فن وهندسة

ماذا تعرف عن الكاريكاتير السعودي؟

كاريكاتير عبد العزيز ربيع

باتت الرسوم الرمزية جزءًا من الثقافة الشعبية اليوم، تُلقي الضوء على قضايا عالقة ومشكلات اجتماعية تمسُّ المجتمعات، وتقفز على الخطوط الحمراء كي توجه نقدًا، وتشير إلى مواضع الخلل بشكل قد لا تجرؤ صورة أخرى من الإعلام على التعبير عنها بحرية.

هذه الرسوم الرمزية هي التي دفع رسام الكاريكاتير الفلسطيني «ناجي العلي» حياته ثمنًا لها، كي يرسِّخ شخصيته «حنظلة» أيقونةً شعبيةً وجزءًا من الذاكرة الفلسطينية الحية، وهي كذلك التي أوشكت على تهديد الاقتصاد الدنماركي عام 2006، بعد أن ثارت حفيظة الشعوب الإسلامية والعربية على الرسم الكاريكاتيري الذي نُشر في صحيفة دنماركية شهيرة.

أصبح الكاريكاتير أداةً تخيف السلطة والكيانات التي ترفض النقد، سواءً بشكل مبطَّن أو مباشر، ولذلك صارت الأنظمة تُقرِّر المحاذير الرقابية على المنشورات العربية وتُلزِم الرسامين بها.

وفي السعودية، يمتلك فن الكاريكاتير مكانة خاصة لدى القراء، فقد تزامن ظهوره مع تطوُّر الصحف السعودية وبداية ظهورها يوميًّا في فترة ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، على يد فنانين كُثر مثل علي الخرجي ومحمد الخنيفر، وعبد السلام الهليل في الثمانينيات، ممَّا أسهم في خرق تقاليد الصحافة المكتوبة.

صار الكاريكاتير يتناول محظورات الكتابة ويناقشها في أشكال رسومية معبِّرة، متمكنة في بعض الأحيان من الدفع بمساحات النقد الاجتماعي إلى أفق تجاوزت الصحافة المكتوبة.

فكيف ظهر الكاريكاتير في السعودية لأول مرة؟ وما أبرز المحطات التي مرَّ بها وصولًا إلى اليوم؟

الستينيات: بداية الكاريكاتير السعودي

الخميني بريشة الفنان علي الخارجي
روح الله الخميني بريشة الفنان علي الخرجي - الصورة: al-jazirah

كان علي الخرجي أول رسام كاريكاتير سعودي، في وقت كانت تجربة الرسم والصحافة فيه شبه معدومة.

كانت بداية ظهور الكاريكاتير السعودي خجولًا، وكانت الرسوم تُنشر بشكل متقطع عبر صحف المناطق المختلفة في المملكة، حتى ظهور أول كاريكاتير سعودي منتظم على صفحات جريدة «الرياض» عام 1964 على يد الفنان السعودي علي الخرجي.

كان الخرجي، وفقًا لـ«الرياض»، يعمل رسامًا فنيًّا في الجريدة بعد أن أنهى دراسته الثانوية في العراق وتأثر بشدة برسامي الكاريكاتير هناك، فاكتسب خبرة من مراقبة أعمال الفنانين وحبه للرسم والنحت، كما كان محظوظًا إذ التحق بالدفعة المبتَعَثة من السعودية إلى مصر للحصول على دبلوم التربية الأساسية في الوسائل السمعية والبصرية، فكان بذلك أول رسام كاريكاتير سعودي يدخل هذا المجال في وقت كانت تجربة الرسم والصحافة فيه شبه معدومة.

يقول عبد الله صايل، رئيس وعضو الجمعية السعودية للكاريكاتير والرسوم المتحركة: «تميزت صحف المنطقة الوسطى بتوظيف الكاريكاتير فنًّا صحفيًّا منذ الستينيات، وكان هذا عن طريق تعيين فناني كاريكاتير محترفين، الأمر الذي كَفَل ريادة هذه الصحف السعودية».

ويوضح صايل، في حديثه لـ«منشور»، أن الخرجي تميز في تلك الفترة بطرح اجتماعي واكَب الطفرة الاقتصادية الأولى (1969-1980) وأثرها على الأسرة، إلى جانب الحسِّ النقدي والتوعوي، كما ناقش القضايا المحلية عن طريق شخصية «أبو صالح»، ناهيك بأعماله السياسية عن القضية العربية.

السبعينيات: محمد الخنيفر يُدخل الألوان

كاريكاتير سعودي بريشة الفنان محمد الخنيفر
كاريكاتير بريشة الفنان محمد الخنيفر - الصورة: yazeed

تلا بزوغ الخرجي انطلاقة الرسام محمد الخنيفر في مطلع السبعينيات من صحيفة «الجزيرة»، وتميزت رسوماته بإدخال التلوين بالريشة على الكاريكاتير، عكس الخرجي الذي اعتمد الرسم بلا تلوين، قبل أن يتوجه إلى التلوين البسيط المعتمد على الألوان الأساسية (الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر)، لكن أبرز ما ميَّز رسومات الخنيفر ممَّن سبقه هو توقيعه الخاص الذي يحمل شخصية «سلطانة»، الفضولية الصغيرة التي خلقها لتعبِّر عن هموم المواطن وتنتقد مكامن الضعف في المواقف الصعبة.

لاقت شخصية «سلطانة» نجاحًا ملحوظًا حفَّز الخنيفر لابتكار أقارب لها في ما بعد (أبو سلطانة، أم سلطانة، أخو سلطانة الصغير)، ممَّا أضفى حسًّا فكاهيًّا عائليًّا لطيفًا على رسوماته، التي كثرت فضمَّها في مجلة بعنوان «اضحك للدنيا» نشرها على عدة أجزاء، وأضاف إليها سلسلة رسومات للصغار بعنوان «مغامرات سلطانة».

اقرأ أيضًا: فلسفة النكتة: كيف يضحك السعوديون؟

التأثير الحقيقي للخنيفر جاء بعد احترافه، لسببين: أولًا إتقانه فن الكوميكس الذي ظهر به على الصفحة الأولى لجريدة «الشرق الأوسط» في مطلع الثمانينيات، إلى جانب ما تَميَّز به من أعمال حافلة بالموضوعات الاجتماعية «الحساسة» آنذاك ومضيئة بشخصيات من البيئة المحلية، ناهيك بمواكبته طفرة الطباعة الملونة بأعمال جذبت مختلف شرائح المجتمع»، حسب صايل.

الثمانينيات والتسعينيات: انطلاقة الكاريكاتير القوية

حلقة من البرنامج السعودي «الكاريكاتير ابتسامة»

أسهم الكاريكاتير في تعزيز ثقافة الحوار داخل المجتمع السعودي.

بلغ الكاريكاتير السعودي ذروته في الثمانينيات، فقد أضحى جزءًا من الثقافة المحلية وعنصر ترفيه أساسيًّا للعائلة السعودية، ونافس الدراما التليفزيونية التي يتحلق حولها الجميع لمتابعة آخر حلقاتها، إذ ظهرت برامج مثل «الكاريكاتير ابتسامة» الذي عُرض عام 1986، كما ظهرت نخبة من الرسامين برزوا في عام 1985 في صفحة كاريكاتير أسبوعية بجريدة «الجزيرة»، منهم عبد السلام الهليل وعبد الله صايل وهاجد ورشيد السليم وسعود الماضي.

واصلت كاريكاتيرات الجيل الثاني تقديم النقد الاجتماعي ومناقشة عديد من القضايا التي كان يُثار حولها الجدل دون التوصل إلى حلول حقيقية، فأوجدت متنفَّسًا في المجتمع للحديث عن قضايا مثل غلاء المعيشة والمهور والبطالة، ولكنها تطرقت كذلك إلى أحداث أكثر تعقيدًا، كقيادة المرأة للسيارة، والتطرُّف، وانتقاد الأجهزة الحكومية، وهو ما كان من «تابوهات» الصحافة المحظور الخوض فيها في السعودية.

يؤكِّد أبرز رسامي الكاريكاتير في تلك الحقبة، عبد السلام الهليل، إسهام الكاريكاتير الكبير في تعزيز ثقافة الحوار في المجتمع السعودي خلال الثمانينيات والتسعينيات، عن طريق طرحه الجريء في الحرب الإعلامية ضدَّ الفساد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في البلاد.

ظهرت أسماء عديدة في منتصف الثمانينيات عن طريق صفحة الهواة بجريدة «الجزيرة»، منهم من احترف منذ عام 1987، الذي يعتبره صايل «عام الانطلاقة القوية» في طرح الرأي الواعي والتجديد واختلاف التخصصات الكاريكاتيرية، التي تزامنت مع قدوم أسماء مهمة ظهرت يوميًّا في التسعينيات.

قد يعجبك أيضًا: هل تُربك الثقافة المملكة؟ السعودية تصادر الكتب في الرياض وتعرض أفلامها في هوليوود

مقص الرقيب يتدخل حسب الحاجة

على الرغم من حرية الطرح التي تَمتَّع بها الرسامون السعوديون، فإن الأمر لم ينجُ من مقص الرقيب بسبب حساسية بعض الموضوعات، وهذا ما حدث مع عبد الله جابر، رسام الكاريكاتير في صحيفة «مكة»، الذي فوجئ في منتصف ديسمبر 2015 بوقفه عن نشر أي رسوم ساخرة في أي صحيفة سعودية أو حتى الحديث عنها، بعد أن رسم كاريكاتيرًا عن عجز الميزانية.

وبعد عدة أيام من الاختفاء التام قرَّر جابر الخروج من صمته بسلسلة تغريدات أطلقها لشرح موقفه من الموضوع.

يتميَّز جابر باختيار موضوعات جريئة الطرح، فقد سبق ونشر كاريكاتيرًا شهيرًا عبر حسابه الخاص في تويتر يتناول تشبيه السعوديين بالأطفال المدللين، بعد الاعتراض الشعبي الذي رافق صدور أوامر ملكية بتقليل امتيازات موظفي القطاع الحكومي.

قد يهمك أيضًا: إهانة الذات الأدبية: أشرف فياض تحت المقصلة بلا تهم

في المقابل، يُتغاضَى عن موضوعات أخرى قد تبدو أشدَّ حاجةً إلى الرقابة. فمثلًا في يناير 2017، نشرت صحيفة «الحياة» كاريكاتيرًا للرسام ناصر خميس يشبِّه فيه العمالة الأجنبية بالجرذان، ممَّا أثار جدلًا في وسائل الإعلام المختلفة لعنصرية الطرح، بخاصة أن نسبة كبيرة من موظفي القطاع الخاص بالمملكة من غير السعوديين.

اقرأ أيضًا: 7 أسئلة تشرح لك نظام الكفالة المعتمد في الخليج

ماذا عن المرأة في الكاريكاتير السعودي؟

استند بعض الرسامين في كاريكاتيراتهم إلى المرأة كعنصر أساسي للسخرية.

«صُدمتُ بنظرة بعض الكُتَّاب وما يتردد في الإعلام تجاه دخول المرأة عالم الكاريكاتير لِمَا فيه من خطورة في بعض الموضوعات، بخاصة السياسية والتي تنتقد المسؤول بشكل مباشر»، تحكي منال محمد، التي بدأت رسامة تشكيلية ثم قرَّرَت دخول مجال الرسم الكاريكاتيري.

«كانت لديَّ روح تحدٍّ لإثبات قدرة المرأة على دخول هذا الفن المشاكس، فعلى مستوى العالم العربي، خمس سيدات فقط ترسمن الكاريكاتير، حسب علمي، وهو عدد قليل مقارنةً بالرجال ».

أما هناء حجار فترى في عملها رسامة كاريكاتير متخصصة فرصةً للوقوف بجانب المرأة السعودية، خصوصًا بعد أن وضعها الرجل في إطار ساخر لعقود طويلة، ووصفها بطريقة سطحية كمُسرفة أو كسولة أو متسلِّطة، في حين استند بعض الرسامين إلى المرأة كعنصر أساسي للسخرية، بحسب قولها.

لا تخلو الساحة الإعلامية تمامًا من الرسامات السعوديات، فإلى جانب الكاريكاتيرات الصحفية، تختار بعضهن أن تنشر أعمالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي كما تفعل ولاء محمد على إنستغرام، ويتابعها أكثر من 850 ألف شخص حتى الآن.

لكن عدد الرسَّامات لا يقارَن بالذكور، ربما لتخوُّف الفتيات من اقتحام مجال يعتمد على النقد الرمزي بشكل قد يكون فجًّا أحيانًا، أو بسبب قلة الدعم من الصحافة السعودية لهن في مقابل ما يلقاه الذكور من فُرَص.

هناك 126 رسامًا ورسامة في جمعية الكاريكاتير السعودي الآن، مقارنةً بـ36 عضوًا قبل 7 سنوات.

تقول ولاء في أحد اللقاءات الصحفية: «هناك عدد لا بأس به من الرسامات الموهوبات اللاتي يمِلْن إلى هذا النوع من الرسم، لكنهن لا يحظين بدعم، ودائمًا ما كان أبي يردد أن الفتاة حينما تمتلك موهبة الرسم فلن يُستفاد منها، لأنها لا تستطيع الانطلاق وحدها في مجتمعنا مثل الرجل».

«الآيباد» بدلًا من الكراس والألوان

تقرير برنامج «أهم 10» عن رسامي الكاريكاتير في السعودية

يكشف عبد الله صايل أن «هناك 126 رسامًا ورسامة مسجَّلين رسميًّا في جمعية الكاريكاتير السعودي، حسب إحصائيات نهاية العام الماضي، مقارنةً بـ36 عضوًا وقت تأسيس الجمعية قبل سبع سنوات، أما الهواة فينتشرون بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي ويبلغون مئات».

قد يعجبك أيضًا: تجربة الكوميكس العربية من سمير وسندباد إلى السمندل وتوك توك

اليوم، تعمل مواقع التواصل الاجتماعي كبيئة حاضنة للرسامين والرسامات وأصحاب المواهب التشكيلية الشابة، وتوشك المنشورات الورقية على الاختفاء بعد أن استُبدل بالكراس والألوان الخشبية أو الزيتية القلمُ الإلكتروني والآيباد.

قد لا يتفق الجميع على هذا الأسلوب التعبيري الجديد، لكونه يُخفِي اللمسة اليدوية التي كانت تميز بين فنان وآخر، ويحرم الرسام متعة الألوان الحية ورائحتها، إلا أن ضَعف الإقبال على الصحف الورقية واستبدال المجلات والمواقع الإلكترونية مكان الصحف والجرائد الورقية يُعَدُّ دافعًا رئيسيًّا لهذه النقلة، كما أن الرقيب يبدو أكثر حِدَّة في تعامله مع المنشورات التقليدية منه على الإنترنت، الذي يتيح مساحةً وحرية أكبر.

, , ,