حرف جر

النافذة السحرية: مترجمون يروون حكاياتهم مع صالح علماني

لقد أُغلقت نافذتنا السحرية على الأدب اللاتيني. هكذا عبر عديد من القراء والأدباء العرب عن فجيعتهم في فقدان مترجمهم المفضل. ففي الثالث من ديسمبر 2019، فوجئت الأوساط الثقافية العربية بخبر وفاة المترجم الفلسطيني صالح علماني. 

غيَّب الموت أهم من ترجم الأدب اللاتيني إلى العربية، والذي جعل كثيرًا من الأدباء في أمريكا اللاتينية يطالبون الحكومة الإسبانية بمنحه الإقامة تكريمًا له، لما له من فضل كبير في نقل الأدب اللاتيني للعالم العربي، حتى وصل إنتاجه لما يقارب مئة كتاب.

جعلنا صالح لا نختار الكتاب بسبب مؤلفه، بل مترجمه. نثق في اختياراته للكتب، ونعرف أنه سيأخذنا إلى عين الكاتب وقلبه باحترافية ترجمته، وبما يضيف إليها من حسه الأدبي في العربية.

هنا مترجمون تأثروا بعلماني، ينعونه ويتحدثون لـ«منشور» عن تجربتهم معه وما أضافه إليهم.

المترجم السعودي راضي النماصي: «أنت راضي، صح؟»

في عام 2014، اصطفَّ طابوران لتحية صالح علماني وتوقيع نسخ من ترجماته إثر أمسية في الدمام. 

أذكر أن الجميع اتجه إليه ومعه كتاب إما لماركيز أو يوسا، إلا أنا، كانت معي نوفيلا مانويل ريفاس «قلم النجار»، مفضلتي من ترجماته. ما إن رآني حتى هتف مباشرة بالسؤال: «أنت راضي، صح؟»، ولا أدري إن تبين ذلك من صورتي على فيسبوك فقط أم مما اخترت للتوقيع، إلا إنه قال لي: «عرفتك من انتقائك»، ثم دار وقتها ما دار من حديث.

لعل فضيلة الفقيد الكبرى تكمن في الانتقاء. يمكن لأي دَعيٍّ في الدنيا أن يترجم نصًا على الإنترنت في ثوانٍ ويصلح ما لا يستقيم منطقيًا، وهكذا تتوفر له ترجمة مقبولة، خصوصًا في عصر تهافت الجميع. لكن المميز في «أبي عمر» أنه لم يلتفت إلى الرائج، لا بين أوساط المثقفين أو المستوى الشعبي، فلا أذكر له من تراث خوليو كورتاثار، الذي له ثقله في أدب أمريكا الجنوبية، إلا بضع قصص هنا وهناك، وكذلك الحال مع بورخيس وبولانيو.

مقابل كل كتاب ترجمه وكان يستطيع الحديث عنه بمحبة لساعات، قادته المحبة والشغف والانتقاء الشخصي إلى ما قدمه لنا، ويكفينا ما نراه أثرًا.

منذ لقائي معه، عاهدت نفسي على انتقاء المميز من النصوص وترجمتها على شبكة الإنترنت، مما يلتفت إليه قلبي وعقلي معًا، وكان أولاها على المدونة، حتى ترجماتي الصادرة بشكل منتظم لصالح «زهرة الخليج». صارت التفاتة القلب للنص أول مؤشر شخصي على رغبتي في ترجمته، ويليها الحكم الموضوعي، حتى تكوَّن ما لديَّ من رصيد، والذي أسعد به تمامًا.

لو سألني الآن نفس السؤال أعلاه، لقلت: «نعم، وذلك بفضلك، يا من علمتنا الشغف والانضباط في آن». أما لو سألني أي أحد آخر الآن، ليس لي سوى الإجابة بـ«نعم، أنا راضٍ بقضاء الله وقدره، ولا حول ولا قوة إلا بالله».

المترجم السوري يزن الحاج: «أبحث عن ناشر»

علماني معلِّم كبير في الترجمة، واسم مهيمن في مُخيَّلة المترجمين الذين بدؤوا العمل في الترجمة بعده. هذا ما يعترف به الجميع. 

يمكن لي أن أتحدّث عن تهذيبه الجم حين كان يصر على مخاطبتي بـ«الأستاذ»، لأنه يتحدث مع «زميل» بصرف النظر عن فارق التجربة. ولكن سأتحدث عن الصورة الأخرى للمترجم الذي ترجم أكثر من مئة كتاب، ويبدو للوهلة الأولى كمن يأمر فيُطاع، أو كمن وصل إلى مكانة تتيح له حرية فرض خياراته.

الواقع مغاير لهذه الصورة الوهمية التي يرسمها المترجمون الجدد على الأخص للمعلم الكبير، في السنوات الأخيرة على الأقل. سيُفاجأ من تناقش مع علماني بكم القراءات الهائل، وبمتابعته الدؤوبة لكل ما يصدر من أعمال جديدة. ظننتُ مرة أنني اكتشفت كاتبًا جديدًا رأيت أنه يستحق الترجمة خارج دائرة «الواقعية السحريّة» التي ابتُلي بها مشهد النشر بالعربية ولم يتحرر منها، أعني الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز، فاقترحت اسمه على علماني وكأني اكتشفت ما غاب عن بال المعلم، ففاجأني بأنه يعرف أعمال فاسكيز ويحبها ويتمنى ترجمة عمل له، ثم أنهى كلامه بجملة صادمة: «أبحث عن ناشر».

ترنُّ هذه الجملة في ذاكرتي دومًا كلما ورد اسم صالح علماني. ولعل هذا سيظل قدر المترجم: ستبقى محكومًا بالسوق وخياراتها أيًا تكن المكانة التي ستحققها في الترجمة. مئة كتاب وأكثر لن تغير الصورة. 

المترجم المغربي محمد آيت حنا: وداعًا يا معلم

فقط أجِلِ البصرَ في أرجاء مكتبتك، لا يهم حجم المكتبة أو ميولها، خصيصة واحدة توحِّد مكتباتنا جميعًا نحن قراء الأدب بالعربية: لا بد أن يكون على رفٍّ ما من رفوف المكتبة اسم صالح علماني. 

ثم سَل أصدقاءك القراء عن لائحة المترجمين المفضلين لديهم، ستختلف الأسماء ما بين لائحة وأخرى، لكن اسمًا واحدًا لا بد أن يظهر في اللوائح جميعها، الاسم الذي عنده تتوحد الاختلافات: صالح علماني.

لم يكن صالح مجرد مترجم أسهم في نقل أدب ثقافة بأكملها إلى العربية، وإنما نقطة جذب تلتقي عندها رفوف مكتباتنا وتتقاطع فيها ذائقاتنا. وأهم من ذلك كله، أنه أسهم في تشكيل وعينا بدور المترجم وأهميته، لقد أسهم علماني في خلق قارئ أكثر تطلبًا، قارئ غدا يشترط لا قراءة أعمال جيدة فحسب، وإنما ترجمات لا تبخس النصوص حقها. بفضله وعدد قليل من المترجمين، صار القارئ العربي يسأل عن اسم المترجم قبل سؤاله عن المؤلف.

أقصى ما قد يطمح إليه مترجم أن يلحظ القارئ اسمه في ركن ما من الكتاب، مهما ضاق هذا الركن أو صغر، ندُر أن نصادف مترجمًا كصالح علماني، صنع اسمًا يلمع ببريق سماوي يخبو أمامه بريق أعظم المؤلفين، حتى ليستحق أن نحوِّر لأجله بيت النابغة: وإنك شمسٌ والمؤلفون كواكبُ. 

ليس دَينًا إذن، وإنما ديون: مدينة الثقافة الإسبانو-أمريكية إلى الرجل الذي فتح لها منورًا تشرق خلاله على الثقافة العربية، ومدينة الثقافة العربية إلى من أضاف إلى مكتبتها رفًا بأكمله، اسمه ترجمات صالح علماني.القارئ العربي مدين له بكل ما اكتشفه وخبره وأحبه من أسماء، والمترجم العربي مدين كذلك، إذ حاز بفضل المعلم حق شراكة المؤلف جزءًا من اعتبارِ القارئ. مدينون ومدينون، وداعًا يا معلم.