سلطنة

سيمفونية «يوهانس برامز»: 14 عامًا لتخطي حاجز بيتهوفن

ماذا يعني أن تحاول تفكيك بناء موسيقى بيتهوفن وإعادة تركيبها بصيغة أخرى؟ أن تقلب بنية السيمفونية رأسًا على عقب، ومن الداخل إلى الخارج؟ تنسج خطوطًا دقيقة في بنية هندسية معقدة، وتحاول تفادي التأثير الطاغي لموسيقى بيتهوفن؟ تحاول احتجاز روحه داخل حجرة صغيرة في صرحك الموسيقي؟

استغرقتْ صراعات المؤلف الموسيقي الألماني «يوهانس برامز» مع ذاته أربعة عشر عامًا، للخروج بسيمفونيته الأولى إلى العالم، تفاحة يانعة وفراشة رشيقة تضرب جناحيها برفق في نسيم ظهيرة دافئة.

كان العرض الأول للسيمفونية الأولى، مقام سي الصغير مصنف 68، في العام 1876، عندما كان برامز قد بلغ الرابعة والأربعين من عمره، ولاقى الاحتفاء الهائل الذي يستحقه من الجمهور والنقاد، حين عبر بسلام الجسر الخطير الذي كان يخشى عبوره، جسر الخوف من أشباح بيتهوفن.

برامز الصغير

وُلد يوهانس برامز عام 1833 في هامبورغ بألمانيا، وكان والده جيكوب لاعب كونترباص مفلسًا في أوركسترا هامبورغ، وكان معلمه الأول في السابعة من عمره، عندما برز من برامز لمحة واعدة كعازف بيانو. أرسله إلى «إدوارد ماركسين» ليتولى تعليمه الصارم، وبدأ بتعلم عزف مقدمات وفوجات «يوهان سيباستيان باخ» من «الكلافير المعدل» (مصنفات أعمال يوهان سيباستيان باخ لآلات الهاربسيكورد، والكلافيكورد، والأورغان).

كتب برامز للأوركسترا وأغنيات البيانو وموسيقى الحجرة والسوناتا والفانتازيات والكابرتشيو والبالاد والرومانس.

كانت النقلة الحقيقة الأولى في حياته عام 1853، عندما قابل عازف الفيرتوسو كمان «جوزيف خواكيم». رأى خواكيم في برامز الصغير موهبة ثرية تحتاج إلى الصقل، فقدمه إلى المؤلف «روبرت شومان».

نشأت بين شومان وبرامز صداقة سريعة، وكتب عنه شومان يمدح في مهاراته في التأليف. أصبحت كلمات مؤلف ثقيل مثل شومان بمثابة قوة دافعة إلى برامز للدخول في عالم الموسيقى، في وقت كان هناك صراع قائم بين اثنين من المسيطرين على الموسيقى الألمانية وقتها، «فرانز ليست» و«ريتشارد فاغنر»، حول الطريقة الألمانية الجديدة في التأليف الموسيقي. هذا جعله قريبًا من الخطوط الدقيقة الفاصلة بين الأساليب الفنية، وفتح آفاقًا أمامه رأى فيها أشكالًا واضحة لبناءات مختلفة من الموسيقى.

إن كانت الموسيقى الألمانية وصلت ذروتها الأولى على يد فاغنر، الذي كانت الدراما الموسيقية موضع اهتمامه، فذروتها الثانية كانت على يد برامز، الذي اتجه لتطوير السيمفونية، وتمكن من صبغ المقطوعات بلونه الشخصي، صبغة تعبر في صدق عن روحه.

كتب برامز للأوركسترا، وأغنيات البيانو، وموسيقى الحجرة، والسوناتا، والمؤلفات الكورالية، والرابسوديات، والفانتازيات، والكابرتشيو، والبالاد، والرومانس، بأسلوب تلحين يبلور ثورته الخاصة، الثورة التي وطدت مكانته إلى جانب «فرانز شوبرت» وشومان، ضمن الثالوث الكبير لملحني الأغنية الفنية.

الخروج من تحت ظل بيتهوفن

بعد أن ثار بيتهوفن على الصيغة الكلاسيكية للسيمفونية، وبعد سيمفونيته التاسعة، امتد ظله فوق القرن التاسع عشر، وصار الأيقونة التي تسير الخطى خلفها. لكن برامز أراد التخلف عن الركب، أصبح شبحًا يتخلل التراكيب الهندسية للموسيقى، يجتاز المنعطفات الوعرة بأقصى سرعته، ويتأنى في زيارة الأزقة والدروب الضيقة، ويحلق فوق المشهد الكلي ليستكشف الأفق ويتنقل بين الأبعاد.

كنوع من التحدي وجذب الآذان والعقول إلى المقارنة، بدأ برامز سيمفونيته الأولى بسلم سي الصغير، السلم ذاته الذي تبدأ به سيمفونية بيتهوفن الخامسة، ثائرًا على عملاق الفترة الرومانسية للموسيقى في منطقة نفوذه.

جاءت نقطة التحول الأهم في تاريخه عندما انتهى من تأليف السيمفونية الأولى، العمل البديع الذي أثبت به ذاته وقدراته للعالم الموسيقي كله. رأى الجميع قوة تحكمه في العبارات الموسيقية والتلوين السيمفوني، ومن وقتها ظل برامز يؤلف ويتصاعد نجمه، إلى أن أصيب بسرطان في كبده، وظهر للمرة الأخيرة في مارس 1897 في حفل بفيينا، وتوفي في إبريل من نفس العام.

اشتق برامز هيكل سيمفونيته من القلب النابض لموسيقى بيتهوفن، ويميز المستمع بدقة أطياف السيمفونية الخامسة والتاسعة لبيتهوفن تلوح وتختفي في سيمفونية برامز الأولى، من ديناميكيات الحركة والتنقل المرن بين النغمات، وفتح المساحات ذاتها تقريبًا لآلات النفخ الخشبي.

رغم نجاحه الفعلي في إعادة تركيب صياغة بيتهوفن، لم يستطع برامز منع تأثيره عليه من الطفو على سطح سيمفونيته، والولوج إلى مؤلفته الكبرى.

  • الحركة الأولى في السيمفونية

تبدأ الحركة بقرع طبول متسارع يندمج مع لحن متماوج ذي شخصية إيقاعية وديعة تهدهد الطريق إلى مجموعة آلات النفخ الخشبية (الفلوت، والأوبوا، والكلارينت)، ثم يرسم صورة معقدة من الطباق الموسيقي أو الكونترابنط (خطين موسيقيين يختلفان في الصياغة اللحنية ويتآلفان في نسيج هارموني واحد): خط موسيقي متنامي من الكمان والتشيلو، وآخر آخذ في الإنحدار من آلات النفخ الخشبية والفيولا، يلتف كلاهما حول صُلب الآخر في هيئة كاملة التجانس، تصل ذروتها لتفجر طاقة هائلة من الحماس.

ثم يبني فوقه طابقًا مماثلًا له، وتتدفق موجة أخرى متماسكة من الكونترابنط، وتظل الخيوط الموسيقية تتشابك بعذوبة، مكونةً شبكة تستمد طاقة تطورها من ذاتها وتنثر ضياءها في نفوس المستمع.

من الحركة الأولى يستطيع المتذوق أن يسير داخل بنية برامز، أو يترك السيمفونية تنساب في ثنايا خريطته الإدراكية. وإذ يخرج من الحركة، أو تخرج منه، يستشعر كأنه كان يراقب حَمَلًا صغير يلهو في المروج الخضراء، ويحس بوهج الحماس في قرارة نفسه لاستقبال الحركة الثانية.

  • الحركة الثانية في السيمفونية

يمكننا تخيل شعاع ضوء يخرج من الحركة الأولى ويمتد مغذيًا الأوراق الخضراء للحركة الثانية.

تقود الوتريات بداية الحركة بإيقاع مرهف، يتصاعد بكسل ويتمطع لتخرج منه نغمات مرنة، ثم تأخذ التيمة شكلًا جديدًا بصعود الكمان والفيولا، لتدخل الحركة رحلة من التنقلات الجمالية بين النغمات الخفيضة والعالية، وتلوح أشباح بيتهوفن وتختفي في الأركان من حين إلى آخر.

في نهاية الحركة، تقدم آلات النفخ الخشبية أنفاسها الأخيرة في نغمات الحركة، وتؤكد الوتريات برفق تلك النغمات، ثم تتزاوج كل الآلات لتنتج النغمات ذاتها، توكيدًا لنقاء اللحن. وتنتهي الحركة بصولو كمان رائق، يشق طريقه كمركب شراعي على مهل وسط بقية الآلات.

  • الحركة الثالثة في السيمفونية

تقود الكلارينت هذه الحركة، ثم ينضم الزمخر (آلة نفخ خشبية عبارة عن مزمار طويل ذي أنبوب خشبي وفم معدني ملتوٍ، يصل طوله إلى نحو 2.4 متر) والبوق والنبضات الثابتة لضربات التشيلو وتتشكل لوحة هارمونية، ثم نعود إلى اللحن الأوَّلي مع الكمان، ثم ضربات التشيلو مرة أخرى، ثم الكلارينت.

تتهادى الحركة الثالثة لكنها أكثر حيوية من الثانية. ورغم أنها الحركة الأقصر من الأربع حركات، فإنها تحمل مذاقًا ينفرد بعذوبته عن بقية الحركات، إنها الحركة الأكثر سيمترية.

تبدأ بـ«أليغريتو» (حركة موسيقية ذات سرعة معتدلة)، ويُتبع بثلاثي الزمخر والبوق والتشيلو، الذي يمهد الطريق للأليغريتو الأولى مرة أخرى، وتنتهي الحركة بـ«كودا» (فقرة موسيقية تنتهي بها قطعة أو حركة، يمكن أن تكون نغمات بسيطة أو معقدة تحمل قسمًا كاملًا، وتكمن أهميتها في الهيكل الأساسي للقطعة الموسيقية في أنها تكون استنتاجًا موسيقيًّا للبناء بأكمله، عبارة عن نظرة شاملة تسمح للمستمع أن يمتص البنية وتعطيه نوعًا من التوازن).

  • الحركة الرابعة في السيمفونية

الحركة الأطول والأثقل، تبدأ بمقدمة بطيئة ومظلمة قليلًا، يسيل الظلام ويتدفق إلى أن يصبح لحنًا نبيلًا، أطلق عليه برامز «ألفورن» (آلة نفخية خشبية طويل تصل إلى عدة أمتار، تستخدم في جبال الألب السويسرية والبافارية والفرنسية والأسترالية)، الوصف الذي يناسب الحركة التي تحتوي على مساحات شاسعة ومناظر جبلية مذهلة.

نجد في الحركة سلم سي الخفيض وسلم سي الكبير يلتفان ليُكونا الهيكل الكلي، وتنهيها الأوركسترا بأكملها بأصوات عالية قوية من سلم سي الكبير تقود إلى ثلاث نغمات قصيرة، ويُختم العمل البديع بتنهيدة أخيرة طويلة مع قرع متسارع لطبول التيمباني (آلة طرق من الآلات الأساسية الأوركسترالية من الطبول المزدوجة كبيرة الحجم، كانت تستخدم في العصور الإسلامية في الحروب ومواكب الحجاج والأعياد، وكانت تُحمل على ظهور الخيل).

سيمفونية بيتهوفن العاشرة

يعتبر أغلب النقاد أن سيمفونية برامز الأولى هي سيمفونية بيتهوفن العاشرة، بينما يؤمن آخرون أنه يجب معاملة سيمفونية برامز على أنها سيمفونية لبرامز، نتاج 14 عامًا من محاولات التحرر من ثقل بيتهوفن الذي حمله برامز على كتفيه.

بعض الكتب تنسب إلى برامز قوله إن «أي أحمق يستطيع رؤية هذا»، عندما أوضح النقاد حينها التشابه بين الأصوات الأخيرة في سيمفونيته مع الأصوات الأخيرة في سيمفونية بيتهوفن التاسعة.

السيمفونية الأولى ليوهانس برامز عمل ثائر وإنجاز هائل، فرض به نفسه في تاريخ الموسيقى.