الشاشة

لماذا يعزُف العرب عن مشاهدة مسلسلات المخابرات؟

لقطة من مسلسل «رأفت الهجان»

كان من المفترض أن يُعرض مسلسلان من ملفات المخابرات المصرية خلال رمضان 2017، أُجِّل أحدهما إلى بعد عيد الفطر، وهو مسلسل «الضاهر» بطولة الفنان محمد فؤاد وسيناريو وحوار تامر عبد المنعم، لاعتراض الرقابة على بعض المشاهد السياسية، رغم حصول المسلسل على موافقة من المخابرات الحربية والجيش، بينما عُرض المسلسل الآخر، «الزيبق»، بطولة كريم عبد العزيز وسيناريو وإخراج وائل عبد الله.

الجمهور العربي يراجع نفسه 

إعلان مسلسل «الزيبق»

دراما المخابرات، التي تتحدث عن بطل يؤدي عمليات تجسس لبلاده، دائمًا ما كانت تلقى قبولًا واسعًا عند الجمهور العربي.

حسب تقرير مؤسسة «DMS» (Digital Media Science) لقياس نِسب المشاهدة، جاء «الزيبق» في المركز التاسع خلال الأسبوع الثالث من رمضان، وفي الأسبوع الثاني جاء في المركز العاشر، رغم أنه كان سابعًا خلال الأسبوع الأول.

بحسب المشاهدات على يوتيوب، جاءت الحلقة الأولى من «الزيبق» في المرتبة الثامنة بمليون و249 ألف مشاهدة، بفارق أكثر من أربعة ملايين عن «كفر دلهاب»، الذي حلَّ أولًا بخمسة ملايين و778 ألف مشاهدة.

اقرأ أيضًا: كيف حوَّل التليفزيون السياسة إلى عرض ترفيهي؟

دراما المخابرات، التي تتحدث دائما عن بطل مصري يؤدي عمليات تجسس ضد إسرائيل، دائمًا ما كانت تلقى قبولًا واسعًا عند الجمهور المصري والعربي. «دموع في عيون وقحة»، «الثعلب»، «الحفار»، «رأفت الهجان»، كلها مسلسلات حققت نجاحًا كبيرًا، خصوصًا الأخير الذي كان يسبِّب سيولة مرورية في الشوارع خلال أوقات عرضه.

يقول الكاتب والناقد سليمان الحكيم لـ«منشور» إنه كان في الجزائر وقت عرض «رأفت الهجان» في التليفزيون، وكانت وقتها شوارع العاصمة الجزائرية تخلو حتى من سائقي التاكسي وقت عرض الحلقات، لدرجة أن هناك من قال وقتها إن توقيت عرض المسلسل مناسب لتنفيذ انقلاب عسكري.

الناس يلتفون حول شاشات التليفزيون ليشاهدوا ماذا جرى لبطلهم، لأن المجتمع المصري والعربي عمومًا تسري في جيناته حب الحديث والاستماع إلى قصص البطولة، بل إنه نسج الأساطير حول أبطاله منذ أبو زيد الهلالي حتى أدهم الشرقاوي، بحسب الحكيم، الذي يشير إلى أن المخابرات العامة المصرية تدرك هذه المسألة، ولذلك تحرص دائمًا على ترسيخ بطولاتها في أذهان المصريين عن طريق أعمال فنية.

لكن، لماذا جاء «الزيبق» في هذا الترتيب المتراجع؟ هل السبب تراجُع دراما المخابرات عمومًا؟ أم أنه خلل فني في المسلسل نفسه؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى؟

مقارنة ظالمة وضعف فني

إعلان تشويقي لمسلسل «الزيبق»

يرى الناقد والسيناريست محمد مصفى أبو شامة أن «الزيبق» فشل على المستوى الفني، والسبب الأساسي يرجع إلى  الكتابة، فالخلافات التي جرت بين وليد يوسف ووائل عبد الله كاتبا المسلسل أثرت في شكل المسلسل، لأن الكتابة هي التي تقود إلى باقي مقومات العمل.

يلفت أبو شامة إلى أن وليد يوسف قال إن 85% من أحداث المسلسل وليدة الخيال ولا علاقة لها بالقصة الحقيقية، وبما أن مساحة الخيال كبيرة، فالتعارض وارد بين عقلي الكاتبين، ممَّا جعل العمل يخرج مشوهًا من حيث الكتابة، رغم أنه كان قويًّا من الناحية الإنتاجية ومتوسط المستوى من حيث الإخراج.

أدى كريم عبد العزيز بصورة جيدة كما يرى الناقد الفني، إلا أن شريكيه شريف منير ومحمد شاهين كانا ضعيفان، كذلك فإن بعض الأقلام سوَّقت للمسلسل على أنه منافس «رأفت الهجان»، وهي مقارنة ظلمت «الزيبق». فصالح مرسي ويحيى العلمي، كاتب ومخرج «رأفت الهجان»، لا يقارنان بوليد يوسف ووائل عبد الله، كما أن كريم عبد العزيز، رغم موهبته، لا يقارن بمحمود عبد العزيز.

منافسة شديدة وقصص مستهلكة

مشهد من مسلسل «رأفت الهجان»

حين عُرض «رأفت الهجان» و«دموع في عيون وقحة» وغيرها من الأعمال المخابراتية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت المنافسة أقل وقتها، لأنه لم تكن هناك سوى قناتين أو ثلاث قنوات مملوكة للتليفزيون الحكومي، ولا تعرض إلا عددًا محدودًا من الأعمال الفنية، أما الآن فنحن أمام ما يقرب من 40 مسلسلًا تُعرض في وقت واحد على عشرات الفضائيات، وبالتالي فالمنافسة شرسة.

هذا ضمن أسباب تراجع «الزيبق» بحسب ما ترى الناقدة منى الصبان، التي أوضحت لـ«منشور» أن عامل المنافسة أدى تدريجيًّا إلى تراجع أعمال مخابراتية أخرى في الحقبة الأخيرة، فأعمال مثل «العميل 101» و«عابد كرمان» و«حرب الجواسيس» ثم «الصفعة»، التي عُرضت في زمن الفضائيات، شهدت نجاحًا أقل.

ترى الصبان أن الفكرة واحدة في كل المسلسلات وإن اختلفت القصص، فدائمًا نجد البطل الذي يضحي بحياته من أجل وطنه خلال أداء مهمة استخباراتية ضد إسرائيل، ومع التكرار يقل الشغف لدى الجمهور تدريجيًّا، ويجعل مهمة صناع العمل أصعب. 

قد يعجبك أيضًا: كيف استغلت الأنظمة السينما للترويج للجيش والحرب؟

ضعف الثقة في الحقيقة والدراما 

مشهد من مسلسل «رأفت الهجان»

الفشل التدريجي لمسلسلات المخابرات لم يكن نتيجةً للمستوى الفني فقط، فالعامل التاريخي والسياق السياسي والاجتماعي له دور في التأثير في نفسية المُشاهد وتحضيره لقبول العمل.

الأجهزة التي تدير الدولة لها دور في وضع مصر المتردِّي، وبالتالي لا تحظى الأعمال التي تُنسب إليها بثقة الجمهور.

يرى الكاتب سليمان الحكيم أن هناك عاملين تسببا في نجاح «رأفت الهجان» وغيره من دراما المخابرات القديمة، أولهما قُرب الوقت بين عرض تلك المسلسلات وحرب 1973، فأغلب المشاهدين وقتها كانوا ممَّن عاصروا الصراع العربي الإسرائيلي عسكريًّا، وكان لديهم شغف لمعرفة أسرار وكواليس الصراع والحرب الخفية بين الطرفين.

قلَّ أثر هذا العامل تدريجيًّا مع مجيء أجيال تعودت منذ ولادتها كلمة السلام، واعتادت سماع كلمة إسرائيل بشكل طبيعي في أجهزة الإعلام على ألسنة الساسة وغيرهم، وليس كما كان يطلَق عليها قديمًا «العدو الصهيوني».

العامل الثاني في رأي الحكيم هو ضعف ثقة الجمهور في أجهزة الدولة التي تُخرج هذه الأعمال إلى التليفزيون، فالمشاهد يقرأ على صفحات التواصل الاجتماعي ويسمع من بعض وسائل الإعلام أن تلك الأجهزة تتمتع بعلاقات جيدة مع إسرائيل، وأنها تدير ملفات الاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية للدولة المصرية، ولها دور في حالة التردِّي التي وصلت إليها مصر، وبالتالي فإن الأعمال التي تُنسب إليها لا تحظى بثقة هذا الجمهور، لأنه لم يعُد يصدقها.

الواضح أن المشاهدين لم تعُد تغريهم حكايات التجسس على إسرائيل كما كانت في السابق لأسباب مختلفة، ومن الأفضل أن يركز صُنَّاع الدراما على نمط جديد من البطولات الوطنية، وهو تحدٍّ لن يتم بشكل جيد إلا بتعاون الأجهزة السيادية في مصر مع المعنيين بصناعة الفن.