الشاشة

هل أثر «One Flew Over the Cuckoo's Nest» في «على الدنيا السلام»؟

كان علينا فتح أعيننا باتساعها محدقةً، نعم، هذا ما يؤمن به كثيرون مثلي، أن نحدق إلى الإنتاج الثقافي المولود في هذه المنطقة، نراجعه بكل فصوله ومآرابه التي اتسعت للمعاني، داخلة في حيز التاريخ، وبعدها سيسقط من الإنتاج الثقافي ما يسقط متبعثرًا في فخ الركاكة والتكرار، وينجو أكثر النتاج أناقة وثقة بخطوات أصحابه، القادمين به على رقعة في مهدها الثقافي للتو.

كان علينا أن نحدق بدلًا من لحظة الاندهاش الأولى، فلماذا صرنا نكتفي بماض ثقافي يسحرنا دون أن يفكر أحد بالتحديق فيه، بأن ينهكه بالقراءات والتفاسير، يبحث في المراجع والأصول بدلًا من مصادر نثق بكتابها، فنرى حينها بأن ثمة خللًا علينا الإشارة إليه فقط، فمن سبقونا أسسوا ما استطاعوا من ثقافة تستحق الاحتفاء بها كما تستحق الدراسة والأسئلة، لولا أننا لم نقدم عملًا واحدًا يدرس شيئًا مما وصلنا، فنضع علامة تعجب واستفهام بعد حقائق سلمنا بها.

لربما أحاول هنا تعمد المبالغة في جلد الذات، إلا أنني أستشعر الوقت قد تأخر في مراجعة الإنتاج الثقافي، تأخر كثيرًا حتى لم نعد قادرين على الوصول إليه. لكن الخربشة هي الحل، محاولة البدء في خربشة هذه الجدران الخرسانية المحيطة بالإنتاج الثقافي المحلي، من كتب تتحدث عن بواكير الكتابة الشعرية والسردية في الكويت، وكذلك الأعمال التلفزيونية والمسرحية التي حفظناها بإيمان أنها لن تتكرر ولا مثيل لها، فهذه القداسة التي منحناها لكل شيء آتٍ من أرض الماضي لا بد أن يحين الوقت لا لكسره، وإنما للمراجعة والمساءلة أولًا، ومن ثم كسر ما يستحق الكسر منه.

هذا ما أنويه، أن أراجع عملًا تلفزيونيًا محليًا يصفه الكثير بأنه أعظم ما أُنتج في الفن التلفزيوني الكويتي، وهو مسلسل «على الدنيا السلام»، أو محظوظة ومبروكة كما يحب أن يختصره البعض، والفيلم الأمريكي «One Flew Over the Cuckoo's Nest»، فالاثنان مرا علينا بصور مشوشة، بنظرات مجنونات يطلقن أنظارهن ناحية غير مرئية، ومجانين يتحسسون نبرة أصواتهم في الكلام، خشية أن تتسرب لأصواتهم امتعاضة تفسد تصالحهم مع المكان، بينما يستوثق الآخرون من العقلاء قبضتهم على رؤوسهم بشدة، كما لو كانوا يزملون مزاجًا مائلًا خشية أن يميل أكثر ويكونوا مثل محظوظة ومبروكة وماكميرفي ومارتيني والزعيم الهندي: مجانين.

مر علينا كل هؤلاء، وإذ تقادمت بنا الذاكرة زدنا من حصار رؤوسنا بظلالهم فلا يهرب منا ظل، أو حتى نغفل عن احتمال واحد بأن نكون مثلهم، بشر مصابون بالحقيقة، ممتلئون بالجنون.

طارق عثمان متجولًا في مصحة ماكميرفي

مسلسل «على الدنيا السلام» دراما كوميدية كويتية من تأليف الفلسطيني طارق عثمان وإخراج المصري حمدي فريد، عرض في عام 1987، متحدثًا عن فتاتين يتيمتين هما محظوظة ومبروكة، تتعرضان للتعنيف والإلغاء من قبل سلطة عمهما بونبيل وزوجته هيفاء وذلك للاستيلاء على ثروة والدهما، حتى يصل العم إلى حيلة إدخالهما مستشفى الأمراض العقلية للتخلص منهما والتلاعب بثرواتهما، إلا أنهما تحاولان المقاومة والخروج من المستشفى وإثبات صحتهما العقلية.

أما فيلم «One Flew Over the Cuckoo's Nest» (أحدهم طار فوق عش الوقواق) فأنتج عام 1975، وهو مستوحى من رواية كين كيسي، ومن بطولة جاك نيكلسون الذي أدى دور ماكميرفي القادم لمستشفى الأمراض العقلية هربًا من السجن، وهناك يقود ثورة يحاول عبرها الهرب والخلاص من القيود، مواجهًا بذلك سلطة مؤسسية يرغب بأن يحصل منها على حريته دون تقييد من الأطباء والممرضات.

يدخل ماكميرفي إلى المستشفى معلنًا سخريته من كل من حوله، يشاهد مرضى بلباس أبيض، ممرضات بمزاج حاد، أجواء بلا طعم يستشعره، رغم أنه يناكف الجميع ليصنع من رغباته وشيطانيته طعمًا يهون عليه المكان، وهكذا تأتي الدقائق الأولى من الفلم، بلا طعم.

شخصيات العملين تمضي في حكمة موازية للعقل رغم اتهامات الجنون التي تطوقهم، ونظرات الشك التي ترفض جنونهم وتؤكد حضور العقل بأقصى تجلياته.

إلا أنها تذكرني بشيء من المكان المقدس والملجأ الأخير للأختان محظوظة ومبروكة الذي صاغه طارق عثمان في مسلسله، إذ كانت مشاهد المصحة واحدة من أكثر المشاهد جدة على المشاهد الكويتي والخليجي كذلك، فمشاهدة أطباء وممرضات ومرضى بملابس بيضاء، وعنابر انفرادية باردة، وأسرة متعددة تجلس عليها مريضات نفسيات بوضعيات غريبة، كأن تحدق إحداهن في العدم، وأخرى تمشط شعرها في تماهٍ تام مع الترقب، أن تشاهد أدوات للصدمة الكهربائية على أجساد نساء ممددات فوق أسرتهن، كل هذه المشاهد القاسية لم تكن معهودة أبدًا، وحتى الآن، على المشاهد الكويتي والخليجي، فأسهمت في خلق جزء من نجاح المسلسل.

تشارك العملان ثيمة الجنون، لم تأتِ كأرض واحدة مكررة تدور عليها الأحداث، بل كدافع سمح لشخوص العملين بالتشابه في تكوين شخصيات ساخطة ومقموعة، تسعى بشتى الحيل للوصول إلى حقوقها، بمبدأ عقلاني لا يخطط وحسب بل يحاجج ويساءل، بمنطق فيه من الحكمة المؤدية إلى تحقيق هاجس الحرية المسلوب منهم، ولأجله يواجهون سلطة قاسية، ترسم الأحداث الأساس التي تتصاعد من وتيرة العمل نحو جهة تكاد أن تكون مغلقة. 

نجد أن محظوظة ومبروكة، اللتان توازيان ماكميرفي في بناء الشخصيات، أقرب ما تكونان واقعيتين تحت سلطة عبارة ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»: «إن طبيعة الجنون هي أيضا حكمته المجدية، إن سبب وجوده يكمن في الاقتراب المطرد من العقل، أن يكون من نفس طبيعته بحيث يشكلان كلاهما نصًا لا فكاك لعراه، حيث لا نستطيع سوى الكشف عن غائية الطبيعة».

شخصيات العملين تمضي في حكمة موازية للعقل رغم اتهامات الجنون التي تطوقهم، ونظرات الشك التي ترفض جنونهم وتؤكد حضور العقل بأقصى تجلياته، كما أن محظوظة ومبروكة وراندل ماكميرفي، الذي أحب أن أسميه «الأخ غير الشرعي» لهم في هذه اللعبة، لا يؤكدون في جنونهم إلا حقيقة العقل، الذي يحضر لأجل أن يمنحهم حقوقهم التي تعبوا من فرط الجري خلفها، تاركين للريح نحت شخوصهم ليأتوا بقوالب شخصية متشابهة البناء، بسمة التمرد، والثقة في دروب حياة أنقى تضمن علاماتها الأمل، فتأتي نهاياتهم طارئة على السياق السردي والبناء الشخصي الذي ينهار متراجعًا نحو سيرة ذاتية منكوبة. 

سفينة الحمقى: الجنون حجة التسلط

ثمة شيء من تفاصيل المصحة النفسية في مسلسل طارق عثمان يذكرنا بأبعاد «سفينة الحمقى» التي تحدث عنها فوكو في كتابه، إذ تحولت من المخيال الأدبي إلى تجسيد واقعي قائم في الكثير من بحار دول أوروبا، يُنفى فيها المجانين والحمقى بعيدًا عن المدينة، كما في مصحة طارق عثمان التي يديرها الدكتور أبو عقيل، فهي مصحة بائسة تكتظ بنساء ظلمهن المجتمع القمعي وقسى عليهن حتى تحولن إلى مجنونات منبوذات مسلوبات الحقوق، أتين إلى المصحة دون إرادة.

لكن مستشفى الأمراض العقلية في فيلم «أحدهم طار فوق عش الوقواق» أكثر جدية من الأخرى، والموجودون فيها نزلاء رجال، أتوا إليها للعلاج من أمراض عدة، إلا أنهم بقوا فيها بإرادتهم خوفًا من الحياة الخارجية.

ربما ينبغي علينا المقارنة بين طبيعة الخدمات في المصحتين. ورغم قسوتهما، فإن الخدمات الطبية المختصة في الجانب النفسي كانت قائمة بدقة في مستشفى راندل ماكميرفي، ففي اللحظة التي تدير فيها الممرضة الاسطوانة الموسيقية للإعلان عن موعد دواء المرضى، كانت السستر هدى، التي تجسدها أمل عباس، تصرخ في المريضات كي يستجبن لأوامرها في «على الدنيا السلام»، في إشارة إلى سوء الخدمات الطبية في المستشفيات المحلية آنذاك.

عندما نتوقف عند المشاهد الأولى من المسلسل نجد مبروكة، والتي تجسدها سعاد عبد الله، واقفة أمام زوجة عمها هيفاء، مريم الغضبان، بغضب يتوقد فيها واستهزاء يقابل طلبات هيفاء اللامحدودة، في محاولة منها للإفصاح عن رغبة الخروج عن سلطة عمها وزوجته، ليتحول الغضب إلى ثورة صريحة عبر عنف تمارسه مبروكة على هيفاء أسوة بعنفها السابق.

ما يحدث في المشاهد الأولى في المسلسل يقابله هناك في الفيلم، فإعلان التمرد يبدأ لدى ماكميرفي منذ المشاهد الأولى أيضًا، إذ يدخل إلى المستشفى بنظرات لا تخشى شيئًا، ويدين بهلوانيتين ترقصان مع صراخه الذي يعلو به أمام المريض الهندي، والذي يكتشف في ما بعد أنه أبكم، رغم أن ماكميرفي يأتي إلى المشفى بإرادته هربًا من السجن بعد إدعائه أنه مريض عقلي. لكن هذا التوافق في بدء الثورة والتمرد في العملين يبين أننا والشخوص أمام سلطة كبرى، معاكسة، وترغب مبروكة ومحظوظة، في الخروج ضدها مثلما يرغب ماكميرفي.

لكن الأحداث هنا تنحرف بعد مشاهد محظوظة في مصحة الأمراض العقلية، فتعبر عن خيبتها من سلطة اجتماعية ذكورية سببت وجودها في هذه المصحة، وذات السلطة القمعية التي يقودها أبو نبيل وزوجته تؤدي بمبروكة كذلك إلى المصحة العقلية، كل ذلك ليس بسبب مرض عقلي حقيقي، بل بسبب المطالبة بالحقوق التي يصادرها العم وهيفاء طوال السنين، باعتباره الولي الشرعي المسؤول عن بنات أخيه.

هذه المصادرة التي يؤديها العم، والذي يؤدي دوره علي المفيدي، تحيلنا إلى مقال « هل يستطيع التابع أن يتكلم؟» للباحثة غاياتري سبيفاك، والتي تتحدث عن نساء الهند اللواتي منعهن الاستعمار البريطاني من أداء طقس الساتي، والمتمثل في أن تحرق المرأة نفسها حية مع جثة زوجها، زاعمًا بهذا المنع منح المرأة حق الحياة والنجاة من سطوة العادات والتقاليد، إلا أنه في الوقت ذاته يصادر من النساء حق المعارضة ضد هذا القرار. وهذا ما يحدث مع محظوظة ومبروكة، اللتين يصادر عمهما حقوقهما وأموالهما الموروثة، زاعمًا حمايتهما من الحياة وقسوتها، فيتمادى ولا يكتفي بما صادره من أموال وحياة، بل يأتي إلى أصواتهما وحرية التعبير التي تصرخان بها أمامه وزوجته هيفاء.

كانت هذه الصرخات هي الاستجابة المتأخرة لتاريخ من القمع والإسكات، الذي بعث من صمتهن الطويل عويلًا لأسئلة تواجه الطغيان بكل هيئاته، التي يأتي بها من بطش عم وامرأته أو سلطة المصحة التي تحاول ترويضهن.

بينما يصرخ ماكميرفي في وجه من معه من النزلاء لاعترافهم بوجودهم التطوعي في المصحة: «أنتم لا تفعلون شيئًا سوى الشكوى من المكان ولا تطيقونه، وليست لديكم الشجاعة للخروج منه؟ ماذا تعتقدون أنفسكم؟ مجانين أو شيء كهذا؟ إنكم لستم كذلك، لستم كذلك، لستم مجانين أكثر من أي وغد عادي يمشي مطمئنًا في الشارع، هذا هو الأمر، أنا لا أصدق».

السلطة لم تصادر حق الكلام، لكنها اجتثت أفق الحياة من النزلاء وبثت فيهم خوفًا مبتكرًا من الوهم، لترويض عقولهم على اعتياد القمع والعيش معه، بهذا. فالجنون ليس مرضًا بقدر ما هو حجة للتسلط، وإذهاب صوت العقل إلى جادة أخرى تنتشر فيها السياط، فلم نعد بحاجة إلى ترهيب بأدوات قمعية بقدر حاجتنا إلى الفكرة المريضة التي تقيدنا إلى حد الاعتناق، وهذا ما يقوله فوكو.

دفاعًا عن الجنون

يتوازى العملان في الكثير من المشاهد، إلا أن لكل منهما شيء من الخصوصية والتفرد، إذ تختلف فلسفة المشاهد ما بين الاثنين وتتطابق في أخرى، ومن تلك المشاهد مشهد الحافلة التي تستغلها محظوظة ومبروكة للهرب بعيدًا عن المصحة، وهي ذاتها التي يهرب بها ماكميرفي ونزلاء المستشفى، وتكون الحافلة في المشهدين بمثابة شهقة الحرية الأولى، التي تمنح شخوص العملين أول فرصة للتعرف إليها والموازنة بينها وبين الجنون والعقل.

نجد أيضًا مشهد العقاب المفروض على الأختين عبر تعريضهما للصدمات الكهربائية امتثالًا لأوامر مدير المصحة أبو عقيل، والذي يعتبر من المشاهد المرعبة في المسلسل، لولا مراوغتهما، وهي الحيلة التي تتكرر في فيلم «أحدهم طار فوق عش الوقواق»، إذ يعاني ماكميرفي من ذات الصدمات الكهربائية التي تفرضها إدارة المستشفى كنوع من العقاب بعد تسببه في شغب بالمصحة.

يشترك ماكميرفي مع محظوظة ومبروكة في المراوغات التي تزعج الطاقم الطبي على الدوام، والعنف المنتهج عليهم من قبل الأطباء محاولة لقمع آمال الضحايا للحصول على حرياتهم أو هامش منها، فالتعذيب كما يقول ممدوح عدوان في كتابه «حيونة الإنسان»، «تغيير في هوية المعذَّب من متمرد إلى خاضع على الأقل»، إلا أن خيار الخضوع كان بعيدًا عن أبطال العملين، ولا يكون إلا بعد طاقة يأس أخيرة يعانون منها. 

في هذا السياق ندرك أن رؤية طارق عثمان للحرية تختلف عن رؤية مؤلف الفيلم، فلم يكن هاجس الحرية لدى عثمان إلا في إطاره الضيق، من تجول دون حدود تضيق عليه، متمثلًا في رغبة الخروج من سجن العم وسجن المصحة النفسية،  باعتبارهما سجنًا يفرض عليهما التعذيب والقمع غير المبرر، أما بو جولدمان ولورانس هاوبن كتاب سيناريو الفيلم فكانا يحاولان الوصول إلى سؤال ملتبس بين الجنون والعقل، وأي منهما يستطيع أن يضمن احتمال الحرية؛ فهل يوازي الجنون فعل الحرية، أم أن العقل أجدر بتولي هذه المهمة؟ 

يرتكز طارق عثمان في عمله على جمعية الفساد، مقابل انهيار أخلاقي يضرب مجتمعه، منذ العم وزوجته إلى الشركة التي عملوا بها، ليصير الصراع صراع قيم بالدرجة الأولى، قيم منهارة وقيم تشد نفسها إلى جهة مضادة خشية الانهيار الأخلاقي والزج في جوقة ممسوخة، فليس السؤال لماذا صار المجتمع جلادًا، بل كيف تنجو من هؤلاء ولا تشبهم في سياطهم، كيف تنجو منهم وتصير الضحية. فعل المقاومة فعل خاص، يبتر صلته عن قطيع مسعور إلى هوية فردية ترغب بأن تكون، مثلما محظوظة ومبروكة، الساعيات إلى مستوى أرفع مقابل مستويات الانهيار الأخلاقي الذي يصاب به المجتمع.

كما يقول ممدوح عدوان في كتابه «دفاعا عن الجنون»: «حين ينتبه الإنسان إلى خسارته الفاجعة هذه، فيدرك أنه صار يجهد لمنع نفسه من الانحدار عن مستواه الإنساني إلى مستوى الحيوان. وحين يقاوم تتخذ مقاومته نوعًا من أنواع الجنون».

هذا ما عانته محظوظة ومبروكة في المسلسل، أما في فيلم «أحدهم طار فوق عش الوقواق»، فالجنون فعل تبني لأجل قيود أقل ضغطًا، فمنظومة السجن التي تحاكم ماكميرفي جعلته يفر إلى مصحة نفسية أقل رقابة، لكن العملين يشتركان في نظرة تحتفي بالمجنون وتبرئه من كل ما التصق به من مرويات أعادت ملامح حماقته وسجلتها بتجاهل تام لإنسانيته المهمشة.

ميتتان والهرب واحد

يشير العملان إلى الموت باعتباره صدمة تسمح للشخوص بالانفلات عن مبادئهم التي آمنوا بها طيلة الوقت، كأنه شرخ المسلمات الذي يأتي متأخرًا، مولودًا من سأم واندفاع إلى الخلاص والوصول إلى نهاية لم تأت إلا بالشهقة الأخيرة للروح.

بعدما تموت أم خالد، العجوز التي وجدت فيها محظوظة ومبروكة أمًا بديلة، المرأة التي تشبههما في الوقوع ضحية القمع والظلم وحتى الأخلاق، تحاولان الالتصاق بها، لكنها تموت بوهنها من الحياة قبل أن تعطي لهما ما تبحثان عنه، فلا تزال الأخلاق والحياة منقلبة لدى محظوظة ومبروكة: «ليش.. وين الحب وين الخير وين الإنسانية ليش كل شي ضاع؟ قولي لها يمه ليش عشتي غريبة وانقتلتي غريبة.. ليش حياتنا صارت دمار بدمار خراب بخراب.. ليش صارت ذبح بذبح». 

تطول قائمة التساؤلات في مشهد درامي عبثي ينتهي بهرب محظوظة ومبروكة من بيت العم إلى مستشفى الأمراض العقلية، فالرغبة في الحرية تقلصت، ومحاولات بطلتي الجنون لم تعد مهمة. إنه الهروب من مجتمع قتلنا بجنونه دون أن ينتبه لحظة إلى الجثث التي تركها وراءه. 

يصور المشهد قدسية المصحة ودنس الحياة خارجها، ليس فقط باللوحة التي غير اتجاهها لتشير إلى موقع مستشفى الأمراض العقلية في الخارج، وإنما أيضًا بلجوء محظوظة ومبروكة إليها. لكن مستشفى الأمراض العقلية في فيلم «أحدهم طار فوق عش الوقواق» كانت مكانًا مدنسًا بسلطته التي يقودها الأطباء والممرضات بحجة حماية النزلاء من العالم الخارجي.

إلا أن ماكميرفي برغبته في الخلاص من أروقة المشفى يزعج السلطات، وبعد عملية جراحية استؤصل فيها دماغه حتى لا يؤثر على من معه، يقتله صديقه الزعيم الهندي خنقًا، ومن ثم يطبق فكرة ماكميرفي القتيل في الهرب من المشفى إلى البعيد. 

ورغم انطلاق الأقدام نحو الحرية، فإن الأسئلة عن الهرب ليست مهمة مثل تساؤلاتنا عن الموت والجنون، وهي كما يقول فوكو في كتابه: «ليست نهاية الأزمنة والعالم هي التي ستبين لنا أن الإنسان مجنون إلى الحد الذي يجعله لا يكترث بهذه النهاية، بل تنامي الجنون واكتساحه الصامت، هما اللذان يشيران إلى أن العالم قريب من كارثته النهائية. إن جنون الإنسان هو الذي يستدعي هذه النهاية ويجعلها ضرورية».

هذا ما يرغب العملان في تأكيده، جعل الموت بطاقة الجنون البديلة، التي تحتمل سد الطريق أمام رغبات الجنون اللامتناهية في التطلب والخروج عن المألوف والثورة، فلا يكون قمع المجنون بتعذيبه وحرمانه كافيًا للآخر، وإنما زواله واجتثاث وجوده، فيسمو الآخر المؤمن بالعقل بنفسه واقفًا على جثث مجانين بطش بهم حتى ماتوا تحت قدميه.