الشاشة

في «Mother!» و«The Killing of a Sacred Deer»: مم يخاف إنسان العصر الحديث؟

لقطة من فيلم «Mother!» - الصورة: Protozoa Pictures

«Mother» فيلم رمزي يصور أثر العنف والنزاعات في إفساد وجه الحياة على الأرض، يحكي قصة امرأة متزوجة حديثًا لديها آمال بجعل بيتها جنة، يسمح الزوج الشاعر المشهور باستضافة زوار للمنزل لا لسبب سوى أنهم يعظمون الزوج ويرضون غروره، يترك الشاعر البيت مستباحًا للزوار. السلوك الفظ لمعجبي الشاعر وشجارهم المستمر يقضي على آمال ربة المنزل بالتمتع بحياة وادعة كانت تحلم بالحصول عليها في المنزل.

محور الفيلم هو الاختلاف بين صفات الأنثى والأمومة وصفات الرجل والذكورة. الذكر طفل يلعب، والأنثى هي الأم، ربة المنزل المسؤولة، بعبارة أخرى: يجسد الذكر دور الأنا، بينما تضطلع الأنثى بدور الذات. تتمثل الأنا في الشخصية التي يختلط بها الإنسان في المجتمع، والذات هي الإناء الحاوي للعواطف والمشاعر، يجد الذكر مكانه في الواقع، والأنثى تسكن الخيال.

زواج الرجل من المرأة توحيد لقوى النوعين بهدف خلق عالم جديد. قصة الفيلم تفترض وجود إلهين في بداية الكون، إله ذكر وإلهة أنثى. قرر الإله الذكر بمفرده خلق عالم جديد، فخرج العالم مشابهًا لشخصيته. ووفقًا لفيلم «Mother!»، فإن سبب الاضطراب الحاصل في العالم افتقاده للصفات الأنثوية، افتقاده لصفات الإلهة الأم الأنثى وأفكارها.

الزوجة امرأة شقراء في الثلاثينيات من عمرها، تشبه صور وشخصية النساء الأمريكيات في زمن الحرب العالمية الثانية، تعاني من تجاهل زوجها الشاعر لرأيها. لدى الزوج طابعان متناقضان، كثيرًا ما يكون شخصًا مطيعًا ضاحكًا يراعي مشاعر الزوجة، لكن عندما يتعلق الأمر بموضوع يهمه، فإنه يتحول في لحظة إلى شخصية مستبدة متسلطة.

ربما يرجع سبب الأزمة بين الزوج والزوجة إلى أن المرأة تتمنى من الرجل أن يكون أنثى مثلها، لديه نفس مشاعرها واهتماماتها، تريد تشكيله وفقًا لأهوائها، يشعر الرجل بالخوف من ما يبدو أن الزوجة تدبره له، يريد أن يظل رجلًا كباقي رجال العالم، ألا يُحرم من متعة الصخب والضجيج، يرى الرجل أن دور المرأة هو أن يفضي إليها بضعفه وجبنه، فإذا خرج إلى العالم، يكون سليمًا وخاليًا من المشاعر الغريبة التي تؤدي إلى الجنون.

يستخدم المخرج الرموز كأنه يريد تلاوة تعاويذ لاستنطاق القوى المجهولة في الكون، كأن الحقيقة مخلوق وحشي لا يستأنس للبشر.

أفلام الرعب ترتد بالإنسان إلى وضعية «أنا أفكر»، يختلط الرعب في الفيلم بالاكتئاب، لأن الزوج الحبيب صار واحدًا من أسباب الرعب، طوال الفيلم الزوجة وحدها هي التي تفكر، بينما زوجها وضيوفه المعجبون يتصرفون من دون تفكير، يشعر الإنسان بالحنق والكراهية حين يجد الشخص الآخر الذي يعرفه يتصرف كوغد، الشخص الوغد يتصرف كأنك من تسبب في المشكلة، يخبرك بأن تفكيرك وحساسيتك أوهام عليك أن تكف عنها.

عندما تلمس الزوجة الحائط تجده لينًا. يتبنى الفيلم الفكرة الميتافيزيقية عن أن العالم ليس صلبًا، مادة العالم الحقيقية هي المشاعر والأفكار، لو غيرت مكانك ستحاط بمشاعر وأفكار مختلفة لأن العالم ليس صلبًا، فالماضي والمستقبل موجودان في اللحظة الحاضرة، يشعر الإنسان بالرعب لافتقاده المعلومات عن قوى الماضي والمستقبل اللذين لا يستطيع رؤيتهما.

قد يعجبك أيضًا: فيلم «Mother!»: فشل كل عناصر النجاح

تكمن فائدة الأدب الرمزي في أنه لا يسارع إلى طرح حل للمشكلة. لو أسمينا الأشياء بمسمياتها لن نخرج بتصور جديد عن حقيقتها، سننتهي إلى نفس ما قالته الأجيال السابقة عن هذه الأشياء. يشبه الفيلم ألغاز كلمات متقاطعة، والمُشاهد مهمته أن يربط بين الرموز وما يماثلها في الأديان والتاريخ، ثم يخرج بما يشاء من تفسيرات وأفكار.

يستخدم المخرج الرموز كأنه يريد تلاوة تعاويذ لاستنطاق القوى المجهولة في الكون، كأن الحقيقة مخلوق وحشي لا يستأنس للبشر، يرواغ المخرج، يدور ويدور ويلقي حباله من أجل أن يمسك بالحقيقة.

وماذا عن قتل الغزال المقدس؟

يشير عنوان فيلم «The Killing of a Sacred Dear» إلى قصة أسطورية عن قائد يوناني قتل غزالًا داخل غار يتبع أحد الآلهة. يخبر العراف القائد بأن عليه أن يضحي بابنته مقابل قتله الغزال كي تدعه الآلهة يمضي بجيشه، وإن لم ينفذ التضحية سيهلك الجيش، ويخسر القائد الحرب.

في التراجيديات، تحدث المصائب للشخص الأكثر عقلانية، كأنها عقابه لتجاوزه الحد المسموح للبشر من المعرفة.

يبدأ الفيلم بارتكاب الطبيب «ستيفن مارفي» خطأً في إحدى العمليات الجراحية، فيتسبب في وفاة المريض. مارتن ابن المريض المتوفَّى صبي غريب الأطوار، يلتقي ستفين ويخبره بأنه ألقى لعنة على أسرته. على الطبيب اختيار واحد من أفراد أسرته لقتله، وإلا مات أفراد الأسرة جميعهم من مرض غامض سيصيبهم.

مارتن، الذي ألقى باللعنة على أسرة الطبيب، صبي ذو شخصية غامضة كأنه ينتمي إلى نوع آخر من البشر، يحرك رأسه بطريقة غريبة، يُنزلها إلى أسفل، ويحدق في عين من يحاوره كأنه كان غائصًا في عالم خاص، ثم عاد إلى الواقع، فراح يتلفت حوله حتى لا يكون قد فاته شيء. شخصية مارتن الغريبة منشؤها تعاظم إحدى الوظائف العقلية النفسية لديه، أصبح متجاوزًا للبشر الآخرين، مارتن يبدو كما لو كان الوحيد الذي يعيش الحقيقة، هو الوحيد المحصَّن من خداع المظاهر.

الأب الطبيب رب عائلة لديه لحية كثيفة الشعر. يرمز تربية اللحية غالبًا إلى وجود سر عند الشخص الملتحي، ويطلق المتدينون في العالم لحاهم إشارة إلى طاعتهم لقوى عليا.

يُلاحَظ في الفيلم عقلانية الأب الطبيب. في التراجيديات، تحدث المصائب للشخص الأكثر عقلانية، كأنها عقابه لتجاوزه الحد المسموح للبشر من المعرفة. في العهد القديم، يترك الإنسان الجنة ويُلقى في الدنيا لأنه أكل من شجرة المعرفة. لن تجد تراجيديات في الأدب تخص الشخص المرح أو المهرج أو عاشق النساء، تتعقب التراجيديات الشخص الذي بدأ في التململ من حياته كإنسان وراح يفكر وينظر حوله بحثًا عن شيء آخر يمكن فعله.

تلعب الكاميرا دور شخصية تشارك أبطال الفيلم في الأحداث، كأن المصور أُرسِل إلى الماضي ليسجل ما جرى. خلال بعض المواقف، تشعر الكاميرا بالتعاطف مع حال الأسرة، فتبتعد عن تسجيل اللحظات المحرجة، تشعر بالخجل من اضطرارها إلى أداء عمل قاسٍ لا يحترم مأساة الأسرة المنكوبة، تتمرد أحيانًا وتقترب من الشخصيات، كما لو أنها فقدت السيطرة على أعصابها وبدأت في ما يشبه الصراخ وطلب النجدة.

ينخدع المُشاهد في البداية، يظن أن الفيلم عن علاقة مثلية بين رب العائلة وأحد الفتية. في الآونة الأخيرة كثرت الأفلام التي تحتوي على شخصية مثلية بين أبطالها. الجنسانية المثلية صارت هاجس العصر الحالي، يرغب الجميع في الكلام عنها والاستماع لقصة تدور حولها. راحت موضة أبطال المافيا والمخدرات، المثلية هي الموضة الجديدة في صناعة الأفلام، وفي فيلم «Mother!» أيضًا يوحَى إليك بأن الشاعر لا يمارس الجنس مع زوجته بسبب ميوله المثلية.

تظهر أسرة الطبيب ستيفن مارفي كعائلة لطيفة، تحرص الزوجة على دعم زوجها في حياته وترعى طفليها، لكن عند النهاية يتغير هذا، يتواطأ المخرج مع اعتقاد الجمهور بعدم وجود شيء طيب في العالم، كلما كان الشخص لطيفًا، فهو فظيع في الأعماق، أصبح هذا قانونًا في فلسفة كثير من الناس، يعطيهم المخرج ما يريدونه وأكثر من مشاعر الشماتة في الأشخاص اللطفاء.

لم تكون عقوبة ستيفن أن يطلق النار على نفسه لأن الآلهة تحب الأبطال، تُعاقِب الآلهة البطل بأن يقتل فردًا من أسرته، البطل هو النموذج الكامل للإنسان، ما يعني أنه أقرب شيء لصورة الآلهة، تتصرف الآلهة كأنها يحكمها شيء يماثل قوانين الفروسية، لا تتدخل لقتل البطل، فقط تطلب منه تنفيذ مهمة، ولو فشل يكون الذنب عليه إذا أدركه الموت.

تتكرر مَشاهد الجنس ثلاث مرات خلال الفيلم: المشهد الأول بين الطبيب وزوجته، هنا يصبح المُشاهد جزءًا من الأسرة، وليس مجرد فرد في الشارع ينظر إليهم من النافذة. المشهد الثاني إغراء أم الفتى مارتن للطبيب، بهذا يصير الطبيب جزءًا من أسرة مارتن. المشهد الثالث في آخر الفيلم، مشهد نمطي وظيفته وضع فاصل بين بداية القصة والأحداث المهمة الكاشفة التي تأتي في النهاية.

الابنة «كيم» تغني ثلاث مرات: المرة الأولى مع أبيها ستيفن وأخيها «بوب». الثانية مع مارتن. الثالثة حين تصاب قدماها بالشلل وتسقط في حفلة الغناء. تكرار الأغاني يعطي مسحة من القَدَرية في الأفلام، الأغنية إشارة إلى ما سيحدث في المستقبل، لكن لا ينتبه إليها أحد.

تحدث الأشياء في القصص ثلاث مرات، الأولى صدفة، والثانية تعزيز للصدفة، والثالثة تصبح الصدفة جزءًا ثابتًا في العالم لا يمكن لأحد حذفها.

يُضَحَّى بالابن الصغير بوب في نهاية الفيلم. الأطفال الصغار هم من يُضحَّى بهم في الأساطير، يبدأ الإنسان حياته كشيء كامل، ينقص هذا الجوهر الكامل، ويتطاير مع التقدم في العمر. الطفل الصغير أقرب الأشخاص لعالم الماوراء، لهذا هو من تفضله الآلهة في طقوس التضحية. لا تريد الآلهة شخصًا تمتزج روح عالم الإنسان فيه، الابنة كيم خاضت تجربة الدورة الشهرية الأولى للتو، بهذا نجت من أن تُقَدَّم كقربان للآلهة.

اقرأ أيضًا: «مقتل غزال مقدس» و«أُم!»: معضلة الألوهية ومعنى الإله

ماذا يُقلق إنسان العصر الحديث؟

الطبقة الفقيرة ستظل مؤمنة بالأساطير، قد تكون إحداها صحيحة وتعصف بما بنته الطبقة العليا مفرطة الرضا عن نفسها.

تغتاظ الزوجة في فيلم «Mother!» من تصرفات الضيوف القادمين من طبقات فقيرة، لا يمتلكون الذوق والتهذيب المطلوبين، يخرب القادمون من الطبقة الأدنى عالم الزوجة الهادئ. خلال الفيلم، تأتي مَشاهد مظاهرات أشخاص من بلدان دول العالم الثالث، يعقبها مشهد أشخاص محتجزين وراء أسلاك شائكة. هناك من فسَّر الفيلم بأنه تعبير عن الخوف من فترة حكم دونالد ترامب، لكن مضمون الفيلم يناقض هذا التفسير. الفيلم يغذي خوف الشعب الأمريكي من شعوب العالم، يرى أن بلدان العالم تحقد على شعب الولايات المتحدة، وتتمنى له أن يتساوى معها في المعاناة والفقر.

إن أمعنا النظر سنجد أن الشاعر في الفيلم الذي يستقطب المعجبين ما هو إلا الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، الذي حظي بكراهية أنصار الحزب الجمهوري لأنه اعتاد تقديم الاعتذارات تلو الأخرى عن أفعال أمريكا.

ليس هذا تفسيرًا متعسفًا. الفيلم يمتلئ بفكر رجعي يشبه فكر ترامب. فيلم «Mother!» يتماهي مع النظرة التي تؤكد أن المرأة كائن مسكين لا يقوى على فعل شيء، يقوم على الاعتقاد القديم بأن المرأة معرضة للجنون لو اختلطت بأشخاص غير زوجها.

يقدم فيلم «مقتل غزال مقدس» نفس الرؤية الطبقية: الطبيب الغني ستيفن ذو الأسرة الرائعة يتعرض لتهديد من مارتن الصبي المنتمي لأسرة بسيطة الحال، يخبر مارتن الطبيب بأنه ألقى لعنة على أسرته، وعلى الطبيب قتل أحد أفراد أسرته. لا يمكن أن يكون مارتن شخصًا غنيًّا، تنتشر الأساطير والمعتقدات الغيبية في الطبقات الفقيرة، تتمنى الطبقة الغنية المثقفة التخلص من المعتقدات الغيبية ليصفو لها العالم، لكن الطبقة الفقيرة ستظل مؤمنة بالأساطير، فالأساطير ما زالت حية، وهي جزء من العالم، قد تكون إحداها صحيحة، وتعصف بما بنته الطبقة العليا مفرطة الرضا عن نفسها.

يخشى الشخص الغني من الفقراء بسبب اختلاف المستوى التعليمي والثقافي والاقتصادي بين الطرفين، يحصل الأغنياء في العالم الحديث على المال والثقافة في الوقت ذاته، يتسع الفارق في المستوى الاقتصادي بين الشعب الأمريكي، ويتسع الفارق مع باقي شعوب العالم، وبالقطع لا يثمر هذا الواقع أفلامًا رومانسية.