الشاشة

ماري شيلي: حكاية المراهقة التي صنعت فرانكنشتاين

ماري شيلي

لطالما كان لدي هذا الولع الشديد بكل ما له علاقة بقصص وروايات الرعب، منذ طفولتي وأنا أستمع بكل شغف إلى حكايات جدتي الشعبية عن أمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة. كانت تجمعنا حولها، نحن أحفادها، وتبدأ في نسج قصصها المخيفة بينما صوتها العجوز الرقراق يتلون ببراعة مع أحداث القصة المرعبة، فتتسع حدقتاي خوفًا وترتجف أوصالي بينما أتخيل تلك الوحوش المريعة. وفي المساء أدفن نفسي بين أغطية السرير القطنية، بينما عيناي تراقبان ما يدور حولي بحذر.

وحين يغلبني النعاس، تستمر تلك الخيالات في مطاردتي داخل أحلامي، ولكن في صباح اليوم التالي أشعر كأنني انتصرت على تلك الوحوش بمفردي، لقد أشرقت الشمس دون أن ينال مني الأشرار. ولهذا لم يكن مستغربًا أن أقع في هوى أفلام الرعب حتى الآن، بل وأجد لذة في مشاهدتها بمفردي.

فور صدور فيلم «Mary Shelley»، تملكني الفضول لمشاهدته، فهي المرة الأولى التي أسمع بها عن فيلم يتناول قصة حياة ماري شيلي الكاتبة الإنجليزية لا روايتها المعروفة «فرانكنشتاين». 

الفيلم من بطولة «إيل فانينغ» في دور ماري، و«دوغلاس بوث» في دور زوجها بيرسي شيلي، و«بيل باولي» في دور كلير أخت ماري، و«ستيفن ديلان» في دور وليام غودوين والدها. وهو من تأليف «إيما جينسن»، وإخراج المخرجة السعودية هيفاء منصور، وعُرض في صالات العرض السينمائي بالمملكة المتحدة في يوليو 2017. وبالرغم من إيراداته المتواضعة في شباك التذاكر، فإنه حظي بحفاوة دولية في عدة مهرجانات سينمائية، فعُرض في مهرجان تورنتو الدولي، وتبعه مهرجان دبي السينمائي ومهرجان تربيكيا الدولي

يُسلط الفيلم الضوء على حياة ماري المراهقة التي لا يتعدى عمرها 18 عامًا، وينقل لنا روحها المتمردة على العادات والتقاليد الصارمة في القرن التاسع عشر في ظل المجتمع الإنجليزي المحافظ، وعلاقتها العاطفية الشائكة بالشاعر الإنجليزي «بيرسي شيلي»، بينما كان الثنائي في غَمرة شبابهما، تلك العلاقة التي سرعان ما ألقت بتداعياتها على حياتها، وأجبرتها على خوض العديد من التحديات والتغيرات، هذه التغيرات ألهمتها بشكل أو بآخر لكتابة واحدة من أهم روايات الرعب في الأدب الإنجليزي: «فرانكنشتاين»، أو بروميثيوس العصر الحديث.

امرأة عربية تُخرج فيلمًا إنجليزيًا متقنًا

هيفاء المنصور - الصورة: العربية.نت

شغلني شغفي الشديد بقصة الفيلم عن معرفة مخرج العمل قبل مشاهدته، لأفاجأ في نهايته باسم هيفاء منصور. للوهلة الأولى لم أستطع استيعاب الأمر، فكيف يمكن لمخرجة عربية سعودية أن تنفذ فيلمًا بريطانيًا إلى هذا الحد؟ فاللغة المستخدمة قديمة، ومواقع التصوير عتيقة، والديكورات إنجليزية الطابع، وكل تلك التفاصيل توحي بأن مخرج العمل إنجليزي إلى أقصى درجة. بالإضافة إلى أن موضوع الفيلم في حد ذاته بعيد كل البعد عن بيئة وتفكير امرأة عربية سعودية، ليست مولودة بالأساس في دولة أجنبية، بل ناطقة باللغة العربية ودرست في الجامعة الأمريكية في مصر.  

«حينما قُدم لي سيناريو العمل، فوجئت، فأنا قادمة من السعودية وهذه امرأة إنجليزية في مرحلة تاريخية مهمة، ولكن إنجلترا في ذاك الوقت كانت تشبه السعودية، يتوقعون من النساء شكلًا معينًا ليكتبون في شكل معين، ولكن فرانكنشتاين كان كتابًا مختلفًا، فهو عن الخيال العلمي». هذا ما صرحت به هيفاء في تقرير تلفزيوني قصير، في إطار تغطية مهرجان دبي السينمائي في دورته الرابعة عشرة، وقد أشبع تساؤلاتي الفضولية إلى حد كبير.

اتفقت أم اختلفت معها، فهذه وجهة نظرها الخاصة التي عبرت عنها بوضوح في أكثر من لقاء، وهذا لا ينفي كونها المخرجة السعودية الأولى التي تخرج فيلمًا هوليوديًا بهذا الشكل الضخم، ولا نغفل بالطبع إنجازها السابق «وجدة»، الفيلم السعودي الأول الذي صُور بالكامل داخل المملكة، ورُشح لجائزة البافتا البريطانية في فئة الفيلم الأجنبي، وحصل على العديد من الجوائز الدولية.   

فرانكنشتاين: قصة مفاجئة وحكاية صادمة

لعلك تصورت مثلي أن ماري شيلي امرأة ناضجة تشبه أجاثا كريستي بنظراتها الثاقبة، أو عازفة عن الزواج مثل جين أوستن بعد قصة حبها المخيبة للآمال، لكنها كانت مراهقة صغيرة لم تتخطَّ العشرين ربيعًا حين كتبت «فرانكنشتاين». هذه الحقيقية التاريخية يكشفها لنا الفيلم من خلال التركيز على سنوات مراهقتها العنيدة، فماري غودوين، وهو اسمها الحقيقي قبل الزواج، ابنة الفيلسوف والكاتب ويليام غودوين والكاتبة الإنجليزية المناصرة لحقوق المرأة ماري وولستونكرافت، التي ماتت بعد ولادة ابنتها تاركة الصغيرة في رعاية والدها.

تحاول ماري أن تثبت للجميع أن تهورها الشخصي لا يتعارض مع موهبتها الفطرية في الكتابة.

ورثت ماري عن والديها إرثًا كبيرًا من التمرد والاندفاع والموهبة، فواجهت العديد من المضايقات، وأشار بعض الناس إلى تبنيها أفكار والدتها الثورية بشأن حرية المرأة والمساواة مع الرجال، وحين وقعت في حب الشاعر الشاب بيرسي شيلي، لم تفكر ولو للحظة في العواقب الوخيمة لهذه العلاقة غير الشرعية، بينما شيلي متزوج في الأساس ولديه أبناء، بل انجرفت وراء عواطفها وعاشت معه مغامرة غير محسوبة أدت في النهاية إلى انتحار زوجته. 

يصور لنا الفيلم مراحل العلاقة العاطفية بين ماري وبيرسي، مرورًا بالبدايات الشغوفة حتى المِحن المتعاقبة، تلك المراحل التي أثرت في تكوين ماري الإنساني وجعلتها تنضج سريعًا، خاصة بعد فقدانها طفلتهما الأولى ونبذ المجتمع لهما، فتحاول ماري أن تثبت للجميع أن تهورها الشخصي لا يتعارض مع موهبتها الفطرية في الكتابة.

كان اختيار إيل فاننغ في دور البطولة موفقًا إلى حد كبير، فملامحها البريئة ومظهرها الفتِي عكسا الفضول والطاقة التي تكمن داخل تلك المراهقة الصغيرة، بينما على العكس تمامًا بالنسبة للممثل دوغلاس بوث، الذي بالرغم من وسامته فإنه لم يضف كثيرًا إلى دور بيرسي شيلي، بل قدم أداءً تقليديًا باهتًا من بُعد واحد لشخصية الشاعر الإنجليزي المعروف، وهو نفس الأداء الباهت المقتضب الذي قدمته غالبية الشخصيات في العمل، وكأنهم جميعًا مقتطفات في حياة ماري لا شخصيات حقيقية أثرت فيهم وتأثرت بهم.

ترى، لماذا لم يحظَ الفيلم بنجاح أكبر؟

الصورة: BFI Film

حصل الفيلم على تقييمات متوسطة إلى منخفضة على كل من موقع «Rotten Tomatoes» و«IMDb»، وإذا أخذنا في اعتبارنا إيراداته المتواضعة، فلا بد أن نسأل أنفسنا: لماذا لم يحظ بنجاح أكبر؟

أعتقد أن العبء الأكبر يقع على عاتق كاتبة السيناريو، فحياة ماري شيلي في تلك الفترة كانت بمثابة مادة دسمة لصنع دراما حقيقية تجسد الصراعات التي واجهتها، ولكن تركيزها الكامل عليها همش بقية الشخصيات بشكل مخل، فلم يمنحنا تفاصيل وافية حتى عن أقرب الشخصيات لها، كحبيبها بيرسي أو والدها، بل دفعتنا، نحن المشاهدين، إلى التساؤل عن حياة تلك الشخصيات وماضيها ومستقبلها، وبالأخص شخصية اللورد بايرون، التي قفزت إلى الأحداث دون تمهيد درامي كافٍ، بل قُدمت بعدة كلمات مختزلة أعلنت فيها كلير عن علاقتها به، وكأن كاتبة الفيلم تفترض تلقائيًا أن المشاهد على دراية كاملة بالمكانة الأدبية لشخصيات العمل بكل بساطة. 

ماذا إذًا عن المُشاهد غير القارئ للأدب الإنجليزي؟ أوليس له الحق في تعريفه عبر السياق الدرامي بدلًا من الشعور أنك بصدد متابعة فيلم استهلاكي للمراهقين، لا عمل تاريخي يجسد سيرة ذاتية لواحدة من أشهر الكاتبات؟

ليلة واحدة تصنع أهم قصص الرعب العالمية

الصورة: Universal Pictures

لم يتضمن الفيلم الكثير من التفاصيل حول تلك الليلة التي شهدت ولادة فرانكنشتاين. ففي عام 1816، شهدت أوروبا ظاهرة مناخية غريبة بعض الشيء: أبى الصيف القدوم، وانهمرت الأمطار وتراكمت السحب، وكتب الشاعر الإنجليزي اللورد بايرون قصيدته «عامٌ بلا صيف». 

السبب الفعلي وراء هذا التغير المناخي المفاجئ هو الأبخرة المتصاعدة من ثورة أحد البراكين في إندونيسيا، التي أثرت في مناخ أمريكا وأوروبا وآسيا في ذلك الوقت، ولهذا كان من المنطقي أن يدعو بايرون ماري وحبيبها بيرسي وأختها كلير لتمضية بعض الوقت في ملكيته، خصوصًا أن الأخيرة واقعة في حبه، وانضم إليهم طبيبه بوليدوري.

تماشيًا مع أجواء الرعد والبرق والمطر، اقترح بايرون أن يروي كلٌّ منهم قصة مرعبة لتمضية الوقت. ومن قلب تلك الأجواء القوطية نبعت فكرتان: فرانكنشتاين لماري شيلي، وفامبري للطبيب بوليدوري، التي كانت النواة الأولى لقصص مصاصي الدماء الرومانسية في الأدب العالمي، والتي بالمناسبة نُسبت إلى اللورد بايرون في طبعتها الأولى

يرى النقاد أن فكرة القدرة على البعث أو إحياء الموتى كما قدمتها شيلي ليست سوى انعكاس لرغبتها الدفينة في استعادة من فقدتهم.

ميلاد فرانكنشتاين في عقل ماري شيلي كان نتاج عدة عوامل، أبرزها تأثرها الواضح بالتجارب العلمية المذهلة التي أجراها الفيزيائي الإيطالي «لويجي جلفاني»، أحد رواد علم الكهرومغناطيسية الحيوية، الذي حظيت تجاربه بكثير من الشهرة والجدل وأحدثت ضجة كبيرة داخل المجتمع الأوروبي حينذاك، فهو صاحب تجربة الضفدع المعروفة، وإليه يعود الفضل لاكتشاف قدرة الشحنات الكهربائية على تحريك جسم الضفدع الخالي من الحياة، هذه التجربة شكلت مصدر إلهام حقيقي للوصول إلى فكرة غير عادية على الإطلاق، وهي قدرة الإنسان بمساعدة العلم على بث الحياة في أوصال الأجسام الميتة، وهو ما نفذه فيكتور فرانكنشتاين، بطل رواية شيلي، على مسخه المُخلَّق.

أما على الصعيد النفسي، فيرى النقاد أن فكرة القدرة على البعث أو إحياء الموتى كما قدمتها شيلي ليست سوى انعكاس لرغبتها الدفينة في استعادة من فقدتهم، بدايةً بوالدتها التي توفيت بعد 11 يومًا من ولادتها، مرورًا بأطفالها الذين فقدتهم الواحد تلو الآخر عدا ابنها الوحيد بيرسي، بالإضافة إلى شعورها بالذنب بعدما تسببت في انتحار زوجة حبيبها بيرسي شيلي.

التجارب الإنسانية المؤلمة التي خاضتها شيلي مبكرًا كونت لديها مفهومًا خاصًا للأمومة التي افتقدت حنانها في الصغر وذاقت مرارتها في الكبر، لتعبر عنها بشكل فريد في روايتها. 

لم تستطع ماري وضع اسمها على غلاف روايتها إلا بعد مرور خمس سنوات على إصدارها، بسبب عدم تقبل القراء وقتها هذا النوع من الروايات من امرأة، فظلت الرواية في نسخها الأولى مجهولة الكاتب.

وبرغم كونها تنتمي لفئة الخيال العلمي، فإنها تضمنت دلالات رمزية وإسقاطات أدبية حول علاقة الخالق بالمخلوق، وطرحت أيضًا العديد من التساؤلات حول مستقبل الطموح البشري اللامتناهي في ظل التقدم العلمي المتصاعد، ولهاث البشرية نحو الكمال والخلود، فمحاولات فيكتور فرانكنشتاين لصنع إنسان خارق للطبيعة انتهت بطريقة مأساوية بعدما نبذ صنيعة يديه.

أما ماري نفسها فتُرجع أصل قصتها إلى كابوسٍ رأته في المنام: «عندما وضعت رأسي على وسادتي، لم أستطع النوم ولم أكن أفكر، لكن مُخيلتي غير المحدودة أرشدتني وأهدتني رؤى متتالية في ذهني تتجاوز حدود الخيال المعتادة. لقد رأيت، مغمضة العينين ولكن ببصيرة عقلية نافذة، طالب الفنون المدنسة شاحبًا وهو يركع بجانب الشيء الذي جمع أجزاءه، رأيت جثة ممدودة لرجل يبدأ في التحرك، ثم دبت الحياة في هذا الكائن، ولكنها بدت بطيئة ودون حيوية».

لم تستطع ماري وضع اسمها على غلاف روايتها إلا بعد مرور خمس سنوات على إصدارها، بسبب عدم تقبل القراء وقتها هذا النوع من الروايات من امرأة، فظلت الرواية في نسخها الأولى مجهولة الكاتب، تحمل فقط مقدمة كتبها الشاعر بيرسي شيلي. 

بالعودة إلى فيلم «ماري شيلي»، يمكن القول إنه كعمل سينمائي نُفذ بشكل رائع من النواحي الفنية الإخراجية، ولكن كان لا بد لكاتبة العمل أن تضع في اعتبارها فكرة ثراء المحتوى وعمق الشخصيات، خصوصًا أن أحداث العمل تحتمل هذا القدر من المعلومات، ناهيك بأن مُشاهد أفلام السيرة الذاتية يتوقع هذا، بل وينتظره.

,