الشاشة

منتصف الليل في باريس: ما وراء الحنين لزمن أجمل

لقطة من فيلم «Midnight in Paris» - الصورة: Gravier Productions

«الحنين هو الإنكار، إنكار الحاضر المؤلم»

دائمًا ما تكون حالة «النوستالجيا» أو الحنين إلى «الزمن الجميل» حاضرة بيننا بنسب متفاوتة، وتشغلنا فكرة أن حياتنا كانت بالتأكيد أفضل لو كنا في عصر آخر نراه «عصرنا الذهبي»، كل شيء فيه جذاب وسليم ويناسب ذوقنا الخاص. ربما لأننا ولدنا في عصر تزداد فيه الأمور سوءًا، عصر مفُرط في سرعته وتعقيده، يمكننا التدقيق في حياتنا والنظر إلى الوراء، باتجاه «الزمن الجميل» كي نختزل حقبة بأكملها، نراها ساحرة في صورة واحدة أو مجموعة قليلة من صور الماضي التي نجد فيها راحة وإلهامًا ما.

ربما كانت الأمور في الماضي أفضل بالفعل أو أسوء، والحنين ليس شيئًا خطأً بالضرورة، ولا صحيحًا كذلك، وهناك أزمنة هي بالطبع أفضل من أخرى، لكن كيف يمكننا العبور من حالة النوستالجيا، والنظر إليها ضمن حاضرنا، إذ إننا وُجدنا، وتم تكويننا هنا، وبالتالي لم يكن لنا، بتكويننا ذلك، أن نوجد بطريقة أخرى خارج هذا الحاضر.

في حديث، على طاولة مقهى مع مجموعة من ثلاثة سيرياليين شبان، هم: الرسام «سلفادور دالي»، المُصور «مان راي»، والمخرج «لويس بونويل»، سيعترف «غيل بندر» بأنه جاءهم من الألفية الثانية، وهو يحيا (منذ أن حضر إلى باريس لقضاء العطلة) داخل عالمين، لا يرى الثلاثة في الأمر شيئًا غريبًا لأنهم سيرياليون بالطبع، لكن غيل يرى نفسه مجرد «رجل عادي» يسأم من العام 2010، ويحن لعشرينيات القرن العشرين التي يراها عصره الذهبي.

يقع البطل في حب امرأتين تُمثّلان بدورهما عالمين يحتار في الاختيار بينهما، الأولى هي «إنيز» خطيبته التي يحبها، لكنه ربما يكره «سطحيتها» وانبهارها البرجوازي المنخدع بظاهر الأشياء، ووالديها (الجمهوريين) المزعجين، وكذلك يحب «أدريانا» الفتاة التي قابلها تحت الأضواء الباريسية لعصره الذهبي، والتي تخبره بأن للماضي تأثيرًا كبيرًا فيها، إذ تتمنى لو عاشت في باريس العقد الأخير من القرن التاسع عشر (الزمن الجميل الخاص بها). تمنحه أحاديثه المفتوحة الهادئة مع أدريانا السعادة، وهو بالطبع يحب اتسامها بشاعرية عصرها ورقته، عصره الذهبي التي تنتمي هي إليه، ويحن له.

دعنا نقع في الحب لأن قلوبنا مصنوعة منه

لقطة من فيلم «Midnight in Paris» - الصورة: Gravier Productions

«ما كان عاديًّا، وحتى مبتذلًا، بالنسبة إلى جيل ما، قد حوله مرور السنوات إلى منزلة السحر والمرح»

بعد حفل لتذوق النبيذ يتسكع غيل وحيدًا، ونصف مخمور، في أضواء باريس المسائية، ليجلس تحت برج ساعة كبيرة، وعندما تدق الساعة مُعلنة منتصف الليل، تأتي سيارة قديمة تصطحبه إلى حفل مُقام على شرف الكاتب «جان كوكتو»، حيث سيقابل «سكوت فيتزغيرالد»، صاحب رواية «جاتسبي العظيم»، والمغني الأمريكي «كول بورتر»، وهو يغني «دعنا نقع في الحب لأن قلوبنا مصنوعة منه»، ليجلس بعد ذلك في مقهى صغير رفقة «إرنست هيمنغواي» الذي سيَعِده بعرض روايته التي تتحدث عن شخص يعمل في متجر «نوستالجيا» على غيرترود شتاين، الأديبة والناقدة الألمانية، وصاحبة أشهر صالون أدبي باريسي في ذلك الوقت، لقرائتها.

تتحقق أحلام غيل، إذ يقابل عظماء ماضيه الغابر، وباريس التي حلم بها دومًا تتحقق دون أن يدري كيف، في الصباح يخبر إنيز خطيبته عن ليلة أمس، لكن «حديثه الفارغ»، كما تصفه، لا يشغلها بقدر ديكورات منزلهم المستقبلي، وكراهيتها للسير تحت المطر، بينما يستمر غيل في رفض الواقع، ويرغب في العثور على الأمس مجددًا، هناك حيث سيكف عن التذمر من الحياة، ويصبح سعيدًا دون أدنى شك.

حاول غيل اكتشاف حقيقة الحنين للعصر الذهبي، ووجد أن كل ذلك قد يكون مجرد وهم، وأن الحاضر غير مُرضٍ لأن الحياة بطبيعتها «غير مُرضية».

الضجر، المعاناة الناتجة عن فشل العلاقات العاطفية، وقلق التفكير في الموت، خواء الوجود وانعدام الهدف من الحياة، وكذلك الفن كطريق هروب من كل ذلك، هي الأسئلة المسيطرة على غيل بندر، وكذلك أسئلة «وودي آلن» (مخرج الفيلم ومؤلفه) المعتادة، لكن تلك الأسئلة تتوارى قليلًا داخل التساؤل الرئيسي حول الحنين إلى عصر ذهبي، حين كان الفن حقيقيًّا وصادقًا ومُعبرًا أكثر عن شيء قوي داخل الإنسان.

هكذا يعود وودي إلى صلب تساؤلاته القديمة، إذ لا يشكل بحث بطله غيل بندر (الذي يُمثّل، كمعظم أبطاله الآخرين، صورة شخصية له) عن زمنه المجيد سوى بحث عن حياة تخلو من الضجر، ويسيطر على الفيلم الحوار ذو النكهة الفلسفية المعتادة لديه، والتي لا تخلو بالطبع من الكوميديا.

بينما يستمر غيل في جولاته المسائية بين شخصياته المفضلة، يقابل «بابلو بيكاسو»، الفنان الشهير، ويقع تدريجيًّا في غرام «أدريانا»، الفتاة الجميلة التي جاءت إلى باريس كي تدرس الموضة، وهي عشيقة بيكاسو أيضًا، يكتشفها غيل شيئًا فشيئًا ليجد تطابقًا بينهما في رفضهما لحاضريهما، تُفضِّل أدريانا نهايات القرن التاسع عشر على حاضرها (السريع والمُعقد)، وترى في عصر غيل بندر الذهبي، وتتولد بداخلها مشاعر نحو غيل الذي تعذبه رغبته في التصريح بمشاعره نحوها، وكذلك بحقيقة أنه ينتمي إلى زمن آخر.

حاول غيل بندر اكتشاف حقيقة الحنين للعصر الذهبي، ووجد في النهاية أن كل ذلك قد يكون مجرد وهم، وأن الحاضر سيظل دائمًا غير مُرضٍ لأن الحياة بطبيعتها «غير مُرضية».

الحياة هنا والآن

يمكننا النظر إلى «الزمن الجميل» الخاص بنا، ومحاولة إثراء عصرنا بالقيم والظواهر الجيدة التي تبهرنا في عصرنا الذهبي.

لن نرضى (ويحق لنا ذلك) عن حاضرنا بسبب الحروب أو المجاعات أو السرعة المفرطة أو الاغتراب، لكن المنطق يفرض علينا قبول وجودنا ضمنه لأنه أكثر توقيت ننتمي إليه بالضرورة، ولأننا ببساطة ولدنا ونعيش فيه، لا داعي للهروب من ذلك لأن وجودنا هنا والآن، يعني أنه لم يكن ممكنًا لنا الوجود في مكان آخر، إلا إذا آمنا بتناسخ الأرواح أو ما شابه، شئنا أم أبينا، فإننا سنظل أبناءً شرعيين لحاضرنا، لا نقدر على تخيل حياتنا دون بعض تفاصيله على الأقل.

مثلما لا يقدر غيل بندر مثلًا على تخيل حاضره دون مضادات حيوية أو مخدر موضعي لدى طبيب الأسنان، ذلك بالطبع لا يعني أن الحياة على مر الأزمنة تبقى ثابتة دون تغير، أو أن العيش في ظل بشاعة محرقة أو دكتاتورية أو مجاعة يساوي العيش في أوضاع أخرى مخالفة لذلك.

يمكننا النظر إلى «الزمن الجميل» الخاص بنا، ومحاولة إثراء عصرنا بالقيم والظواهر الجيدة التي تبهرنا في عصرنا الذهبي، والتي توافق ما توصلت له الإنسانية من قيم نافعة مشتركة، لكن الحنين الدائم، حتى وإن كان إنكارًا لحاضر، هو بالفعل سيئ ومؤلم، لن يُمكننا من فعل شيء حيال ما نراه كذلك، يجب علينا العمل، بشكل جماعي وفردي، على تحسين شروط حياتنا، الوجود في عصر آخر مستحيل، قد ننتمي بأرواحنا إلى عصرنا الذهبي، لكن التركيز على ذلك قد يمزقنا، ذلك لا يعني أنه بالفعل لم توجد أوقات أفضل من تلك التي نعيشها، لكن ما يمكننا فعله حيال ذلك هو خلق حياة جديرة بنا تحمل ثمار كل العصور، كذلك يمكننا لقاء الأشخاص القادرين على الاقتراب والاستماع إلينا في حين نستمع إليهم أيضًا، والقادرين كذلك على الاستمتاع بالسير معنا تحت المطر.

غيل لم يتخل عن أفكاره بشكل كامل، لكنه صار «واقعيًّا» بصورة ما، إذ يقرر الانفصال عن إنيز، ويقابل من جديد فتاة فرنسية كان يشتري منها الأسطوانات تدعى «غابرييل»، تشبه «غابرييل أدريانا»، الموجوده في عصره الذهبي المفضل أكثر، لكنها تنتمي كذلك إلى عصر إنيز. قد يحقق ذلك الاتزان بين الحنين والواقع، بين الماضي والحاضر، الشيء المرغوب لدى غيل خاصة أنه لم يتخل عن أحلامه، وقرر البقاء في باريس، وكتابة الروايات، وكذلك السير مع غابرييل بعدما اكتشف حُبها للسير تحت المطر.