حرف جر

«ها نحن عدنا ننشد الهولو»: لماذا عادت مذكرات بحّار إلى المسرح؟

الصورة: مركز  الشيخ جابر الثقافي

في ذاكرة الأوطان تلتمع أعمال بعينها مثل النجوم، ترسم ذلك الوطن وتلون تاريخه، وقد استطاع أوبريت «مذكرات بحار» أن يتفوق على كل ما عداه من أعمال فنية بسبب تكامل عناصره: الكلمات والألحان والتوزيع والغناء، ولاحقًا الإخراج التلفزيوني.

لماذا يُستعاد الأوبريت مُمسرحًا بعد كل تلك الأعوام؟ لأن الأعمال الأيقونية تستعاد في كل البلاد برؤية كل جيل.

الصندوق السحري

صدر ديوان «مذكرات بحار» للشاعر الراحل محمد الفايز عام 1962، وانتشر في محيط محدود بين القراء آنذاك، إذ لم تكن في الكويت قواعد قراء مثلما الحال الآن.

وبعد ما يزيد عن عقد من صدوره، تلقف الديوان شادي الخليج وغنام الديكان وسعيد البنا غناءً وتلحينًا وتوزيعًا بالتعاون مع الشاعر، ليُغنى ويُعزف في حفل شهير من حفلات وزارة التربية، وسط رقصات الطلبة والطالبات التراثية المتنوعة. لكن نجاحه الساحق كان عندما ولج الأوبريت ذلك الصندوق السحري الموجود في كل بيت: التلفزيون. 

كان التلفزيون آنذاك ثورة تجاوزت الأبيض والأسود إلى الألوان، تحتشد العائلة أمامه في المنازل خلال ساعات البث المحدودة، يحدقون إلى شاشته الفضية.

عرف ذلك الزمن وأعماله لاحقًا بالزمن الذهبي للإنتاج الفني الكويتي، وتبوَّأ كثير من الأعمال المنتجة وقتها مكانه في ذاكرة الكويتيين والمقيمين وحتى الأشقاء الخليجيين، وبعضها اخترق البلدان العربية.

عودة المذكرات

عندما انتشرت إعلانات تحويل «مذكرات بحار» إلى عمل مسرحي أواخر 2017، ثار جمع من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، سؤالهم: لماذا يستعاد عمل قديم بدل أن ينتَج جديد؟

تحدثنا في الأعلى موجزًا عن أيقونية العمل، وهنا توضيح للجواب الأول. فمسرحية مثل «علي جناح التبريزي» المصرية اشتهرت بنسخة كويتية للراحل صقر الرشود، ومسرحيات سيد درويش والرحابنة تستعاد في الدول العربية، لا سيما في غربها. هل أذكركم بمسرحيات «شبح الأوبرا» و«البؤساء» و«بحيرة البجع» وأعمال شكسبير؟ لا داعي، ناهيك بتوزيع موسيقى أغانٍ قديمة لتلائم روح العصر. هل في ذلك إبداع؟ قد يكون أو لا، فالمحك هنا مقدار الإضافة الإبداعية.

والآن في 2019، لفت انتباهي انتشار إعلان الأوبريت ثانيةً في الشوارع لكن بتوقيع الروائي سعود السنعوسي على ملصقها، وهذا ما دفعني لحضورها.

مذكرات بحار: ثورة المثقفين المنسية

لقطة من أوبريت «مذكرات بحار» - الصورة: مركز  الشيخ جابر الثقافي

 لماذا أحضر عملًا حفظناه صغارًا وشاهدت نسخته المسرحية قبل عامين؟

 

رغم أيقونية العمل، فقليل من الناس ينكَبُّ على قراءة الديوان من الجلدة إلى الجلدة.

لنعد إلى الديوان وزمان تحويله لعمل تلفزيوني في بداية الثمانينيات على يد الإعلامي القدير محمد السنعوسي. أذكركم بحضور الديوان الفاتر بين القراء، ثم نجاحه الساحق عندما دخل التلفزيون. آنذاك، ثار المثقفون من كُتاب وشعراء، رغم قلتهم، ربما غيرةً أو حسدًا أو نقدًالماذا سمح الشاعر محمد الفايز لهؤلاء الفنانين باجتزاء عمله ومسخه وتقطيعه؟ بل وقيل إن بعضهم أوغل باتهامه للشاعر بأنه خان ديوانه من أجل أوبريت يقفز على حقيقة تراجيديا الماضي.

قليلٌ من يتذكر تلك الاتهامات التي طالت الديكان وشادي الخليج والمخرج السنعوسي. من أين جاء هذا الاتهام؟ حتى اليوم، ورغم أيقونية العمل، فقليل من الناس ينكَبُّ على قراءة الديوان من الجلدة إلى الجلدة. فحوى الاتهام: ديوان «مذكرات بحار» مليء بالمأساة المقتبسة من تاريخ الكويت البحري، كل تلك الكابوسية تُرجمت بغير ما قاله الشاعر، وصارت ما يشبه الكرنفال لعمل «فرايحي» فلكلوري مرح راقص، رغم أن الأوبريت احتوى بعض المقاطع المؤلمة، مثل مقطع الأسئلة الذي يقول:

أركبت مثلي البوم؟

والسمبوك؟

والشوعي الكبير؟

أرفعت أشرعة.. أمام الريح.. في الليل الضرير؟

هل ذقت زادي في المساء على حصير؟

هل ذقت العذاب

مثلي وصارعت العباب؟

أمسكت مفلقة البحار؟

لكن عتاب المثقفين وانتقادهم للديوان غرق في قاع بحر التقبل الشعبي للعمل. سأضرب مثالًا بأكثر مقاطع الأوبريت تفاؤلًا ودفعًا لحماسة الجمهور، مقطع «ها نحن عدنا ننشد الهولو» الذي يختتم العمل.

ما دمت حيًا فالبحار

مأواي أو باع قصير

في الأرض حين أموت يا ملح البحار

ستكون شهدًا عن قريب

والنهار سيطل مثل عيوننا

ألقوا الشراع ودعوا السفينة

يا رفاقي في الضفاف

ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة

من رحلة الصيف الحزينة

ها نحن عدنا للمدينة

ولسوف نبحر حين تمطر في الشتاء

لم يخبرنا الأوبريت أن رحلة الصيف كانت «حزينة»، بل أظهرها كما لو أنها كانت رحلة سياحية في «هيرات» الخليج (أماكن الغوص).

كل من حفظ الأغنية لن يتذكر الجمل المفضية إلى رحلة كابوسية، إذ لم تجد لها مكانًا في الأوبريت آنذاك.

مثال آخر: في أحد فصول الديوان قصة بحارة تحطمت سفينتهم، كانوا أربعة وخامسهم مريض، وعندما أطبق عليهم الجوع فكروا في أكل لحم أخيهم الخامس. ذلك هو الديوان الحقيقي بكل الرعب، ناهيك بقصص التجار الجشعين وغيرها.

قبل عامين حضرت الاستعادة المسرحية، وكان الربط الدرامي بين الأغاني مهلهلًا، يحاول أن يستند إلى معنى، لكنه أخفق في التجاوز عدا من موسيقى جميلة وأداء غنائي مميز من سليمان العماري وآلاء الهندي، وتمثيل متقن من الممثل فيصل العميري، وكان دخول شادي الخليج في نهاية العمل يغني «ها نحن عدنا ننشد الهولو» مدخلًا لسرور تأجل كثيرًا، وغافرًا لكل الفوضى الفنية التي انتابت عرض 2017.

إذًا ما الجديد هذا العام؟ وهل ثمة رؤية جديدة؟ كي أعرف، وجب علي الحضور.

قصدت مجددًا مركز الشيخ جابر الثقافي، مبنى جميل يليق بأحلامنا في هذا الوطن، ومنذ اللحظة الأولى كان الإخراج متميزًا والديكور والأزياء، كل ما هو بصري متقن وبمواصفات عالمية يسرق البصر. كنت أجاهد أمام جمال الصورة للإنصات إلى النص.

الحبكة بسيطة: ابن لنوخذة ابتلعه البحر يطلب من عمه، النوخذة أيضًا، أن يضمه إلى رحلة الغوص. تثور الوالدة رافضةً لكنه ينجح في إقناعها، عله يظفر بدانة مخبوءة في محارة تأتي له بخطيبته دانة. وفي خط موازٍ، يترقب عمه النوخذة طفلًا يولد له، لكنه يولد خلال رحلة الغوص في غياهب البحر.

يغامر الفتى في الغوص، يلحق صوتًا هاتفًا يستند إلى أسطورة «بودرياه». وعندما يوشك على الغرق لعدم معرفته بحرفة الغوص، يقفز عمه النوخذة لإنقاذه، فيرجع الفتى إلى السفينة بينما يصارع النوخذة صدره المتعب. تعود سفينة الغوص ببحارتها إلى الكويت، عدا النوخذة الذي تعود أغراضه عوضًا عنه. خطان متوازيان، كل مشهد يُقدِّم ويمهد قدر المستطاع للأغنية التي تليه.

عمل جريء

لقطة من أوبريت «مذكرات بحار» - الصورة: مركز  الشيخ جابر الثقافي

خرجتُ من العمل بانطباعات عدة لخصتها بكلمتين: عمل جريء، لماذا؟ اعتماد المركز تلك الرؤية الجديدة للعمل فعل جريء، وهي في الحقيقة ليست رؤية جديدة بقدر ما هو انتصار لرأي المثقفين القديم وما قاله الراحل محمد الفايز في ديوانه.

استطاع السنعوسي بجرأة إعادة روح الديوان للأوبريت عبر الحوارات: قسوة حياة البحر، والديون التي ترهق كاهل البحارة، وفتات ما يجنونه من رحلة الشهور الأربعة، وآلام الموت والفقد. التاريخ الوردي والمواقف البطولية والرجولية من تعاضد أهل الكويت لا يخفي حقيقة جشع بعض التجار، إذ كان النظام المالي آنذاك مثقلًا بالظلم، يقرض البحارة وينوء الدين على كاهله، بل ويرثه أبناؤهم بعد موتهم، ليستمر الدين إلى يوم الدين.

كنت أتساءل وأنا أتابع اللوحات المسرحية: لو قُيض للمثقفين الذين عتبوا آنذاك على الشاعر أن يشاهدوا هذه المعادلة الفنية الجديدة للعمل، ماذا كان ليكون رأيهم؟ أظنهم سيصمتون مطولًا قبل أن يدلوا بدلوهم، إذ استطاع جناح النص المسرحي أن يوازن الجناح الغنائي من العمل، حتى ظن بعض الحضور أن العمل تحول إلى عمل كئيب وتراجيدي بدلًا من الفرح والكرنفالية القديمة.

كل ما حدث كان عودة العمل إلى روح ديوان «مذكرات بحار» الحقيقية: تأريخ رحلة عذاب سنوي، ونزاع مع أعماق الخليج. أيظفر الغواص بلقمة عيشه، أم يظفر البحر بروحه قبلها؟ أيعود بنصيب من لآلئ الخليج، أم بمزيد من الديون التي يسددها عملًا في المواسم المقبلة؟

وددت لو جاءت الحوارات أكثر ثراءً، حوارات تزيد من عمق العمل وإدانة الماضي، وقد كانت ثمة مشاهد تحتاج ذلك مثل مشهد السفينة بعد العاصفة قبلما يقفز البطل إلى البحر. لا أنسى إضافة أشعار موضي العبيدي عن ابنها الذي ابتلعه البحر على لسان الأم، التي أدت دورها الفنانة زهرة الخرجي، كانت إضافة أعطت عمقًا آخر للنص.

التوزيع الموسيقي كان رشيقًا، والفرقة عزفت عزفًا حيًا بقيادة الدكتور محمد باقر بإتقان. ثمة إضافات في التوزيع الموسيقي أثْرت العمل، وإن تمنيت أن تزيد جرعة الجرأة ويكثرون منها.

مواهب شابة ملهمة

شادي الخليج في أوبريت «مذكرات بحار» 2019 - الصورة: مركز الشيخ جابر الثقافي

الغناء الحي المصاحب كان مذهلًا، بلغ الإتقان حدًا بدا معه كأنه مسجَّل (Playback) مثلما يحدث في عروض المسرح الغنائي العربي وأحيانا العالمي. أن يكون الغناء حيًا ومصاحبًا للموسيقى، فذلك مدعاة تفاؤل بتلك المواهب الشابة. المطرب بدر نوري كان فنانًا كبيرًا على المسرح، مثَّل وغنى دور النوخذة باقتدار، بل تحلى بجرأة تضاف لجرأة العمل عندما ارتجل بعض الآهات وأضاف بعدًا مسرحيًا لافتًا خلال الغناء.

يبقى وجود النص مكمن الأزمة المسرحية، سواءً عبر استعادة عمل قديم برؤية جديدة وجريئة مثل أعمال صقر الرشود وعبد العزيز السريع، أو بناء عمل جديد يؤسس لمرحلة فنية جديدة.

لم يكن أداء خليفة العميري بأقل منه، بل كان صوته رائعًا. وإن كان أداء شخصيته المسرحية بسيطًا، بل في محطات تحول كأنما هو شاب ساذج يريد إقناع عمه بانضمامه لبحارة رحلة الغوص، ولا أدري هل هذا الضعف من النص أم من الإخراج. الفنانتان الأخريان، حنين العلي وآلاء الصراف، أبدعتا على صعيد الغناء والتمثيل، بالإضافة إلى الطفلة الموهوبة زينة الصفار، التي حصدت وزملاؤها تصفيقًا طويلًا. 

لو قُيض للمسرح الغنائي الكويتي ولادة لكانت عناصره الأساسية موجودة: المسرح العالمي، الممثلون، الأصوات المبدعة، الأوركسترا المتميزة. يبقى وجود النص مكمن الأزمة المسرحية، سواءً عبر استعادة عمل قديم برؤية جديدة وجريئة مثل أعمال صقر الرشود وعبد العزيز السريع، أو بناء عمل جديد يؤسس لمرحلة فنية جديدة.

سأكون مقصرًا إن لم أصف لكم خروج فنان الكويت شادي الخليج على خشبة المسرح. هل أصف صوته المشبع بالجمال، صوته الذي يحتل شطرًا من ذاكرتنا، أم أصف الجمهور يوم هب واقفًا يصفق له، والكل مبتسم؟

يبقى «مذكرات بحار» عملًا مثل البحر، ينادي الغاصة على المعاني من كُتاب ورسامين وموسيقيين.