تحولات

الثقافة الهوليوودية: من الكود المسيحي إلى سياسات الهوية

التصميم: منشور

مهما تعددت وجهات النظر عن السينما الهوليوودية من النواحي الفنية والثقافية والأيديولوجية، فلا يمكن لأحد أن ينكر جانبًا جوهريًّا فيها، وهي أنها كانت دومًا تحمل كل صفات «الاستثمار الرابح»، ليس فقط على الصعيد المادي والتجاري، بل على الصعيد السياسي والأيديولوجي أيضًا. فهوليوود كانت دومًا أكبر من مجرد مصانع لإنتاج الترفيه والتسلية.

نعت هوليوود بالاستثمار الرابح لا يعني الانتقاص منها أو التقليل من قيمتها الفنية، بل على العكس من ذلك، إنه دليل على نجاحها الكبير وقدرتها الفائقة على الانتشار وتحقيق النجاح الجماهيري بشكل عابر للثقافات والحدود الوطنية واللغوية، ما يجعلها واحدة من أهم الظواهر الثقافية التي شكلت عالمنا المعاصر، وموضعًا لأكثر الرهانات الأيديولوجية صعوبة.

لن نتناول هوليوود هنا بوصفها ظاهرة سينمائية فقط، بل باعتبارها ظاهرة ثقافية شاملة، ولذلك سيكون حديثنا من خارج اللغة السينمائية وعناصرها الفنية والبصرية، وسنركز أكثر على السياقات التاريخية والسياسية لنحاول رصد أهم العناصر الأيديولوجية في التيار السائد «Mainstream» من السينما الأمريكية.

الفرضية التي سنطرحها أن هوليوود كانت دومًا منضبطة أيديولوجيَّا وأخلاقيًّا أكثر بكثير من الفكرة السائدة عنها، وهذا الانضباط بالذات أعطاها ميزتين أساسيتين: قدرة هائلة على الانتشار، وإمكانية مرنة لتمثيل الخطابات السائدة.

القدرة على الشر، أو لا «حرية قول» في السينما 

في الربع الأول من القرن العشرين أثارت السينما في السياق الأمريكي بوصفها اختراعًا جديدًا كثيرًا من الأسئلة الأخلاقية والثقافية، بشكل مشابه لما يثيره الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في أيامنا من أسئلة. مخرجو الربع الأول من القرن العشرين استطاعوا في أفلامهم الموجهة أساسًا إلى الطبقات العاملة أن يسخروا من القيم الأخلاقية الفيكتورية التي كانت الفئات الوسطى الأمريكية لا تزال تتبناها بجدية،(1) ساعدهم في ذلك الطبيعة الديناميكية للمجتمع الأمريكي وموجات الهجرة الواسعة القادمة من مختلف أرجاء العالم بما أدت إليه من عدم استقرار اجتماعي وثقافي.

المحافظون أخلاقيًّا وسياسيًّا راعهم خروج هذا الاختراع عن ما هو مألوف قيميًّا، ورأوا أن السينما تنتج تأثيرًا مدمرًا ليس فقط على الأطفال والمراهقين، بل على «الأميين والسذَّج»  من الفئات الأفقر لأن الصور المتحركة على الشاشة الكبيرة لا تخاطب العقل وحسب كما تفعل الصحافة والكتب، بل هي أساسًا تخاطب العواطف وتؤثر فيها.(2) وقد كانت هذه نظرة ثاقبة جاءت في وقت مبكر لفهم القدرات الأيديولوجية للسينما.

بناء على ذلك بدأت ولايات أمريكية عديدة، مثل بنسلفانيا ونيويورك وأوهايو، بفرض رقابة على الأفلام، ما أثار اعتراض بعض شركات الإنتاج الكبرى آنذاك، والتي خافت على قدرتها التسويقية. ولذلك رفعت شركة «Mutual Film Corporation»، عام 1914، دعوى أمام المحكمة الأمريكية العليا تتهم فيها الرقابة بمخالفة التعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يضمن حرية التعبير.

قرار المحكمة الحاسم في تاريخ السينما كان بالإجماع، وهو أن التعديل الأول لا يشمل السينما التي لا يمكن إدراجها ضمن مبدأ «حرية القول» كالصحافة مثلًا، بل هي نمط من «العرض الترفيهي» الذي تنطبق عليه إمكانية الرقابة. فهي تملك تأثيرًا كبيرًا، وسلطة قد تكون لاعقلانية لأن متابعتها لا تتطلب المعرفة أو إمكانية القراءة والفهم، وهي لذلك تملك «قدرة على الشر» يجب مواجهتها.(3)

إلا أن فرض قانون للرقابة على المستوى الفيدرالي كان أمرًا صعبًا بسبب البنية السياسية والقانونية الأمريكية، ما أخَّر ضبط السينما الأمريكية وتدجينها حتى الثلاثينيات.

«كود هايز» والسلطة المنتِجة للأخلاق

لقطة من فيلم «Bird of Paradise» - الصورة: RKO Radio Pictures

الكود الأخلاقي الذي تم تقديمه لصناع السينما تضمَّن وصايا تقوم على فكرة أن الأفلام لا يجب أن تقلل من المستوى الأخلاقي للمشاهدين.

لم تقتصر الضغوط التي تعرضت لها هوليود على القوانين الرقابية التي فرضتها بعض الولايات، بل كان هناك تدخُّل أخلاقي مباشر من المنظمات الدينية، بلغ أوجه مع تشكيل ما يدعى بـ«فيلق الحشمة الكاثوليكي» و«مكتب الأفلام البروتستانتي» اللذين عملا من وراء الكواليس على رقابة المنتج السينمائي، والدعوة بشكل علني إلى مقاطعة الأفلام التي لا تلتزم بالمعيار المسيحي.(4)

إلا أن المقصود من هذه الجهود لم يكن مجرد الرقابة، بل إحداث تغيير عام في التوجه السينمائي، وتأطيره بـ«القيم الأمريكية». ولذلك ما سعى إليه المحافطون لم يكن مجرد قص الأشرطة السينمائية وتقطيعها، بل وضع مفاهيم عامة وأكواد أخلاقية يعمل على أساسها صانعو السينما منذ البداية. أي إنتاج «بارديغما» عامة للسينما الهوليوودية (نسق متكامل من التعريفات والمعايير التي تعمل بشكل متسق وتنتج المعنى) تشكل البنية الأيديولوجية الأساسية التي يلتزم بها جميع الأطراف على اختلاف توجهاتهم، بوعي أو دون وعي.

في عام 1929 قام رجل الدين الكاثوليكي «مارتن كويغلي»، والكاهن اليسوعي «دانييل لورد» بصياغة كود أخلاقي من عدة بنود، وقدموه إلى الاستديوهات السينمائية الكبرى التي كانت قد اضطرت تحت الضغط لتعيين الكاهن المشيخي «ويل هايز» لضبط المعايير الأخلاقية للأفلام.

الكود الذي تضمَّن في صيغته البدئية عدة وصايا من نوع «لا تفعل» و«كن حذرًا»، يقوم بجوهره على فكرة أن الأفلام لا يجب أن تقلل من المستوى الأخلاقي للمشاهدين، ويجب ألا تحوي أي سخرية من «القانون الأخلاقي العام» أو تزيينًا لانتهاكه. وبما أن السينما تتعامل مع الواقع، بكل تعقيداته ومشكلاته، فمن الممكن إظهار الشر والخطيئة، ولكن مع الحرص على ما أسموه في ما بعد «قيمة التعويض الأخلاقي» الذي يأتي عادة على شكل عقوبة عادلة ومحددة للشرير، أو صوت أخلاقي ما يذكِّر الجماهير بأن الجريمة لا تفيد.(5)

هذا الكود الأخلاقي المسيحي الذي عُرِفَ بـ«كود هايز»، اعتُمِدَ رسميًّا عام 1930، إلا أنه لم يملك آلية واضحة لتطبيقه، ما مكَّن المخرجين والفنانين من التمرد على هذه الهيمنة الدينية المباشرة، وصناعة أفلام شديدة الجرأة والتمرد في الفترة بين عامي 1930 و1934، والتي عُرِفَت بفترة «Pre-Code Hollywood» (ما قبل الكود).

سيطر المتدينون على الوضع تمامًا مع تأسيس «إدارة كود الإنتاج» عام 1934 وإسنادها إلى الكاثوليكي المتزمت «جوزيف برين»، وصار فرضًا على كل فيلم أن يأخذ موافقة الإدارة قبل عرضه(6) في ما يعد لحظة فاصلة في تاريخ السينما غيَّرت مسار هوليوود بشكل جذري.

من الضروري الإشارة هنا إلى أن «كود هايز» احتوى في البداية مواد تحظر العري والتجديف والعنف الدموي والعلاقات المثلية جنسيًّا،(7) إلا أن هذا الجانب ليس الأساسي فيه. فالأساس هو التأكيد على مجموعة من القيم المسيحية العامة عن معنى الخير والشر والقانون الأخلاقي العام، إضافة إلى أربع تيمات مسيحية أساسية، كانت وما زالت حاضرة في عدد من أفلام هوليوود، وهي: المحبة والخطيئة والتضحية والخلاص. فهم الكود على هذا الأساس المرن مكَّنه من الاستمرار حتى أيامنا هذه رغم إلغائه رسميًّا في الستينيات. 

استطاعت الأفلام الأمريكية بفضل «كود هايز» التغلغل وسط جمهور جديد من الفئات الوسطى، ولو على حساب جمهورها المخلص القديم من الطبقات العاملة والطلاب والفئات الشعبية، وتمكنت من اكتساب طابع مسالم يبتعد عن طرح القضايا الإشكالية والشائكة بشكل مباش،(8) ما أوصلها إلى ما رآه بعضهم عصرها «الكلاسيكي الذهبي»، إلا أنه جعل كثيرًا من العاملين في السينما يعتادون على الكسل الفكري واللجوء إلى الصيغ الجاهزة، وهي صيغ حاول بعضهم في ما بعد استخلاص بنيتها الأساسية في ما يُعرَف بـ«صيغة هوليوود».

قد يعجبك أيضًا: هكذا تغير «الصوابية السياسية» مسارات السينما والتلفزيون

«صيغة هوليوود» وكلاسيكيات الحرب الباردة

«شارلي شابلن» في لقطة من فيلم «City Lights» - الصورة: Charles Chaplin Productions

عَمَل «كارلتون أيسوب» العميل لوكالة الاستخبارات في هوليوود على تغيير الصورة التي تقدمها الأفلام للأقليات العرقية لجعلها أكثر إيجابية.

سعى كثيرون طيلة عقود للتعرف على سر «الخلطة السحرية» التي تعطي أفلام هوليوود على اختلافها جاذبيتها الفريدة. بعض كُتَّاب السيناريو رأوا أنها تقوم على بنية أساسية تعتمد على عناصر ثلاثة: شخصية، تفعل شيئًا، الشيء ينجح (بمعنى الإشباع العاطفي للمتلقي، وليس النهاية السعيدة بالضرورة)، يتفرع من هذه البنية ما لا نهاية له من تركيبات ممكنة، مع الاعتماد المكثف على استثارة العواطف السبعة الأساسية التي حددها عالم النفس والانثربولوجي الأمريكي «بول إيكمان»، ورأى أنها عامة ومشتركة بين البشر على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم (المفاجأة، الرعب، الاشمئزاز، الخ).(9)

هذه الصيغة المكررة في غالبية الأفلام الشعبية كانت مناسبة ببساطتها الأولية لإيصال القيم الأساسية لكود هايز، والتي تقوم على الوضوح الأخلاقي البسيط. ورغم كل محاولات التمرد على السرد الخطي في الأفلام، فإن العناصر الأساسية لـ«صيغة هوليوود» بقيت مهيمنة.

إلا أننا نجد في وثائق الاستخبارات الأمريكية (CIA) المنشورة بموجب قوانين حرية الوصول إلى المعلومات مدلولات أخرى لـ«صيغة هوليوود». فبحسب التقارير المنتظمة التي كتبها «كارلتون أيسوب»، وهو عميل لوكالة الاستخبارات في هوليوود مهمته الأساسية مراقبة النشاط الشيوعي المفترَض، والسعي لفرض مفاهيم سياسية معينة، امتلكت CIA تصورًا واضحًا للشكل الفني الأمثل الذي يجب على الأفلام أن تتبعه، وضغطت لتطبيقه عمليًّا.(10)

يمكن اعتبار أيسوب رائد الاهتمام بالصواب السياسي «Political Correctness» والضغط لأجله. فقد راقب في عقدي الأربعينات والخمسينات الأفلام التي تُنتَج وكيفية تصويرها للحياة الأمريكية عمومًا، والصورة التي تقدمها للأقليات العرقية، وعمل على تغيير «الصور النمطية» عن هذه الأقليات وجعلها أكثر إيجابية، وإن كانت دوافعه تختلف عن دوافع أنصار الصواب السياسي في أيامنا، فهو كان يخشى من استغلال السوفييت للسينما الأمريكية للدعاية ضد «العالم الحر».(11)

في الوقت ذاته كانت حملة تطهير هوليوود ممن يُشتبَه بانتمائهم للشيوعية في أوجها مع صعود المكارثية، ووُضِعَت قوائم سوداء للفنانين المشتبه بانتمائهم الشيوعي أو مخالفتهم للقيم الأمريكية وكود هايز.(12) في هذا السياق لعبت حارستا الفضيلة الممثلة «هيدا هوبر» والصحفية «لويلا بارسونز» دورًا مهمًّا. فقد كتبتا بشكل منتظم في عدد من الدوريات الكبرى لتقديم عرائض اتهام بحق كل من تسوِّل له نفسه مخالفة القيم الراسخة.(13) وكان من ضحاياهما أسماء من وزن «شارلي شابلن» و«إنغرد بريغمان».

في هذا السياق المشحون بالفضائل شُنَّت حملات ملاحقة جماعية، أُجبِرَ فيها كثيرون على الاعتزال و«الاعتراف» والهجرة، في ما يبدو أنه تقليد هوليوودي راسخ، رأينا ما يشبهه مؤخرًا مع حملة «metoo#».

في تلك الفترة الصعبة من منظور الحريات الفنية التي حوصر فيها صناع السينما بين فيالق الحشمة وحراس الفضيلة والعملاء الحكوميين، أنتجت هوليوود كلاسيكياتها الكبرى التي لا تزال عالقة في الذاكرة حتى اليوم، وعملت الحكومة الأمريكية على وضع بنود في معظم الاتفاقيات التجارية التي عقدتها مع الدول الأخرى لزيادة حصة عرض الأفلام الأمريكية بالخارج.(14) على ما يبدو، فإن هوليوود تعمل بأفضل صورها تحت الضغط الأيديولوجي.

اقرأ أيضًا: في الدفاع عن الفن: الصوابية السياسية والستالينية الجديدة

عصر الثورة، أو الإيطاليون يحررون السينما الأمريكية

إعلان فيلم «Midnight Cowboy»

كان الحدث السينمائي الأبرز بعد إلغاء كود هايز هو فوز «Midnight Cowboy» بأوسكار أفضل فيلم، رغم مخالفته كل أساسيات الكود المسيحي.

إلا أن حدثًا شديد الأهمية على المستوى القانوني، وقع في الخمسينيات، كان له الدور الأبرز في تحرير السينما الأمريكية نسبيًّا من الهيمنة الدينية، وهو ما يُعرَف بقضية «قرار المعجرة» أو «بورتستين ضد ويلسون»، نسبة إلى الموزع السينمائي ذي الأصول البولندية «جوزيف بورتستين» المختص باستيراد الأفلام الأوروبية والمستقلة وتوزيعها.

والذي عرض، عام 1950 في نيويورك، فيلم «The Miracle» من إخراج الإيطالي «روبيرتو روسيليني» وبطولة المخرج الشهير «فيدريكو فيلليني»، وهو جزء من فيلم «L'Amore» الذي اشتهر أوروبيًّا في عام 1948. الفيلم الذي كان جريئًا بالنسبة إلى الذائقة الأمريكية المعتادة على الأفلام المنضبطة دينيًّا، أثار احتجاجات عارمة من المتطرفين المسيحيين، واتُّهم بالشيوعية ومعاداة مفهوم المرأة الفاضلة، ما دفع ولاية نيويورك إلى حظر عرضه.

إلا أن الموزع البولندي لم يستسلم، واستأنف الحكم لدى المحكمة الأمريكية العليا بدعوى أن حظر الفيلم يخالف التعديل الدستوري الأول، وكانت النتيجة أن ألغت المحكمة العليا قرارها السابق لعام 1915، وأقرت بأن الأفلام والسينما عموماً ينطبق عليها مبدأ حرية التعبير.(15)

كان هذا القرار أول مسمار في نعش الشكل التقليدي لكود هايز الذي اضطر لتغيير كثير من أحكامة وأساليب عمله، ويصبح أكثر مرونة في تعاطيه مع الفنون. وتدريجيًّا بدأت الهيمنة الأيديولوجية والسياسية على السينما تضعف مع مطلع الستينيات، وهو العقد الذي شهد ثورة الثقافات المضادة والانتفاضات الشبابية والطلابية، فأخذ المخرجون يتمردون على القواعد الصارمة المفروضة عليهم، بتأثير كبير من السينما الأوروبية التي كان مخرجوها يغوصون في الأعماق المظلمة للنفس الإنسانية والتاريخ والمجتمع.

بدا أن كود هايز قد تجاوزه التاريخ، ما أدى إلى إلغائه نهائيًّا عام 1968، واعتُمِدَ بدلًا منه نظام تقييم الأفلام المعمول به حتى اليوم.

كان الحدث السينمائي الأبرز بعد إلغاء الكود هو فوز فيلم «Midnight Cowboy» بجائزة أفضل فيلم في مهرجان أوسكار عام 1969، وهو فيلم جريء يخالف كل أساسيات الكود المسيحي.(16) ولذلك عرفت السينما الأمريكية في السبعينيات عددًا من أهم أعمالها وأكثرها عمقًا على المستوى الفني والفكري، على يد مخرجين مثل «مارتن سكورسيزي» و«فرانسس فورد كوبولا» و«ستانلي كوبرك»، وممثلين مثل «مارلون براندو» و«داستن هوفمان» و«جاك نيكلسون».

لا تكمن فرادة تلك الفترة في أنها كانت أكثر جرأة في تصوير العري والجنس والعنف وتعاطي المخدرات، بل في أنها خرجت أساسًا من التحديدات المسيحية للقانون الأخلاقي وثنائية الخير والشر والقيم المتعالية. في أداء براندو أو مشاهد كوبولا لا مكان للثنائيات المريحة والتحديدات الواضحة. لا خير ولا شر بقدر ما نرى الإنسان في مختلف حالاته بعيدًا عن التوجيه الأخلاقي والانحيازات القبلية.

إلا أن هذه الفترة الثورية بدأت بالاضمحلال تدريجيًّا منذ منتصف الثمانينيات، مع «الصحوة الدينية» وهبوب «رياح التغيير» التي أطاحت بجدار برلين، وأعلنت انتصار «العالم الحر»، بمشاركة فعالة من المجاهدين الإسلاميين وكاردينالات الكنسية الكاثوليكية والمبشرين البروتستانت. وعادت هوليوود تدريجيًّا إلى صيغتها القديمة المريحة. لم يحدث إحياء كود هايز رسميًّا، إلا أنه بقي كامنًا في خلفية عدد من الأعمال. يندر أن يشاهد المرء اليوم فيلمًا أمريكيًّا يسائل القانون الأخلاقي العام، أو يقدم مقاربة بعيدة عن الثنائيات الواضحة والصيغ التقليدية.

الكود «التقدمي» ونهاية الثقافة المضادة

كعادة هوليوود في فرض الأكواد الأخلاقية، أصبحت الصيغة الجديدة مفروضة بشكل أكثر قسوة. ومن يخالف يتعرض للتشهير بوصفه عنصريًّا أو ذكوريًّا.

لعل أحد أهم الفوارق بين الثقافات المضادة والفرعية التي سادت في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين وما يُعرَف بـ«ما بعد الحداثة» في المجال الثقافي (وأيضًا فنون ما يسمى بـ«ما بعد بعد الحداثة») أن الأخيرة ألغت التعارض بين الثقافة السائدة (Mainstream) والثقافة المتمردة لأنها ترفض الثنائية المفترَضة بين فن «حقيقي» تبدعه الثقافة المضادة، وفن «مبتذل» تكرره ثقافة المتن.

تجاوز هذه الثنائية له أسس مادية، فكثير من رموز ومظاهر الثقافة المضادة استوعبتها المنظومة السائدة، وصارت سلعًا تجارية مربحة. وبعد أن غزت الثقافات الفرعية المتن الثقافي في الستينيات والسبعينيات، انقلبت الآية في أيامنا، ودخلت كل أشكال التمرد ضمن بنية السائد و«الصحيح» والاعتيادي.

على هذا الأساس يمكننا الحديث عن تطور مهم في الكود الأخلاقي لهوليوود، بعد أن صارت حركات كانت متمردة في السبعينيات، مثل النسوية وحقوق المثليين والأقليات الدينية والعرقية، جزءًا من ثقافة السلطة، تدعمها حكومات ومؤسسات ثقافية سائدة وشركات كبرى ومنظمات غير حكومية (NGOs) (في الواقع هي حكومية جدًّا)، وتحولت إلى «سياسات هوية» هي العنصر الأساسي في الأيديولوجيا النيوليبرالية. إذ تحدث قولبة البشر ضمن هويات جماعية غير اختيارية، وتُختزَل مظاهرهم الحياتية ببعض الرموز الثقافية، في حين تُقزَّم مطالبهم إلى مجرد «الاعتراف».

هكذا أصبح من الممكن تركيب كود هوياتي مستحدَث على الكود المسيحي القديم، وإنتاج أفلام مهادنة اجتماعيًّا ومحافظة أخلاقيًّا ودينيًّا، وملتزمة في الآن ذاته بالنسوية أو حقوق المثليين وغيرها من مفردات سياسات الهوية. هذه الخلطة توصف أمريكيًّا بأنها «تقدمية» (Progressive).

وكعادة هوليوود في فرض الأكواد الأخلاقية، فإن هذه الصيغة الجديدة أصبحت مفروضة بشكل أكثر قسوة من الماضي. فإذا كان كود هايز رجعيًّا وكنسيًّا وسلطويًّا بشكل صريح، فإن الكود الهوياتي يقدَّم بوصفه تقدميًّا، ومن يخالفة يتعرض للتشهير بوصفه عنصريًّا أو ذكوريًّا أو غيرها من التهم المعروفة التي من السهل إلصاقها بأي مخالف، يمكن هنا قراءة أمثلة مدهشة عن أسلوب عمل هذا الكود الهوياتي وطريقته في إنتاج صيغ جديدة للعمل الفني في السينما والتليفزيون.

نشهد اليوم أدلجة صريحة ووقحة للسينما باسم قضايا «سامية» معينة، وتتحول المهرجانات السينمائية إلى مهرجانات خطابية مسيسة بشكل مبتذل. وتزول الفروق بين سينما المنظومة والسينما المستقلة، فتشهد مهرجانات السينما المستقلة، مثل مهرجان «ساندانس»، الأدلجة ذاتها، إذ تتكرر نفس الخطابات والقيم التي نجدها في أوسكار وغيرها من مهرجانات «المؤسسة».

لا يختلف «الصواب السياسي» كثيرًا عن قيم كود هايز وفضائل مكارثي وكارلتون أيسوب، فالأساس هو الوظيفة الأيديولوجية للفن، التي لطالما استغلوها لإنتاج ذوات إنسانية طيعة وقابلة لإعادة إنتاج البنى السائدة. كتب الفيلسوف الفرنسي «لويس ألتوسير» أن الفن الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد أيديولوجيا لأنه يستلزم «ابتعادًا، اتخاذ مسافة داخلية عن الأيديولوجيا» التي انطلق منها،(17) ومن الواضح أن هذه «المسافة» هي المستهدَفة مع فائض الفن «الصوابي» الذي يُغرِق أيامنا هذه.


هوامش

(1) Samantha Barbas,  How the Movies became Speech, RUTGERS LAW REVIEW, Vol. 64:3, 2012, P:673. 

(2) المصدر نفسه: ص 674

(3) المصدر نفسه: ص 680-683 

(4) Ted Baehr, Christian Cinema Yesterday, Today and Tomorrow

(5) Thomas Doherty, The Code Before 'Da Vinci', Washington Post, May 20, 2006

(6) Thomas Doherty, Pre-Code Hollywood, Sex, Immorality, and Insurrection in American Cinema, 1930-1934

(7) The Motion Picture Production Code of 1930 - Hays Code

(8) Doherty, Pre-Code Hollywood

(9) Bruno E. Thyke, Die Hollywood Formula – Wie Dir die Beziehungsfigur beim Entwickeln Deines Buches hilft

(10) ف.س. سوندرز، من الذي دفع للزمار، الحرب الباردة الثقافية، ترجمة: طلعت الشايب، القاهرة 2009 ، ص 318

(11) المصدر نفسه، ص 318-319

(12) Richard A. Schwartz, How the Film and Television Blacklists Worked

(13) Amy Fine Collins, The Powerful Rivalry of Hedda Hopper and Louella Parsons

(14) سوندرز، مصدر سابق، ص 316

(15) Frank Beaver, How a little Italian film made U.S. history

(16) Martin Cusack, Censoring Hollywood : Sex and Violence in Film and on the Cutting Room Floor

(17) لويس ألتوسير وأندريه داسبر، رسالتان في معرفة الفن، ترجمة: فريال جبوري غزول، مجلة "ألف"، 10 (1990)، ص 160