فن وهندسة

كالوس يحترق: حزاية المسرح السياسي في الكويت

مشهد من مسرحية «هذا سيفوه»

منذ متى وبلادك تنصبك بطلًا لمسرحية لا تنتهي، توقفك على القدم الواحدة ناحية جمرة الأرض، فيما تحتفظ بالأخرى مرفوعة نحو جسد يخشى الانهيار على خشبة مسرحه؟ منذ متى وأنت تلعب الأدوار كلها، عبدًا صيروك، جلادًا وضحية سجانًا وسجينًا، طفلًا حالمًا أبًا مقاومًا؟ منذ متى وأنت تقتبس كل شيء حولك تريد بلادك أن تكونه، واقفًا على القدم الواحدة تحاول أن تكون بابًا أو نافذة وفي أسوأ التمثيلات حائطًا، لكن أحدًا لم يسندك فبقيت واقفًا ببلاهة منذ أول صرخة في أول مشهد، حتى آخر سقطة في المشهد الأخير؟

تموت ولم تجب على سؤالك؛ منذ متى وبلادك تنصبك بطلًا فيما تشدك ألبسة الضحية؟ ليس عبثًا كل ذلك، مسرح يسعنا جميعًا، والأدوار كالسلع المشتهاة تفيض في الاتجاهات كلها، وما علينا إلا أن نُعد الكواليس للبدء من جديد كلما انتهينا من أداء فرصتنا. إلا أن العبث يكمن في السؤال، من يكتبنا؟ لقد فاض الممثلون عن خشبة المسرح، وما يعوزنا إلا كاتب يزهر بالنص إذ ينظر إلينا، لقد نسيناه، وهنا مأزق.

منذ أول إرهاصات المسرح في الكويت كان المأزق ذاته. منذ البداية والمسرح يحبو بالنص الهزيل، ولم يُقوِ الضعف إلا ببعض أسماء نذروا حياتهم للمسرح، وجاءت الكتابة مع قرار الخوض في نزال المسرح ومعاركه، بدءًا من أول فكرة تخيلها على خشبة مسرح، إلى صفقة الجمهور وانتباهه، حينها كان الضعف قد سكن خشبات المسرح في الكويت، وتمكن من ممثليها، لذا لم يعد النص مشكلة فحسب، إنما هرم المسرح وتجاهله وتجهيله بات المشكلة؛ وصار السؤال فجأة: منذ متى وبلادك تنساك متفرجًا في مسرح لم يبدأ عرضه بعد؟ 

لقد هرم الجمهور الذي ينتظر عرضه منذ الثمانينيات، كأن مسارح البلاد تعطلت، وصار ممثلوها في كل حي يهربون من رقابته؛ رغم ذلك لم تعد الرقابة المسرحية في الكويت عائقًا وحدها، إنما الأمر في الكاتب بكل أدواته التي يحضر بها لأجل أن يكون، الكاتب في كل الأصعدة، من مؤلف مثقف، إلى ناقد منصف يحلم في نص مسرحي يشتهيه، ومن فنان حقيقي ومن منتج يتجاوز المادة مرة واحدة حتى يكون الفن فنًا لا سلعة تباع. لقد فشل كل هؤلاء منذ مدة، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الرقابة، بل كل شيء يحاذي المسرح.

هذا الإرث الثقافي من أدب، ومسرح، وموسيقى، وتاريخ، مجرد عتمة سوداء من يدخلها سيضيع في مكتبة ضخمة بلا فهارس.

إضافة إلى فشل المنتج/المؤسسة في تصدير المسرح الكويتي كمنتج ثقافي يرغب في أن يغادر حدوده الضيقة إلى حدود أكبر، كأن الحدود محصورة في الخليج وحده، خائفين من تجاوز الجغرافيا الضيقة إلى النطاق العربي، لتأتي أعمالنا بخطوات منكوسة، وجوازات سفر محدودة النطاق دائمًا، مما أسهم في شيء من الإلغاء للأعمال المسرحية الكويتية، رغم موازاة التجربة الكويتية للتجربة العربية في أوقات كثيرة، ومنافستها في أزمنة مضت.

كأن المركز العربي الكبير بثقله المعرفي ينأى عن الهامش المحلي/الخليجي، ليس تعاليًا أو رغبة في التجاهل والإقصاء، إنما إهمال الخليج وأبناءه للإرث الثقافي التراثي، والمسرحي والدرامي والأدبي وغير ذلك من مجالات، وعدم الحرص على استثمار هذا الإرث وقيمته المعنوية، مكتفين بالقيمة المادية وحسب، دون تبني أو حرص من المؤسسة على توزيعه ونشره كهوية تعرف الآخر بنا، ليبيت هذا الإرث الثقافي من أدب، ومسرح، وموسيقى، وتاريخ، مجرد عتمة سوداء من يدخلها سيضيع في مكتبة ضخمة بلا فهارس ولا تصنيفات ولا حتى دليل. مجرد ركام تاريخي يُبنى على بعضه لأجل أن يبقى، مجرد ركام لا شيء آخر.

زور ابن الزرزور: إسدال الستار على بطل ناقص بعض الشيء

بدأ المسرح السياسي في الكويت في ثمانينيات القرن العشرين، بكتابة مشتركة بين الكاتب السياسي عبد الأمير التركي والفنان المثقف سعد الفرج، في متوالية مسرحية، بدأت بمسرحية «حرم سعادة الوزير» لليوغوسلافي يرانسيلاف نوشيتش، والتي قام المؤلفان على تكويتها وتأديتها بنقد ساخر موجه لآلية اختيار الوزراء، وحالة الانتهازية التي يعيشها البعض سعيًا إلى تحقيق أطماع وفوائد بلا وجه حق. ليشتركا بعد ذلك في أعمال مسرحية أخرى تنتهج ذات الطابع السياسي والنقد الحاد مثل «ممثل الشعب» لذات المؤلف اليوغوسلافي، والتي تنتهج نهج «حرم سعادة الوزير» بطابعها النقدي، وبعدها مسرحيتا «دقت الساعة» و«حامي الديار» واللتان تعتبران ذروة المسرح السياسي الكويتي، بنقد يستبدل الرموز السياسية إلى نقد موجه لوجدان الفرد الكويتي، في إشارة إلى أن القضية لا تكمن في النائب أو الوزير أو حتى الجهاز المؤسسي، بل الفرد المواطن. وهذا التبدل الخطابي ليس له أن يكون لولا تأسيس الخطاب المسرحي السياسي الذي تجاوز حدوده في مسرحية «هذا سيفوه»، إذ كانت هذه المسرحية التي تناقش الوضع السياسي والاقتصادي في فترة قبل ظهور النفط في الكويت بمثابة النصال التي قضمت أطراف المسرح السياسي حتى جعلته هامشًا لا حضور له في فترة طويلة، وقوضت المسرح الكويتي بشكل عام واقعًا في رداءته المستمرة إلى وقت حاضر.

لولا «هذا سيفوه» لما تمادى الجهاز الرقابي المسرحي في مهامه، وينسب الكثير من الفنانين إليه هذا الدرك الذي وقع فيه الفن الكويتي، لأنه وبشكل غير مباشر كان يؤكد من خلال منعه لبعض الأعمال المسرحية، أنه لا يخشى المسرح باعتباره فنًا، إنما ردة الفعل التي تسببها كل مسرحية في الشارع الكويتي/العربي، خاصة مع موقعه الجاد الذي حظي به خلال تلك الفترة، يخشى اللحظة التي تهدد فيها خشبة كرسي وزير، أو غضب فئة من فئات المجتمع، رافعًا عن المسرح الكويتي بشكل عام براءته الفنية الأولى، ومشجعًا من جهة أخرى على انتهاج الشيطنة بحيل عدة، من الرمز والتورية.

وكلما سمحت للجهاز الرقابي الفرص لإعادة البراءة إلى المسرح الكويتي روى حكاية مسرحية «هذا سيفوه»، وبدلًا من أن تصير الفرصة حجة واضحة على سماحة المؤسسة الرقابية مع الفنون، صارت حجة عليه، حجة تتمادى في أدلتها حتى تؤدي بأصحابها إلى السجن، كما الفنان عبد الحسين عبد الرضا في مسرحية «هذا سيفوه».

خلال تلك الأعمال المسرحية كان التركي والفرج يحاولان التدرج بالذائقة الفنية للجمهور، وتأسيس مسرح سيًاسي اجتماعي يعتمد على نبرة خطابية مباشرة، انتقلت من حالة انتقاد الممثلين السياسيين في الكويت دون تعيين (وزير، نائب)، إلى انتقاد وجدان الإنسان الكويتي بكل أطيافه، وهي حالة أسست شيئًا من ألفة هذا النوع المسرحي غير المسبوق لدى المتلقي الكويتي/الخليجي. وبشكل ما، كان مسرحهما الخاص يشكل أبجدية متكاملة تشهد على الحقبة السياسية الحساسة في الثمانينيات من تاريخ الكويت، وتظهر كلامًا غير اعتيادي يصطدم بالمتلقي أولًا، ويحضه على التفكير باعتباره منظومة أخرى تجابه مؤسسات رسمية أكثر.

كانت ولادة المسرح السياسي في الكويت أشبه بمعجزة حبل امرأة عجوز، فلم تكن المؤسسة الرسمية في الكويت تطلب الدعم الإعلامي السياسي.

رغم أن أعمالهما أسست طرحًا ثابتًا غير قادر على تخطي نفسه، معطيًا سمة بنيوية تؤكد نفسها بتكرار الزمان والمضمون في أمكنة متعددة تحتضنها الكويت، فالمسرح السياسي حينها شرع في انتهاج نغمة ثنائية مركزة يكتبها عبد الأمير التركي والفرج ويؤديها سعد الفرج وفريقه المسرحي، مما أدى إلى أحادية تكمن في شأن داخلي وحده، دون الشأن الخليجي أو العربي، الذي لا يظهر إلا بشكل عاجل وسريع، وقضايا لا تتناول الهامش بقدر ما تتناول القضايا المركزية لفئة لها مركزها في المجتمع، كشخصية الوزير، النائب، التاجر، ممثلي الأحزاب الإسلامية السياسية السنية والشيعية، رئيس التحرير، وغير ذلك. 

لكن الهامش لم يطرح إلا هامشًا بلا توضيح أو عرض لحالته في ضوء الفترة السياسية والاقتصادية تلك. إلا أن الكاتب نبيل بدران والفنان عبد الحسين عبد الرضا تخطيا الحدود المحلية إلى قضايا الشأن العربي بمسرحية «باي باي لندن»، التي تطرقت إلى قضية لم تكن تؤدى من قبل، وهي الشتات العربي والعلاقة بين الخليجي والعربي، مع انتقاد عابر للأوضاع السياسية والاجتماعية العربية. ومن بعدها مسرحية «باي باي عرب»، التي استفاضت في العلاقات العربية وضياعها وتعاطي العرب مع القضية الفلسطينية، وكذلك مسرحية «فرسان المناخ» التي تتناول الأزمة الاقتصادية السياسية في الكويت ودول الخليج العربي.

في تلك الفترة (1988-1979) كان المسرح السياسي في الكويت مسرحًا تسجيليًا يملك ذاكرة تقاوم الإهمال والتجاهل، ويخشى بكل لحظاته أن يحين وقت الشراء والتحول، فلا يقول ما كان يملى في الأمكنة الإعلامية الأخرى مثل بعض الصحف وأقلامها المأجورة، أو المنصات الإعلامية الأخرى، بل ما يريد أن يقوله هو، دون تورية أو تستر على هاجس أو قضية، حتى أنه كان يتجاوز واقعيته إلى أفق مستقبلي مفتوح بمعطياته التي من خلالها تمكن النص المسرحي من التنبؤ بمستقبل الكويت وقضاياها. 

كانت ولادة المسرح السياسي في الكويت أشبه بمعجزة حبل امرأة عجوز، فلم تكن المؤسسة الرسمية في الكويت تطلب الدعم الإعلامي السياسي، ولم ترغب بتسييس الفرد على فكرة ستمر أمامه، فما كان يمهد الولادة إلا من أسس المسرح السياسي والجمهور. فكيف لمسرح يأتي هكذا، بصخب لم يباركه أحد ومجيء لم ينتظره فرد، أن يكن ظهوره أشبه بالنذير، يكشف عن نفسه في ظروف غير مناسبة، من حل مجلس الأمة، وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة، وحرب غير ملائمة تجري في الشمال لشعوب لم تألف الخراب بعد.

تجربة مسرحيات الغزو العراقي رفعت من سقف الطرح، لتتجاهل الرقابة لأول مرة محاذير منع التطرق إلى دول الجوار، عبر مشاهد سخرت من قادة بعض الدول العربية.

كان المسرح السياسي آنذاك نذيرًا لوجدان الفرد الكويتي، يحرق ستاره ويكاشف عريه الذي يغطيه بسخف الفكرة واندفاع الأنماط المتشابهة. 

حاول الكثير إخماد علو ذاك النذير عبر التخلص منه بعد الغزو العراقي خاصة، لكنه كان بمثابة الأسطورة التي تُستدعى بعد أعوام طويلة، في وقت تلى الغزو العراقي، إذ تشبع الجميع الصدمة، وصدمة التفاهة التي عوض خلالها البعض جزعهم، ليأتي النذير بصور متكررة، تصر الذات الكويتية على استعادته من جديد في ألفية جديدة، ليس تأكيدًا لوجود المسرح السياسي، أو اعتزازًا بالتجربة المسرحية في الكويت، إنما لتأكيد هزائم الفرد في ظل خيبات متتالية يمضي بها ناحية جحيمه. 

هكذا صارت المؤسسات الإعلامية الخاصة، لأسباب عدة لا تخص الشأن الفني وحده، تبحث عن اختفاء هذا الجنس المسرحي، وأخرى تحاول صنع مسرح يوازي المسرح المفقود، لنلاحظ أن الأمر ليس إلا أسطورة لم تدون، يحاول الكثير كتابة الحدث الرئيسي وتولي دور البطولة الشاغر. 

استجابت بعض المسرحيات السياسية في الثمانينيات بشكل غير واعٍ لنظرية الصدمة، إذ كان كتابها يؤرخون أحداثًا حساسة مرت بها الكويت والوطن العربي، متجاوزين التأريخ إلى سردية شفافة، لا تؤرخ وحسب بل تتجاوز إلى المساءلة والكشف عن مخاوف الإنسان الكويتي/العربي، وأحيانًا الوصول إلى مرحلة استهزائية تتهكم من مرارة الواقع بمزاج عالٍ لا يبالي ولا يتفاعل مع الحدث بجدية، إنما يقاوم بالسخرية.

هذا هو ما حدث في مسرحيات «فرسان المناخ» و«باي باي عرب» و«دقت الساعة» و«حامي الديار» بالتحديد، وهي أعمال ترغب بجدية في محاورة الشارع المحلي ونقله إلى مرحلة خلق الوعي، وتسييس الفرد الكويتي على هوية ترفض أخطاءها وتسعى إلى الإصلاح والحفاظ على الهوية الوطنية تارة، والهوية العربية من جهة أخرى.

لولا أن حالة الغزو العراقي للكويت بترت هذه الرغبة التسييسية، إذ تهاوى الفن الكويتي بعدها في تدوين وجعه الكبير بنسخ متشابهة الثيمة وتختلف في بعض القضايا وطريقة الطرح و«الإفيهات»، فنجد مسرحيات «عاصفة الصحراء» و«سيف العرب» و«مخروش طاح بكروش»، وغيرها من أعمال أتت للتنفيس عن صدمة الغزو العراقي، فقادت الفن الكويتي إلى عجز استغلال المناخ السياسي الحاد المحيط به بعد أزمته ونقله إلى المسرح، فلم تكن خيبة القومية العربية مطروحة بشكل واضح مسرحيًا بعد الغزو العراقي، إلا بمشاهد مسرحية مستعجلة يغلبها الهزل.

ورغم ذلك فإن تجربة مسرحيات الغزو العراقي رفعت من سقف الطرح، لتتجاهل الرقابة لأول مرة محاذير منع التطرق إلى دول الجوار، عبر مشاهد سخرت من قادة بعض الدول العربية التي اتخذت موقفًا مضادًا للكويت، لكنها حالة مؤقتة لم تدم طويلًا، ولم تُستثمر بطرح جاد بل كان طرحًا متدنيًا سطحيًا وُجد بغرض التنفيس والهزل. 

«هِنكن هِنكن»: مُسكن مؤقت لصداع مسرحي حاد 

ظهرت في التسعينيات بعض المسرحيات المكتوبة باندفاع القضية السياسية، بدءًا بمسرحية «انتخبوا أم علي» للكاتب محمد الرشود، وهي مسرحية تناقش أهمية المساواة بين المرأة والرجل سياسيًا، والسماح لها بالترشح لعضوية مجلس الأمة، وكذلك مسرحية «بشت المدير»، التي كانت بعنوان «بشت الوزير» لولا تدخل الرقابة على النص المسرحي وتحويله إلى صدام أخف وطأة مع المؤسسات السياسية في الكويت، مرورًا بمسرحية «الحكومة أبخص»، وهو العمل المسرحي الوحيد الذي يتناول قضية البدون في الكويت، وقبلها «استجواب» وهما للكاتب بدر محارب.

في فترة التسعينيات كانت المسرحية ذات الطابع السياسي تأتي مزودة بشيء من الخجل والتورية دون التصريح المباشر بالقضية السياسية، فلم تكن أزمة البدون في مسرحية «الحكومة أبخص» الحصول على الجنسية بل الحصول على «العبسية»، وقضية المرأة عضوة مجلس الأمة في مسرحية «انتخبوا أم علي» لم تكن سياسية في مجملها بقدر كونها اجتماعية، عدا بعض الأعمال مثل «استجواب» و«بشت المدير»، ومنذ ذلك الوقت صار المسرح في الكويت يسدد فاتورة مسرحية «هذا سيفوه»، بأمر من رقابة حادة المزاج تنفر من العمل المسرحي ذي النبرة السياسية ولا تعززه إلا إن كان يُطرح ملتويًا، برمزياته غير الصريحة دائمًا.

بهذا الدور الرقابي، ومع تراجع شهية الكاتب السياسي عن هذا النوع المسرحي، فقد المسرح السياسي دوره في الألفينات، واستمر ذلك إلى يومنا هذا، فنجد مسرحًا اجتماعيًا بشيء من الروح السياسية، كمسرحية «حب في الفلوجة» التي واجهت ما واجهته مسرحية «هذا سيفوه» من ضغط بعض الجماعات في الكويت رغم سطحية العرض المسرحي، إلا أنها لم تُمنع مثل سابقتها، لتعزز الرقابة فكرة الخروج عن النص المسرحي أكثر وأكثر، فلا تخلو المسرحيات من حوار جديد يجتهد به الممثل مناقشًا قضايا سياسية تلامس الفرد الكويتي، ولا تأتِ في سياق النص المسرحي وأجوائه دائمًا، بل كنوع من التذمر الهامشي المبتذل في كثير من الأحيان.

أدى ذلك إلى خلق فتور مسرحي كتابي، يُنفر الكاتب من مناقشة الأحداث السياسية في الكويت والخليج والوطن العربي. وبحالة أشبه بلامبالاة «الغريب» لألبير كامو، تعامَل الكاتب المسرحي منذ التسعينيات إلى الآن مع الواقع المحيط، وإن كتب راغبًا تخوف الممثل المسرحي عن أداء دوره بشيء من مجاملته إلى علاقاته الكثيرة التي تربطه ببعض المسؤولين، ليصير النص المسرحي مكتوبًا لا يشبه ذلك الذي يؤدى، ويتراجع المسرح الكويتي إلى أدوار هشة ليس من بينها وظيفة للمسرح دائمًا.

وبسبب التزام الفنان سعد الفرج بنهجه المسرحي السياسي الجاد، قدم مسرحية «عنبر و11 سبتمبر» عام 2007، وهي من تأليف القطري غانم السليطي، وتناقش تعامل الولايات المتحدة مع بعض أفراد دول الخليج والاتهام بالإرهاب، مع مرور عابر على قضية التطبيع. 

وتعتبر المسرحية من أهم الأعمال التي تتجرأ على الواقع الخليجي والعربي دون تورية أو ترميز، إلا أنها توقفت بعد عروض قصيرة بسبب ظروف إنتاجية مرتبطة بضعف الإقبال الجماهيري، لنجد أن أزمة المسرح السياسي الجديدة تتجاوز الرقابة القاتلة إلى موات جماهيري، تقتله تفاهته، وتستعبده مجاراةُ همجيةِ الواقع بأقنعة التجاهل والتجهيل، بدعم كريم من السيدة الرقابة، التي اجتثت عن المسرح الكويتي نزعة الجدية وجعلتها مقتصرة على المسرح الأكاديمي، والمرافق عادة للمهرجانات المسرحية في الكويت.

رغم ذلك، قدم الفرج بعدها أعمالًا مسرحية ذات إسقاطات سياسية كثيرًا ما وصفتها الصحافة بأنها «عودة للمسرح السياسي الجاد» رغم عدم تحقق ذلك كلًيا، من مسرحية «الطمبور»، ومسرحية «البيدار» التي يتقاطع مضمونها مع المضمون الذي يؤكده الفنانون عن مسرحية «هذا سيفوه» بشكل ما، ومسرحية «فانتازيا»، وجميعها من تأليف بندر السعيد، وتشترك في ترميز الواقع السياسي بشكل كبير، وطرح أسئلة سياسية مماثلة لأسئلة الشارع الكويتي، لكنها لا تقرأ المستقبل أو تشخص الواقع السياسي، ولم تكن ذات أصداء كبيرة.

علينا التوقف كذلك عند انعدام ذاكرة الجهاز الرقابي المسرحي في الكويت، ففي اللحظة السابقة التي منع بها عملًا سياسيًا صار يوافق على عرض مسرحية مرمزة تحمل ذات مضمون العمل المسرحي القديم وأشد منه.

ظلت مسرحيات الثمانينيات السياسية رتمًا تتكئ عليه المسرحيات في الكويت، فغالبًا ما تحاكي هذه المسرحيات مشاهد معينة من المسرحيات القديمة وتضيفها إلى العرض لأجل صنع موازاة مسرحية تحاكي البعد السياسي للقضية المطروحة، فنجد مشهد أعضاء مجلس الأمة المولود في كنف مسرحية «حامي الديار» يُقتبس ويكرر في أكثر من مسرحية مثل «مصاص الدماء»، رغم أن هذه المسرحيات تتناول قضايا سياسية خجول، وكلما سعت لكشف الستار عن قضاياها غطتها الرقابة بأغطية عدة، لتبعد الشأن السياسي عن الواجهة خشية تكرار تجربة «هذا سيفوه»، وكأنها تلعب أحجية تحب الرقابة أن تكررها، بشكل غير مباشر، لترسم خطوط المحظورات من جديد، فلا ينسى كاتب، ولا يتناسى ممثل فيخرج عن النص. 

يتلاشى حينها الكاتب المسرحي، فلم يعد للمسرح السياسي كاتب يتصدره، بل صارت المهمة من أدوار الممثل؛ مقدمًا خروجًا عن النص يستذكر عبره همًا عامًا أو مانشيتًا صحفيًا اهتم به الجميع، لتكون المسرحية ببعد سياسي «مزور». 

هنا علينا التوقف كذلك عند انعدام ذاكرة الجهاز الرقابي المسرحي في الكويت، ففي اللحظة السابقة التي منع بها عملًا سياسيًا صار يوافق على عرض مسرحية مرمزة تحمل ذات مضمون العمل المسرحي القديم وأشد منه، وحين كان يرفض أعمالًا مسرحية دون أن تعرض كمسرحية «قبل لا يكبر طيره» للكاتب عبد الأمير التركي فقط لأن الفنان خالد النفيسي أحد أبطال العمل توعد انتقاد أداء مجلس الأمة، فهو في المقابل يسمح لمسرحية أطفال بالعرض رغم أنها بمضامين سياسية رمزية تنتقد الواقع السياسية مثل «لعبة الكراسي» 2007 للفنانة هدى حسين، والتي تتحدث عن فكرة المناصب وإن كانت بقالب فكاهي للأطفال، وكذلك مسرحية «ساعة موريس» 2016 للفنانة هند البلوشي، والتي تتناول فكرة السلطة الظالمة والشعب الثائر. 

يوضح هذا لامعيارية الرقابة المسرحية ومزاجيتها، بل وعطب ذاكرتها التي تمنع وتسمح لعمل ما وفق أهواء الشارع وردة فعله الاستباقية. 

المسرح الجاد مؤذي: كيف تكتب مسرحًا سياسيًا وعنه بقلم مكسور؟ 

كان من الضروري دراسة اختفاء المسرح السياسي الكويتي بمعزل عن ارتباط الرقابة والعوامل الأخرى بذلك، ليس لتبرئة الرقابة والأسباب الأخرى التي أدت إلى هذا الاختفاء والموات، ولكن لأننا بشيء من التفحص ودراسة سيرة الأجناس الأدبية بشكل عام، سنجد أن أغلب الأجناس الأدبية كانت تمر بحالة من الاندثار والاختفاء الذي يتبعه الظهور الحتمي وعودة الجنس الأدبي، إما بالشكل القديم أو بشكل آخر تختفي منه بعض العناصر.

وهذا ما تؤكده نظرية موت الأجناس الأدبية، التي تشدد على أنها لا تموت كليًا بل تختفي وتضمر، ومن ثم تعود بصور جديدة، وقد تحقق ذلك مع المسرح السياسي في الكويتي، باعتباره جنسًا من أجناس المسرح الكويتي بشكل عام، بشكلين مختلفين.

الأول يؤكد أن المسرح السياسي في فترة الثمانينيات التي شهدت أفضل تجليات المسرح السياسي ما كانت إلا طفرة مسرحية، قطعت الحالة الأولى التي بدأها المسرح الكويتي بمسرحيات ذات الطابع السياسي كمسرحية «الكويت سنة 2000» (1965)، ومسرحية «بني صامت» (1975)، لتستكمل هذه المرحلة بعد ضمور فترة الثمانينيات المميزة بعروض مسرحية شبيهة بالبداية، كمسرحية «انتخبوا أم علي» ومسرحية «الحكومة أبخص» وغيرها.

أما الشكل الثاني فيؤكد أن مرحلة المسرح السياسي في الثمانينيات اختفت بشكل حقيقي منذ «هذا سيفوه» لكنها ستعود، وطيلة هذه السنوات نحن في انتظار عودتها إما بشكل يشبه الشكل الأول، أو يختلف عنه بعض الشيء متماشيًا مع التغيرات. 

ورغم أن حضور مسرحيات مثل «انتخبوا أم علي» و«استجواب» و«بشت المدير»، ومؤخرًا «الطمبور» و«فانتازيا»، حضور عابر ومستعجل ينقذ غياب المسرح السياسي في الثمانينيات، فإنه أحيانًا ما يكون حضورًا متقنًا وأصيلًا، وفي أحيان أخرى كثيرة يكون حضورًا ركيكًا يقلد الشكل القديم لكنه لا ينجح في ذلك أبدًا، ولا يحقق إلا التقمص بثوب جنس مسرحي يضيق عليه ولا يناسبه إلا في المسمى الذي يحب البعض تبنيه زورًا.

والتساؤل هنا هو عن مدى تصديقنا لعودة المسرح السياسي في الكويت مرة أخرى، من منظور رأي الكاتب المسرحي سعد الله ونوس الذي آمن بأن كل مسرح هو مسرح سياسي، وإن كان بلا قضية سياسية لكونه يتجاهل الواقع ويسعى للهرب منه أو «التعبير عن رأيه بموضوع مفارق». أما مسرح التسييس من وجهة نظره فهو المسرح الذي يحرض الجماهير على التفكير والتغيير. فهل تصنف هذه الأعمال المسرحية السابقة مسرحًا تسييسيًا؟ وهل تعد الأعمال المسرحية الأخرى جميعها سياسية تفضل تجاهل الواقع الحاد من واقع اجتماعي وثقافي وسياسي في الكويت، والانشغال عن ذلك بواقع متخيل يفضله الكاتب والممثل وحتى الجمهور المتلقي هروبًا من واقع بائس؟

كيف لي بالكتابة عن مسرح سياسي اختُلست شخوصه وحُرقت كواليسه بكل أسرارها؟

لأننا في سياق حديثنا حول المسرح السياسي في الكويت، فلا بد من توضيح حقيقة ارتباط النص المسرحي والسياسة، سواء كان العمل المسرحي سياسيًا بالقضية التي يعالجها كليًا أو ذا إسقاطات وأبعاد سياسية. ولا بد من التساؤل حول الحدود التي وصلت لها التجربة المسرحية السياسية الكويتية، فهل اكتفت بدور الذاكرة التسجيلية واختزانها بنص مسرحي فائض الشخوص، أم أنها تعدت الذاكرة التسجيلية إلى خلق ذاكرة جماعية لمتلقي النص/العمل المسرحي، وبالتالي تكوين ردة فعل تجاه القضية المطروحة، والتدخل بها بكونهم أجزاءً فاعلين يمكن لهم التغيير والإصلاح داخل الخشبة وخارجها. 

وهذا الأمر يعتمد على حضور المؤلف في نصه ومدى شهوته السياسية التي يطمح الوصول إليها وقدرته على خلق أجواء سياسية أخرى تتكاثف حول المتلقي المسرحي، وتغنيه عن التجربة السياسية البسيطة التي مر بها خارج النص/العمل المسرحي، واستبدالها بتجربة سياسية مسرحية خاصة تقضي على معطيات الواقع السياسي الخارجي إلى متخيل سياسية داخلي يفهمه المتلقي، لدرجة الرغبة في شراكة النص/العمل المسرحي. كما أن المقارنة واجبة بين النصوص المسرحية السياسية في الكويت، باعتبارها اصطدام اللغة بهاجس الفرد الذي طالما تلعثم بنطقه لأجل التعبير عن ذاته وقضيته مع المجتمع والمؤسسة، هنا فقط يتبين النص المسرحي السياسي، الذي يعبر عن هاجس الفرد من مجتمعه والسياسة التي تحيط به. 

أحاول أن أكتب، رغم أن النص أتى تأريخًا لتجربة مسرحية مشوشة، لكن كيف لي بالكتابة عن مسرح سياسي اختُلست شخوصه وحُرقت كواليسه بكل أسرارها، كيف لي ولغيري الكتابة وكل ما نجده عنه مجرد مقالات صحفية باردة ولقاءات تجدد أطلال مسرحيات نشاهدها مرارًا وصولًا إلى حفظها، دون دراسة أو بحث يفضي إلى آفاق رحبة. 

تجربة حولية المسرح العالمي ومجلة الفنون بحاجة إلى تجديد، والارتقاء بها إلى موقع إلكتروني أو إصدار ورقي يكثف الدراسات والبحوث المحكمة حول المسرح الكويتي والمسرح العالمي كذلك، للتخلص من السطحية النقدية التي ترافق الأعمال المسرحية، وتجاوز المقالات واللقاءات الصحفية التي تحاول اختزال تجارب مسرحية واسعة بسطور مستعجلة. 

لكن ذلك لم يكن، كأن حالة منع المسرح السياسي أُلحقت بحالة ضمنية تمنع الكلام عنه، وفي أحوال أفضل تقلل من الكلام حوله، ليكون التعاطي مع حالة غياب المسرح السياسي بشكل خاص وخفوت المسرح المحلي بشكل عام، شيئًا من المسلمات، شيئًا لا يولد الاستنكار، رغم أن اختفاء المسرح السياسي مؤشر يكشف عن حساسية إلغاء الإبداع في الكويت، خاصة الإبداع الذي يتقاطع مع الواقع الاجتماعي والسياسي دون تعبير حقيقي عن واقع الفرد وهواجسه التي لم ينفك عنها يومًا. 

هذا ما كان يؤكده الكاتب الراحل عبد الأمير التركي في حواره مع السنعوسي مصرحًا بأن «المسرح إذا لا يمس حياة المواطن الكويتي ويجسد قضاياه على خشبة المسرح سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا، فليس هناك مسرح ولن تستطيع أن تعمل مسرح، وهذه الرقابة قائمة على هَد هذا النوع من المسرح وبناء مسرح للرقص والشكشكة».

يبقى التساؤل عن الحدود التي توقف أمامها كل من الفرد والمسرح الكويتي تساؤلًا حساسًا، فهل موات المسرح الكويتي جزء من موات الفرد؟ وتلك الاعتباطية التي يقدمها المسرح الكويتي في كثير من العروض، هل تقابلها لامبالاة فردية؟ أم أن الأمر أبسط من ذلك ولا يحتمل كل هذا التعقيد؟ وإن كانت تلك التساؤلات يجاب عنها بنعم، فنحن إذًا إزاء عبثية خفية دمرت وستدمر الثقافة المحلية، ليس لأن موت المسرح يوازي موت الفرد، بل لأن موت المسرح لا يؤكد إلا موت الثقافة بأكمل صورها، والفرد روح الثقافة.