الشاشة

ليس عارًا: لماذا تتعامل الدراما مع الأذكياء كمجموعة من المغفلين؟

روس غيلر من مسلسل «Friends» - الصورة: Warner Bros. Television

هذه قصة اضطهاد لم تلاحظ وجودها من قبل، بطلها نعرفه جميعًا، شاب أبيض ووسيم، طويل وذكي، رومانسي، يحب الديناصورات، وبطل أحد مسلسلاتنا المفضلة. نعم، نتحدث عن «روس غيلر» بطل مسلسل «Friends».

يقول «ديفيد هوبكينز»، في مقاله الذي نُشر على موقع «Medium»، إننا صرنا في العقود الأخيرة نقدس الغباء. ويستشهد بروس، البطل الذكي الذي يضطهده أصدقاؤه المزعومون منذ الحلقة الأولى، إذ يتعرض للمقاطعة في كل مرة يُقدِم فيها على الحديث عن أي شيء يخصه، أو يخص اهتماماته، أو دراساته، أو حتى أفكاره. يقاطعه أحدهم ليقول له إنه ممل، وكيف أن الذكاء أمر غبي، ولا أحد يهتم، حتى بدأ يفقد رشده بالتدريج، وانقلب عليه المشاهدون في النهاية.

لكن لماذا يتعاطف هوبكينز مع روس تحديدًا؟ لأنه نفسه كان معلمًا عام 2004، أدار ناديًا للشطرنج في المدرسة، ورأى كيف يتعرض طلبته الأذكياء للمضايقة، إذ كان ينتظرهم دومًا بعض الطلاب خارج الغرفة للسخرية منهم. اكتسب الرجل خلال عمله سُمعة أنه «طارد البلطجية»، والمُدافع الأول عن غريبي الأطوار (النيردز).

ربما يتعرض المثقفون بالفعل للاضطهاد، لكن لدى هوبكينز قناعة بأننا نعيش أسوأ مراحل اضطهاد الذكاء والاختلاف. على سبيل المثال، بدلًا من أن نحكم على الساسة عن طريق الخطب السياسية والنقاشات الحقيقية، نفكر في ما إذا كانت شخصياتهم تُشعرنا بأننا قادرون على مصادقتهم أم لا. أصبحنا نرفض الرأي العلمي، وتتناقص تمويلات الأبحاث العلمية، وتهتم الصحافة بنميمة المشاهير وحياتهم الشخصية فقط.

انتهى عرض المسلسل عام 2004، وهو نفس العام الذي ظهر فيه موقع فيسبوك، وأصبح لبرامج «تلفزيون الواقع» سلطة مهيمنة على الثقافة. وبالنسبة إلى هوبكينز، كان هذا هو العام الذي صرنا نقدِّر فيه الغباء. سخريتنا من روس غيلر ورفضنا له كان إشارة إلى حقبة جديدة.

بمزيد من التدقيق، سنجد شخصيات أكثر تتعرض للمضايقة فقط لأنهم أذكياء وعباقرة على التلفزيون. وهناك شكل نمطي لا يخرج عنه الأذكياء غريبو الأطوار: نظارة غليظة، وأسنان ضخمة نسبيًّا، وقميص كلاسيكي غير مناسب للموضة.

روس غيلر ليس وحده

حتى الكارتون أظهرَ الأذكياء بشكل غريب، مثل عوض العبقري المنعزل الذي لا يفلح في العلاقات في مسلسل «دامو ستحيل».

في مسلسل «Friends» نفسه، لا يمكننا أن ننسى «ديفيد» صديق «فيبي»، العالِم الذي هجر الدنيا من أجل فكرة لم يصل إليها. و«هيرموني غرينجر»، بطلة «هاري بوتر» التي تعرضت للمضايقة بسبب تفوقها وحرصها على تصحيح التعويذات السحرية، رغم أنها أنقذت الثلاثي المغامر أكثر من مرة بذكائها وحسن تصرفها، لكن هذا لم ينقذها من السخرية.

أفلت روس وهيرموني من الصورة النمطية للعباقرة، إذ تمتع كلاهما بالوسامة وحسن المظهر، أما «بيتي» بطلة مسلسل «Ugly Betty» فقد وقعت في القالب، فجمعت الذكاء والمهارة مع المظهر النمطي للأذكياء، ومعها «شيلدون» من مسلسل «The Big Bang Theory»، و«كارلتون» من «Fresh Prince»، و«برايان» من فيلم «The Breakfast Club».

حتى مسلسلات الكارتون أظهرت الأذكياء بشكل غريب، مثل عوض، العبقري المنعزل الذي لا يفلح في العلاقات العاطفية في مسلسل الفتاة الخارقة «دامو ستحيل»، وجيلان فهمي، إحدى الشخصيات الرئيسية في كارتون «الفسحة».

تنميط الأذكياء: ما الذي يمكن فعله؟

هوبكينز، الذي لا يظن أن نظريته مبالَغ فيها، يقترح أربعة حلول للمساعدة على تقليل حدة السخرية من العباقرة والأذكياء.

1. اقرأ

يحدث شيء مميز حين تتنحى جانبًا، وتتجنب كل ما يشتت انتباهك، وتغرق في رواية جديدة تفتح عقلك على أفكار وتجارب ووجهات نظر مختلفة. إنها تجربة تختبر فيها صبرك وتجدد بها عقلك.

أثبتت المدرسة الجديدة للبحث العلمي في نيويورك أن قراءة الأدب تنمِّي روح التعاطف لديك، تجعلك أقل حماقة، لذا ينصحك هوبكينز بأن تقرأ، سواء قرأت كتبًا صعبة أو حوارية، أو كتبًا تبكيك، أو فكاهية، المهم أن تقرأ.

غريبو الأطوار يبتكرون اللقاحات، يبنون الجسور والطرق، يصيرون معلمين وأمناء مكتبات، ونحن في حاجة إليهم.

2. تعلّم شيئًا جديدًا

يستطيع عقلك فعل أمور كثيرة، فقُم، تعلم أمورًا جديدة. أكبر تحدٍّ أمام التقدم أن تظن أن هناك شيئًا يستعصي على الحل، أن تتصور مثلًا أن الفقر دائم، أو أن العنصرية ستبقى إلى الأبد.

النظام التعليمي غير مؤهل، لذلك علِّم نفسك حتى تستطيع أن تكون دائمًا جزءًا من المحادثات التي تدور حولك. ادرس لغة جديدة، اقرأ عن الفلسفة، اعرف المزيد عن علم النباتات. يعرض العلماء من جامعات مرموقة، مثل «هارفارد» و«ييل»، محاضراتهم دون مقابل على الإنترنت، اطّلِع عليها، فكر في ما تريد أن تتعلمه وابحث عنه.

3. توقف عن الشراء

قد يبدو أمرًا منفصلًا عما يقوله هوبكينز، لكنه يرى أن الثقافة الاستهلاكية مرتبطة بالغباء، ويقترح عليك أن تبسِّط حياتك.

تهيمن الحماقة على المشهد الثقافي لأن هذا يجعل عملية بيع ماركات عالمية، مثل «نايكي» و«ماك»، أسهل بكثير، لأننا إذا اهتممنا أكثر بكل ما نجلبه معنا إلى منازلنا، سنكون أقل عُرضةً لأن تخدعنا دوافع مزيفة غير حقيقية.

4. دافع عن الأذكياء غريبي الأطوار

المبرمِج الذي يعمل على مكتبه، والعالِم الذي يحاول اكتشاف دواء لمرض متفشٍّ، يقدمان الكثير من أجل القضاء على الفقر والجوع والأوبئة. غريبو الأطوار يبتكرون اللقاحات، يبنون الجسور والطرق، يصيرون معلمين وأمناء مكتبات، ونحن في حاجة إليهم. نحتاج إلى فائقي الذكاء لأن العالم بهم يصبح أفضل. لا يمكن أن نشجعهم على الوجود بيننا ونحن نجبرهم على التفكير ألف مرة قبل أن يتفوهوا بكلمة. روس غيلر وأمثاله يحتاجون إلى أصدقاء جدد، أصدقاء يقدِّرون دورهم حقًّا ويؤمنون به.

, , , , , , , ,