فن وهندسة

المدرسة الرومانتيكية: الثورة على العقلانية والعودة إلى الطبيعة

لوحة «Destruction - The Course of Empire» للرسام الرومانتيكي الأمريكي «توماس كول»

في منتصف القرن السابع عشر، رُفع الستار على مسرح الفكر البشري، وظهر لنا «عصر التنوير» في دور البطولة، ليؤسس مبدأ العقلانية والمرحلة الكلاسيكية، ويُرسي التفكير العقلاني والتقدم العلمي أساسًا للفترة التالية.

في 1712، ظهر أول محرك يعمل بالبخار لتبدأ الثورة الصناعية، التي كللت عصر التنوير وحوَّلت الفلاحين إلى عمال والمزارع إلى مصانع والقرى إلى مدن. ومع التطور الذي صاحب الثورة الصناعية، تأكدت وجهة الفكر الإنساني نحو إعمال العقل والميل إلى العقلانية.

بوجود فلاسفة يدعمون هذا الاتجاه الجديد، مثل الفرنسي «فولتير»، بدا أن التقدمية والعقلانية، أو «التنويرية» بمعنى أشمل، ستهيمن على الفكر الفلسفي لهذه الفترة الزمنية من تاريخ الفكر البشري. وقد كان الأمر هكذا بالفعل حتى حدث التمرد الرومانتيكي. أعلن «جان جاك روسو» التمرد على برود الكلاسيكية وعقلانيتها، وقاد حركة العودة إلى الطبيعة والاهتمام بالذات البشرية وما يخالجها من مشاعر، في ما عُرِف لاحقًا باسم «الرومانتيكية».

ظهرت الرومانتيكية لتواجه اعتماد الكلاسيكية على العقل بشكل أهمل المشاعر الإنسانية، لتواجه المادية والتوجه سريع الإيقاع نحو الصناعة والمدن وإهمال الطبيعة، وتواجه المجتمع المعقَّد الذي يفسد النفس البشرية.

ورغم أن الشائع حين نسمع كلمة رومانتيكية أن نربطها بالحب والعشق، فإن هذه الكلمة أكبر من ذلك، إنها تعبر عن المشاعر والأحاسيس كلها، وليس الحب فقط.

الثورة الرومانتيكية: انتشار لا يحده مجال

انتشرت الرومانتيكية في مختلف المجالات، فظهرت في الأدب بشعره ونثره، وتحولت إلى مذهب اعتنقه كثير من عظماء الأدب العالمي والعربي.

في المنطقة العربية نرى إبداعات الرابطة القلمية الأدبية لجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة في المهجر، ومدرسة «الديوان» لعباس العقاد وعبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري، ومدرسة «أبولو»، ومن أقطابها إبراهيم ناجي وأبو القاسم الشابي وغيرهما.

توغلت الرومانتيكية في الأدب العربي لفترة طويلة، وسيطرت على الساحة الفنية. وبالطبع في أوروبا كان هناك أدباء مثل «إدغار آلان بو» و«فيكتور هوغو»، وقائمة طويلة من الأسماء التي لها إبداعات غزيرة في مجال الأدب من روايات وقصائد.

ظهر التيار الرومانتيكي كذلك في الموسيقى، ولعل أبرز رواده كان بيتهوفن.

العمارة نالت قسطًا من التمرد الفكري، فلجأ معماريو تلك الفترة للعودة إلى المباني القوطية والبحث عن الإلهام بين عمدانها، فظهرت حركة «العمارة القوطية الحديثة»، ومن أشهر المباني التي شيدتها هذه الحركة «جسر لندن الشهير، وبرج تريبيون في شيكاغو، ومبانٍ شهيرة أخرى تعد من علامات مدنها.

كذلك ظهرت فكرة استخدام عناصر أجنبية في التصميم، مثل إضافة زخارف فرعونية أو آسيوية في التصاميم الأوروبية. ونجد العناصر المصرية تحديدًا منتشرة في أوروبا في تلك الأثناء بشكل كبير، واستلهم كثير من المعماريين تصاميم المنازل والمتاحف، وحتى المتاجر، من الحضارة المصرية القديمة.

ظهر التيار الرومانتيكي كذلك في الموسيقى، ولعل أبرز رواده كان بيتهوفن، الذي نقل الموسيقى من الكلاسيكية إلى الرومانتيكية، فتحولت إلى شغف وطاقة. خرجت السيمفونيات عن القواعد السابقة، وظهر «فيردي» ليقلب الأوبرا الإيطالية رأسًا على عقب، وفي ألمانيا «ريتشارد فاغنر» الذي طوَّر كثيرًا في الأوبرا.

أما في ما يخص الفن التشكيلي، وهو ما سيدور عنه موضوعنا، فللمدرسة الرومانتيكية إنتاج غزير تحوَّل كثير منه إلى علامات في تاريخ الفن الإنساني، وصار جزءًا من التراث الثقافي والحضاري للإنسانية. فمع وجود تيار رومانتيكي في الأدب والموسيقى، وحتى العمارة، كان من البديهي أن ينشأ تيار رومانتيكي في الفن، ليضم الفنانين الذين ملُّوا جمود الكلاسيكية وسئموا جفافها.

الرومانتيكية والطبيعة

لوحة «The Hay Wain» للرسام الرومانتيكي الإنجليزي «جون كونستابل»

«يجب أن أبقى وحيدًا، وأن أعلم أني وحيد لأندمج مع الطبيعة وأشعر بها بشكل كلي: أن أستسلم لكل ما يحيط بي، أن أتداخل مع السحاب والصخور لأكون ما أنا عليه. الوحدة جزء لا يتجزأ من حواري مع الطبيعة».

لعل مقولة «كاسبر ديفيد فريدريك» الشهيرة هذه أفضل ما يصف طريقة تفكير الرومانتيكيين، وكيف لجؤوا إلى الطبيعة ليبثوا إليها شكواهم. الحياة بالنسبة إلى الرومانتيكيين تسير في طريق جاف من المشاعر، خالٍ من الإحساس، طريق لا يعترف سوى بالعقل والتفكير. لكنهم أرادوا طريقًا مختلفًا، أرادوا القلب لا العقل، والشعور لا التفكير. لذلك لم يجدوا من يحتضنهم سوى الطبيعة، الطبيعة ستفهمهم، الطبيعة ستشعر بهم.

ظهر تعلق الرومانتيكيين بالطبيعة في لوحاتهم بشكل واضح، فالطبيعة تحتضن الإنسان ليكون جزءًا لا يتجزأ من عناصرها ولا ينفصل عنها.

لوحة «Wanderer above the Sea of Fog» (الهائم فوق بحر من الضباب)، التي رسمها «ديفيد فريدريك»، واحدة من علامات المدرسة الرومانتيكية. يظهر فيها رجل على قمة جبل يغشاه الضباب. اللوحة أفضل مثال لتوضيح نزعة الوحدة التي أبرزها الفن الرومانتيكي. فريدريك والرومانتيكيون أَسَرتهم فكرة العزلة: الوقوف أعلى جبل مثل هذه اللوحة، أو أمام بحر، يعد أقصى ما يمكن أن يفعله الأوروبي للبعد عن المدينة وازدحامها.

الرجل المرسوم في اللوحة، في غالبية التحليلات، هو ديفيد فريدريك ذاته، وقد رسم نفسه بهذه الطريقة في محاولة منه ليرينا العالم من وجهة نظره، لا ليفصلنا عن المشهد. الضباب والعزلة على قمة جبل مشهد غاية في الروحانية بالنسبة إلى الرومانتيكيين. اللوحة ببساطة آية من الجمال عند محبي هذه المدرسة.

ظهر تعلق الرومانتيكيين بالطبيعة في لوحاتهم بشكل واضح. الطبيعة تحتضن الإنسان ليكون جزءًا لا يتجزأ من عناصرها ولا ينفصل عنها. وإذا تأملنا لوحة «The Hay Wain» لـ«جون كونستابل»، سنجد اندماجًا تامًّا بين العنصر البشري في اللوحة والطبيعة المحيطة. في اللوحة عربة تجرها الخيول، تحمل عاملَيْن لتعبر بهما من الحقل إلى الجهة الأخرى من النهر، التي يوجد فيها كوخ صغير وطاحونة.

المشهد في اللوحة رآه جون في طفولته كثيرًا. فالطاحونة تعود إلى والده، ولعل معرفته بتلك المنطقة هي التي جعلته قادرًا على رسم المشهد بهذا الشكل المتقن. علق كونستابل على ذلك قائلًا: «سأكون قادرًا على رسم الأماكن التي أعرفها بشكل أفضل، فالرسم ما هو إلا مرادف آخر للإحساس».

العنصر البشري المتمثل في العاملَيْن فوق العربة لا ينفصل عن الخلفية بشكل أو بآخر. وبعكس فنانين كثيرين يلجؤون إلى إبراز العنصر البشري عن طريق تحديده وإظهاره، فضَّل جون ألا يبرزه ليدلل على فلسفته التي ترى العنصر البشري جزءًا من الطبيعة، ويجب ألا يكون مختلفًا عن بقية عناصر الطبيعة من أشجار ومياه وسحب. مع العلم أن كثيرًا من فناني هذه المدرسة فصلوا العنصر البشري عن اللوحة لإيصال حالة شعورية معينة، مثل العزلة أو الوحدة.

لعل هذا الدمج أفضل ما يميز هذه اللوحة، إضافة إلى جمال المشهد المرسوم ببراعة، ودمج كل العناصر لتظهر بشكل متَّحد وكأنها عنصر واحد. هذا هو ما حاول كونستابل إيصاله، فالبشر في لوحاته، ولوحات غيره من الرومانتيكيين، ليسوا عناصر منفصلة، بل جزء من الكل المتمثل في الطبيعة.

الرومانتيكية والنزعة الوجدانية

لوحة «The Last Day of Pompeii» للرسام الرومانتيكي الروسي «كارل بيرلوف»

المشاعر ميدان آخر برع فيه أبناء الرومانتيكية، فرغبتهم في الثورة على العقلانية جعلتهم يتقنون فن تصوير المشاعر ورسمها، مثل الخوف والقلق والحزن والغضب.

نجحت المدرسة في رسم هذه المشاعر ببراعة لتنتقل من اللوحة إلى المُشاهد. لوحة مثل «The last day of Pompeii» لـ«كارل بيرلوف» غنية بالمشاعر بشكل مذهل. تفاصيل النظرات المليئة بالخوف والفزع توضح براعة الفنان في تجسيد الحالة الإنسانية والمشاعر المختزَلة بشكل كبير في النظرات، واختلاف النظرات من فرد إلى آخر ما هو إلا تطبيق لمبدأ الفردانية والذاتية الذي دعت إليه المدرسة.

المدرسة الرومانتيكية رأت أن الفرد مهم في ذاته، وما كان من فناني المدرسة إلا تطبيق تلك الفلسفة في لوحاتهم.

تصور اللوحة بركان فيزوف يدمر مدينة بومبي الإيطالية. سكان المدينة في حالة من الهلع ومدينتهم تقرَّر مصيرها. بيرلوف رسم نفسه في اللوحة ضمن سكان المدينة وهو ينظر بخوف إلى المشهد حوله. من الممكن أن نختزل براعة الرسام وإبداعه التشكيلي في نظرات أهالي المدينة، فالنظرات وحدها كانت كافية لتنقل إليك الحالة الشعورية.

إذا ذكرنا النظرات، فلا يمكن أن نُغفل «Orphan Girl at the Cemetery»، رائعة «يوجين ديلاكروا». اللوحة بسيطة في عناصرها، وفيها فتاة تنظر إلى السماء، وفي الخلفية تظهر شواهد قبور وسماء تشير إلى الغروب. المشهد حزين، الألوان قاتمة، ونظرات الفتاة تتجه إلى السماء كأنها تعتب عليها. نظرات قد تخبرك بقصة الفتاة، وتجعلك تتعاطف معها. نظرات اختزلت مشاعر كثيرة.   

الرومانتيكية والقومية

لوحة «Liberty Leading the People» للرسام الرومانتيكي الفرنسي «يوجين ديلاكروا»

لوحة أخرى لديلاكروا هي «Liberty Leading the People» (الحرية تقود الشعب)، تأخذنا إلى محور آخر من المحاور التي اهتمت بها المدرسة الرومانتيكية، وهي من أشهر اللوحات التي رُسِمَت في تاريخ فرنسا.

اللوحة تُخَلِّد ثورة يوليو 1830، وفيها سيدة عارية الصدر تحمل العلم الفرنسي، وتقود جمعًا من الثوار على وجوههم الإصرار. السيدة تمثل الحرية، والجمع خلفها يمثل فئات الشعب المختلفة. فهناك البرجوازي والعامل والطالب، بملابس تناسب الفئة التي يمثلونها.

قامت الرومانتيكية على فكرة الثورة على القديم وتحدي هيمنة الكلاسيكية وكسرها.

استخدام سيدة عارية الصدر لتكون رمزًا لفرنسا الحرة قوبل باستهجان شديد من بعض الناس. فالعري بشكل عام لم يكن يُستخدم رمزًا للقضايا النبيلة، والتحفظ الذي كانت الكلاسيكية تفرضه على المجتمع جعل اللوحة منفرة لكثيرين في بداية عهدها. لكن بعد انتشار فكر المدرسة الرومانتيكية، تحولت اللوحة إلى إحدى علامات تلك الحقبة.

التمرد والثورة بشكل عام كانا جزءًا من الثقافة الرومانتيكية، المدرسة التي أتت بعد أحداث سياسية تاريخية مثل الثورة الأمريكية، وعاصرت فترة مليئة بالتغيرات السياسية الجذرية مثل ثورة يوليو الفرنسية وغيرها من الأحداث.

تلك المدرسة أدركت رغبة الشعوب في الحرية ودعمت تلك الرغبة. ولعل انحياز الرومانتيكية إلى الثورة كان متوقَّعًا. قامت الرومانتيكية على فكرة الثورة على القديم وتحدي هيمنة الكلاسيكية وكسرها، فنجد أن تركيز عدد من فناني المدرسة انصبَّ على القومية والتحرر من الاستعمار، وظهرت أعمال عدة توثق مَشاهد من ثورات أو معارك الغرض منها هو التحرر.

الرومانتيكية والفلكلور

لوحة «The Nightmare» للرسام الرومانتيكي السويسري «هنري فوسيل»

مالت الرومانتيكية إلى الأساطير والفلكلور الشعبي والتراث، واستلهمت منهم في كثير من إبداعاتها. فنجد ديلاكروا في لوحته «The Barque of Dante» يصور مشهدًا من رحلة الشاعر الإيطالي «دانتي أليغيري» ورفيقه الشاعر «فرجيل»، الذي يقوده في رحلة عبر الجحيم.

رحلة دانتي في الجحيم جزء من «الكوميديا الإلهية»، الملحمة الشعرية التي بدأها في 1308 وأنهاها في 1320، وهي من أعظم الإنجازات الأدبية، وألهمت كثيرًا من الفنانين، وترسخت في التراث الأوروبي.

في اللوحة نجد دانتي وفرجيل في الدائرة الخامسة، تلك التي يقبع فيها مرتكبو خطيئة «الغضب». الدائرة الخامسة مستنقع يتقاتل فيه من سيطر عليهم الغضب في حياتهم، فيُرسلون إلى الجحيم. دانتي وفرجيل يعبرون المستنقع على المركب، ويحاول المعذَّبون تسلقه للهرب من العذاب الأبدي.

ظهرت الرومانتيكية في وقت احتاجت فيه البشرية إلى التجديد، في عالم جاف خالٍ من المشاعر مجرد من الأحاسيس.

ديلاكروا تميَّز في رسم الوجوه والتعبيرات المتنوعة بين الخوف والفزع والإرهاق والتعب والاستسلام والغضب، ليُظهر خليطًا من المشاعر ينقل حالة الإرباك من اللوحة إلى المُشاهد. المشهد مزدحم ومربِك، واستخدام الألوان المناسبة زاد من تأثير الموقف ودعم الحالة الشعورية. ولعل وجود عنصر مرعب، مثل الشيطان، في خلفية اللوحة يضيف إلى تأثير اللوحة في المُشاهد.

«هنري فوسيلي»، الفنان السويسري، رسم لوحة «The Nightmare» الشهيرة في 1781، لتُحدث ضجة كبيرة في الوسط الفني. اللوحة كانت أولى إنتاجات المدرسة الرومانتيكية من هذا النوع، ولم يكن من المعتاد للجمهور رؤية مثل هذا المشهد: فتاة نائمة، يرقد فوق جسدها كائن قصير خبيث الوجه، وفي الخلفية يظهر حصان من وراء ستائر حمراء. تُعرف اللوحة في الوسط العربي باسم «الجاثوم».

اللوحة سببت فزعًا لكثير من المشاهدين حين عُرِضت للمرة الأولى في معرض أكاديمية لندن الملكية، فلم يكن الجمهور قد تعرَّض للفن القوطي من قبل. كان المشهد مرعبًا وغريبًا، فلماذا يرسم فنان مشهدًا يُرعب مَن ينظر إلى اللوحة؟

تبقى العلاقة بين الفتاة والكائن والحصان غير واضحة، ولها تفسيرات عدة. لكن، وعلى الرغم من شكلها المرعب، فإن اللوحة ألهمت كثيرًا من كُتاب المدرسة، مثل «ماري شيلي» و«إدغار آلان بو».

ظهرت الرومانتيكية في وقت احتاجت فيه البشرية إلى التجديد، في عالم جاف، خالٍ من المشاعر، مجرد من الأحاسيس.  فما كان منها إلا أن ثارت على الوضع، ونادت بالتغيير والدعوة إلى قيم جديدة.

المشاعر لا يمكن تنحيتها جانبًا من أجل العقل، والطبيعة التي انجرف الإنسان في طريق تدميرها ليست إلا ملجأه الوحيد. ومع ثورتها على الكلاسيكية، ثارت الرومانتيكية على الاستعمار والقيود وكل ما يكبت الحرية ويكبِّل الإنسان.

شئنا أم أبينا، يبقى الإنتاج الخاص بالمدرسة علامة من علامات تاريخ الفن الإنساني، وجزءًا من التراث الثقافي والحضاري لبَني البشر. وسواء كان الإنتاج أدبيًّا أو فنيًّا أو موسيقيًّا أو حتى معماريًّا، فبكل تأكيد أثبتت المدرسة نجاحًا كبيرًا. وفي الأغلب، ستجد على الأقل واحدًا من أبناء المدرسة من المفضلين بالنسبة إليك في كل مجال.

, ,