وغير البشرية في الانتصار، والاستعداد لبذل الغالي والنفيس لإشباع هذه الرغبة.

لم يكن التركيز خلال المسلسل الوثائقي الذي يمتد لعشر حلقات على رياضة كرة السلة، أو على إنجازات جوردان الرياضية مع نادي شيكاغو بولز بشكل بحت، كان كل هذا أمرًا جانبيًا، لأن القصة معروفة واسم جوردان ضخم للغاية وقصته تناقلتها الأجيال. الشهرة الاستثنائية التي حصل عليها جوردان كانت في ظل وجود نقل تلفزيوني محدود ودون وسائل تواصل اجتماعي (لك أن تتخيل كيف ستكون شهرته خلال عصرنا الحالي)، لذلك لم يكن من المفيد أن نشاهد مسيرة شيكاغو بولز والألقاب التي حققها.

اختار فريق عمل الفيلم أن يركز على شخصية جوردان داخل وخارج الملعب، وتأثره بمن حوله وتأثيره عليهم خلال مسيرته مع النادي، واختاروا أن يجعلوا الرقصة الأخيرة، موسمه الأخير، هو خط النهاية، والمحصلة الأخيرة للسنوات السابقة. فرأينا التنقل الزمني السلس بين سنواته في شيكاغو بولز، واختيرت عدة محطات رئيسية توقف عندها العمل مطولاً لأهميتها، منها علاقة جوردان بوالده، والأولمبياد، والعداوة الشخصية مع فريق ديترويت بيستنز على سبيل المثال.

تعرض العمل لانتقادات بخصوص دقة بعض المعلومات المعروضة وغياب البعض الآخر، كما انتُقد امتلاك جوردان لحق تعديل النسخة النهائية من العمل واختيار ما سوف يعرض وما لن يعرض، معتبرين العمل بأكمله مجرد محاولة لتلميع اسمه وإرثه.

أتفق أن العمل ربما يعرض بعض المعلومات أو الافتراضات المغلوطة، ويفتقد إلى بعض اللحظات المهمة لزملاء جوردان في مسيرتهم نحو البطولات. لكن كما سبق وذكرت، أعتقد أن مايكل أراد أن يروي قصته الشخصية بطريقته، ولم يكن يرِيد التركيز على الجانب الرياضي أكثر من الجانب الإنساني والنفسي، أضف إلى ذلك أن هذا العمل أبعد ما يكون عن محاولة تلميع صورته، لأنه من غير المنطقي ذكر كمية الأمور السلبية عن مايكل في عمل «تلميعي»، مثل الحديث عن حبه الكبير للمراهنات، وقسوته البالغة مع زملائه في التدريبات، وعدم التزامه بنظام غذائي صارم، كلها أمور لا تُذكر في عمل يهدف إلى تحسين صورته الشخصية.

لطالما كان التحفيز أحد مهام المدرب الشخصي، لكن في هذه الحالة الخاصة جدًا، مايكل هو من يحفز مدربه، مايكل جوردان فقط يمكنه أن يفعل ذلك.

«الرقصة الأخيرة» عمل استثنائي لأنه يحتوي على لقطات جديدة لم تُعرض من قبل لفريق شيكاغو بولز ومايكل جوردان، ولأنه وظف هذه اللقطات لجعل الشخصيات تروي القصة، إذ خصص جزءًا مهمًا للقطات عشوائية تظهر مايكل على طبيعته، بكاريزما استثنائية وساحرة حين يتحدث مع الصحفيين أو الجمهور. يبدو مايكل مرتاحًا ومسترخيًا بشكل دائم، مستعدًا للرد على أي سؤال وأي انتقاد، ومستعدًا دائمًا لإلقاء نكتة تلطف الجو. يظهر لنا وبشكل جلي وواضح أن مصدر قوته ينبع من شخصيته.

يظهر لنا الوثائقي تقبل مايكل للنصائح ولأساليب المدرب وإن كانت تختلف عما يرغب فيه، وكيف كان يضع مصلحة الفريق فوق مصلحته الشخصية. لم يصارع للحصول على بقعة الضوء في كل مناسبة، لكنه كان يفعل كل ما بوسعه لإنجاح الفريق ككل، حتى وإن تطلب ذلك تسليم راية المجد لزملائه.

أتحدث عن هذه النقاط لأنه في عصرنا الحالي، وفي كرة القدم تحديدًا، يندر وجود ذلك. نشاهد العديد من اللاعبين يتنازعون على تنفيذ ركلات الجزاء والكرات الثابتة، نسمع عن مشاكل داخلية في النادي تتمثل في رفض اللاعبين الحصص التدريبية القاسية أو الطويلة. أتذكر هنا كمثال المشاكل التي خاضها المدرب الإيطالي أنطونيو كونتي مع لاعبي فريق تشيلسي الإنجليزي، الذين وجدوا حصصه التدريبية والشرح المفصل الذي يلقيه عليهم أمرًا مملًا.

يتطلب الأمر مستوى نادرًا من التواضع حينما تكون الأفضل على الإطلاق في ما تفعل، ومع ذلك تبدي استعدادك الكامل لفعل كل ما يمكن فعله لتحقيق الانتصار للفريق، عوضًا عن المطالبة بما يحقق المجد الشخصي فحسب.

بالنسبة لي، يمكن تلخيص تأثير مايكل على من حوله من لاعبين ومدربين في مشهد مدربه الشخصي تيم غروفر وهو يتحدث عنه، عن شغف مايكل ورغبته في الفوز والانتصار والتدريب. في نهاية المشهد نلاحظ غروفر وهو يصارع الدموع، أي عزيمة فولاذية يمتلكها مايكل تجعل من مدربه الشخصي يتأثر بهذا الشكل؟ لطالما كان التحفيز أحد مهام المدرب الشخصي، لكن في هذه الحالة الخاصة جدًا، مايكل هو من يحفز مدربه، مايكل جوردان فقط يمكنه أن يفعل ذلك.

الرقصة الأخيرة وازدواجية مايكل جوردان

ليس من المناسب إنهاء الحديث دون ذكر المخرج الشاب جيسون هير والفريق الذي شاركه صناعة الوثائقي، فهذا هو الفريق الذي اختار المقاطع الموسيقية المناسبة لروح العمل وحقبة التسعينيات الغنية بأغاني الهيب هوب، واختيار اللقطات الأرشيفية المناسبة لدعم التيمة التي كانت تتبناها الحلقة أيًا كانت. 

بلغ التوافق أقصى درجاته في نهاية الحلقة السابعة، حين نرى مايكل بعد إحدى المباريات يجتمع مع مشجع من ذوي الاحتياجات الخاصة في مشهد يظهر مايكل فيه كشخص لطيف للغاية، متبوعًا بكلام زملائه السابقين عن قسوته في التدريبات وعدوانيته، مختومًا بأفضل مشاهد مايكل خلال المسلسل وهو يشعر لأول مرة بحاجة للدفاع عن نفسه، مبررًا قسوته وعدوانيته بأنها الطريق الوحيد للفوز، ويطلب بعدها استراحة.

بعد مشاهدتي للوثائقي أصبحت مهووسًا بمايكل جوردان، وصار أحد أبطالي الشخصيين. إنها تجربة فريدة حين تشاهد لاعبًا يعتبر الأفضل في العالم، يتدرب باستمرار ودون انقطاع، لكنه في نفس الوقت يتناول بيتزا كاملة ليلة مباراة مهمة، ويدخن السيجار بشراهة، وينغمس في المراهنات بشكل جنوني، ويمارس الغولف والبيسبول في كل فرصة يحصل عليها. لاعب أعاد تعريف مصطلح سوبر ستار في كل رياضات العالم، لكنه مليء بالعيوب والتناقضات. يجهد نفسه في التدريبات، ولا يتوانى في إشباع رغباته مع كل فرصة يحصل عليها.