الشاشة

مسلسل «ليالي أوجيني»: مصر التي نرثيها، وأرواحنا التائهة

لقطة من مسلسل «ليالي أوجيني» - الصورة: بي لينك للإنتاج الفني والتوزيع

اعتدت في طفولتي أن تحكي لي والدتي عن جدتي وطباعها، وتؤكد: «تيتا كان جدها باشا تركي». أستمع لكل حكايات والدتي عن جدتي، وأتذكر طريقة سير جدتي الهادئة، وطريقة كلامها الرتيبة المتأنية، وكلما شاهدت حلقة من حلقات مسلسل «ليالي أوجيني» لا يمكنني إلا أن أتذكر جدتي.

تدور أحداث المسلسل في أربعينيات القرن العشرين في مدينتي بورسعيد وبورفؤاد، حيث يعيش الطبيب فريد الذي توفي أخوه يوسف منذ عام واحد تاركًا زوجته وطفلته الصغيرة، فيتزوج فريد من زوجة أخيه بهدف لم شمل الأسرة والمساعدة في تربية ابنة أخيه.

عانت السيدة كاريمان كثيرًا من زوجها القاسي العنيف الذي خطف ابنتها وأرسلها بعيدًا إلى باريس، فتدفعه ليسقط على الأرض، وتهرب من القاهرة إلى بورسعيد، وتحاول من هناك اللحاق بابنتها، وخلال ذلك تقابل الطبيب فريد والفنانة جليلة وغيرهما من شخصيات المدينة التي تتعرف إليها وتُعرِّفنا عليها شيئًا فشيئا.

رونق التفاصيل وخفتها

لقطة من مسلسل «ليالي أوجيني» - الصورة: بي لينك للإنتاج الفني والتوزيع

يتمتع المسلسل بعدد من المزايا، على رأسها العناية بالتفاصيل: الديكور والألوان والشخصيات وطريقة التحدث والأزياء، وغيرها من التفاصيل التي ميزت حقبة الأربعينيات في مصر، وكأنه آلة زمنية تسافر بالمُشاهد إلى تلك الحقبة الزمنية في مدينة خارج القاهرة لنتذكر جمال بورسعيد وروعتها.

لا يعتمد «ليالي أوجيني» على تسارع الأحداث أو الأكشن إطلاقًا، فذروة الأحداث والتعقيدات تحدث بشكل هادئ إلي حد بعيد، لكنه يتصاعد تدريجيًّا، لكن كل هذا لا يهم، فالتفاصيل والحالة التي يخلقها، يغنيان عن اللهاث خلف الأحداث المتلاحقة، فالمُشاهد لا يمانع أن يتعرض لـ10 دقائق كاملة من الحديث حول الحياة أو السفسطة في مفهوم السعادة بين ظافر العابدين وأمينة خليل، أو بين مكرم مراد وإنجي المقدم، لأن حالة الهدوء التي يفرضها المسلسل على أحداثه وتفاصيله في حد ذاتها الوجبة التي تستمتع بها بعيدًا عن صخب الحياة المتلاحق، وباقي الدراما التي تتناحر في شهر رمضان.

اعتنى المخرج بالديكور الذي يقدم شرائح مختلفة من النسيج المصري، بين الغني والفقير والإيطالية والأرستقراطية.

«ليالي أوجيني» من تأليف إنجي القاسم وسماء أحمد عبد الخالق، اللتين كتبتا مسلسلي «لا تطفئ الشمس» و«حلاوة الدنيا»، ولم يدخرا جهدًا في تقديم لغة حوار منضبطة تمامًا وملائمة لتلك الحقبة الزمنية أيضًا، حيث التحية «سعيدة»، والتعبير عن الشكر بـ«أكون ممنون لك».

تأخذ الشخصيات وقتها في التعبير عن الكلام ببطء، ونطق اللغة العربية بشكل أقرب إلى الفصحى. فهل يمكن لضابط شرطة الآن أن يتحدث إلى مواطن قائلًا: «إنت بتأوي في بيتك واحدة هربانة من جريمة قتل». فاللغة باتت باهتة وسطحية عن ما كانت عليه إبان ذلك العصر.

حتى في أسماء الشخصيات كانت عناية الاختيار ملحوظة. ففي حقبة الأربعينيات والخمسينيات كان هناك عدد من الأرمن في مصر، لذلك ظهرت أسماء غير مصرية كثيرة خلال تلك الفترة، ورغم أن أسماء الأبطال عادية، مثل فريد وكاريمان، لأنهم مصريون، فإن بعض الأسماء الأجنبية، مثل «آرتين» و«ساركيس»، موجودة في لأنها كانت منتشرة خلال تلك الفترة بين الأجانب.

المخرج هاني خليفة كذلك يستحق الإشادة في عنايته بديكور المدينة والمنازل والأزياء اللافتة، وبخاصة أن المسلسل يقدم شرائح مختلفة من النسيج المصري، بين الغني والفقير وفتاة الأرياف والإيطالية والأرستقراطية، لكن لم يحدث أن اختلط عليهم الأمور في اختيار الأزياء والملابس المناسبة، بل التزمت كل شخصية بالزي الملائم والأنيق كذلك.

لماذا أوجيني؟

لقطة من مسلسل «ليالي أوجيني» - الصورة: بي لينك للإنتاج الفني والتوزيع

اختيار اسم «أوجيني» به كثير من الأناقة، فالاسم في حد ذاته صعب النطق على طبقات معينة لا يستهدفها المسلسل.

أوجيني هي الإمبراطورة الفرنسية التي تمتعت بجمال وأناقة فائقة، وتزوجت نابليون الثالث إمبراطور فرنسا عام 1853، لتصبح إمبراطورة البلاد. مارست السياسة، وشاركت زوجها الحكم، وتلقت دعوة من الخديو إسماعيل، حاكم مصر، لحضور حفل افتتاح قناة السويس في 16 نوفمبر 1869 بمدينة بورسعيد.

ويُذكر أن إسماعيل في ريعان شبابه، وفي أثناء دراسته في فرنسا، وقع في غرام فتاة شابة ليفاجأ بها بعد ذلك إمبراطورة، وكان هو الخديو، لهذا نالت اهتمامه في أثناء حضورها حفل افتتاح قناة السويس.

شيَّد الخديو إسماعيل قصر «الجزيرة» على الطراز الفرنسي ليكون محلًّا لإقامتها في أثناء حفل القناة، والذي عُرِفَ في ما بعد بـ«قصر عمر الخيام»، وهو نفسه الذي يُعرَف الآن باسم فندق «ماريوت» الذي نشأ صورة طبق الأصل عن قصر «تويليري»، حتى تشعر الإمبراطورة بأنها ما زالت في فرنسا.

أمر الخديو بغرس حبوب زهرة الكرز في حديقة القصر بعد أن أبلغته أوجيني باشتياقها لعطرها، إضافةً إلى أمره بإنشاء شارع الهرم بعد أن طلبت الأميرة زيارة الأهرامات وأمر أيضًا بإنشاء حديقة الجبلاية التي تبلغ درجة عالية في الجمال والأناقة لتتمتع الإمبراطورة بها.

بعد عزل الخديو إسماعيل عام 1879، وثورة الفرنسيين ضد أوجيني بسبب هزائمهم في الحرب السبعينية ضد روسيا، هربت الإمبراطورة إلى إنجلترا، ثم توفيت في 1920 عن 94 عامًا.

أُطلِقَ اسم أوجيني على عدد من الأماكن في بورسعيد التي زارتها، وحتى الآن هناك شارع رئيسي باسمها الذي صار مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالمدينة محل أحداث المسلسل، وتياترو وفندق أوجيني أيضًا.

اختيار اسم أوجيني به كثير من الأناقة التي يحرص عليها المسلسل، فالاسم في حد ذاته صعب النطق على طبقات معينة لا يستهدفها العمل. وكذلك الرومانسية الحالمة التي تطبع الأحداث، وتشبه إلى حد كبير تلك الرومانسية التي علَّقت قلب الخديو بالإمبراطورة التي كانت حبًّا مستحيلًا، لكنه عاش اللحظة على أي حال، وشيَّد لها كل ما استطاع للتعبير عن حبه وامتنانه.

عن الأرواح التائهة

مشهد من مسلسل «ليالي أوجيني»

بقدر ما يقدم «ليالي أوجيني» حالة من الكلاسيكية تفرض نفسها بوضوح، فإن الأحداث تتمحور حول الأرواح المعذبة والتائهة التي تبحث عن السعادة أو الخلاص، بين دكتور فريد الذي يبحث عن سعادته بعد وفاة أخيه، أو كاريمان التي تسعى للعثور على ابنتها بعد الخلاص من زوجها الشرير، أو في شخصية صوفيا التي قدمتها إنجي المقدم. حتى شخصية عزيز التي قدمها مكرم مراد، فهي ملائمة لشكله وطبيعة جسده، وكذلك المطربة جليلة.

إن اختيار الممثلين كان أكثر من مناسب للشخصيات التي رُسِمَت بعناية، تلك الشخصيات التي تفرض حالة من الرومانسية تتسلل إلى المُشاهد، فيتماهى مع أرواح ذلك العصر رغم الحزن الذي يخيم على الشخصيات. فتدرك لوهلة أن هذا الحزن ركن أساسي من حالة «البكاء على الأطلال».

من خلال تلك الأرواح يعيد المسلسل تشريح النسيج المصري ليقدم جميع الطبقات بشكل أنيق جدًّا، ورقيق في نفس الوقت، ما يجعلك تشاهد مصر القديمة وترثي حالنا. فمصر كانت نظيفة وجميلة ومتحضرة قبل إصابتها بفيروس العشوائيات واللغة العربية التي شابتها الإنجليزية من كل صوب وحدب. إذ كنا نعتز بلغتنا ذات يوم رغم أن الخديو كان في ذلك الوقت حريصًا على التشبه بأوروبا في مظاهر الحياة كافة.

أخطاء أوجيني.. جل ما لا يسهو

استخدام صورة الملكة ناريمان في لقطة من مسلسل «ليالي أوجيني» - الصورة: بي لينك للإنتاج الفني والتوزيع

رغم كل شيء، جَلَّ من لا يسهو، إذ ظهرت بعض الأخطاء التي انتقصت من جمال العمل بعض الشيء، فهندسة الصوت غير منضبطة لأن الموسيقى التصويرية كانت أعلى من أصوات الممثلين، ما تسبب في عدم وضوح الجمل والحوار.

أما الخطأ الفادح الذي لا يُغتفَر، فكان في استخدام صورة قديمة بالأبيض والأسود للملكة ناريمان، الزوجة الثانية للملك فاروق، على أنها والدة نبيلة التي تؤديها الممثلة مريم الخشت.

لا أتوقع أن تتوقف الأخطاء عند هذا الحد رغم أنه يجدر الإشادة إلى دقة صناع العمل على الاهتمام بالتفاصيل وتجنب الأخطاء قدر المستطاع، لكن دراما رمضان تصاب عادة بكثير من الأخطاء بسبب ضغط جهات الإنتاج للوقت المطلوب لإنتاج العمل توفيرًا للنفقات. فالعمل الذي يحتاج ثلاثة أشهر في التصوير، ينتهي في شهر واحد، وهو الأسلوب الذي تعمل به معظم جهات الإنتاج.

قد يهمك أيضًا: هل تحول شهر رمضان إلى موسم «الكريسماس العربي»؟

تتر المسلسل بداية ونهاية

نسمة محجوب تغني أغنية «حبي ليك» لمسلسل «ليالي أوجيني»

لا يمكنني تجاهل التتر وأغنية «حبي ليك» التي أدتها نسمة محجوب، وكتب كلماتها الشاعر أمير طعيمة، ولحنها هشام نزيه. وهي الأغنية التي أشاد بها كل من سمعها، لكن وقعها عليَّ كان مزعجًا إلى حد كبير. فالغناء الأوبرالي لم يكن أوبراليًّا بالمعنى الخالص، وجاءت الكلمات ممطوطة بعض الشيء لملاءمة صوت نسمة محجوب كي يبدو وكأنه همس من عالم آخر ملائم للعصر القديم.

أفهم هذا جيدًا، لكنني ما زلت متحفظة على الانزعاج الذي أشعر به من أغنية التتر، وبخاصة في النهاية المتشحة بالسواد والكآبة على خلفية المطر والبرق.

على أي حال، فالأغنية لاقت نجاحًا كبيرًا، وهي بالفعل مختلفة عن تترات المسلسلات الرمضانية الأخرى، بل تذكِّرني بأغنية مسلسل «هوانم جاردن سيتي» رغم أن الأخرى كانت سعيدة وممتعة وتحمل كثيرًا من البهجة.

أما بعد...

لقطة من مسلسل «ليالي أوجيني» - الصورة: بي لينك للإنتاج الفني والتوزيع

«ليالي أوجيني» ليس المسلسل الأفضل على الإطلاق، فكثير من الأحداث متوقَّعة، ويمكن توقع ظهور إسماعيل زوج كاريمان مرة أخرى بسهولة، فلا يبدو أنه مات. كذلك يمكننا توقع علاقة الحب التي تجمع بين صوفيا وعزيز، ويبدو أنها ستكتمل بالسعادة بشكل ما.

لكن سر نجاحه ليس في أحداثه غير المتوقعة، إنه حالة فريدة تحمل كثيرًا من الهدوء في وقت تعلو الأصوات ويجتاح الصخب كل شيء. لا يسعني مشاهدة المسلسل دون أن أتذكر جدتي وروحها الطيبة وحياتها المليئة بالبساطة والبركة، والتي لم تخل أيضًا من الأناقة والكلاسيكية.

أرثي جدتي المتوفاة، وأرثي حال مصريين كانوا يعيشون في باريس الشرق، ولم ينل منهم الحظ ليشاهدوا كيف تشوه ذلك البلد إلى هذا الحد القبيح والمزعج. أما حظنا نحن، فمقداره ساعة من الهدوء والسكينة نلفظ فيها أنفاسنا ونحن نشاهد ساعة من «ليالي أوجيني»، وأتذكر روح جدتي التي أفتقدها.