حرف جر

العلم يهزمنا: قراءة في قصة «الآلة تتوقف»

لقطة من فيلم «Modern Times» - الصورة: Charles Chaplin Productions

هذا المقال كتبته «ميم الحسيني» لـ«منشور»، وترجمته أمنية محمد إسماعيل.


كان «إِي إِم فورستر» قاصًّا وروائيًّا وكاتب مقالات، حاز شهرة واسعة برواياته الغريبة ذات الحس التهكمي، والحبكة الدرامية القوية التي تتفحص بدقة الفروق الطبقية والنفاق الاجتماعي في بريطانيا أوائل القرن العشرين.

قدَّم فورستر عالمًا مستقبليًّا في قصة الخيال العلمي الوحيدة «الآلة تتوقف»، وفيها يعيش البشر في عالم يتسم بالرقي الإنساني، فليست هنالك حروب أو جوع أو فقر، ولا يوجد عمل لأنه ليس هناك حاجة إلى المال.

يعيش الناس في هذا العالم المحكم المنظم الذي تديره «آلة» غامضة، مُكَدَّسين في خلايا تحت الأرض، معزولين عن بعضهم إلى حدٍّ يتلاشى فيه مبدأ العائلة، فذلك يرجع إلى فقدان إنسانيتهم بتحكم الآلة، وهذا ما نراه في علاقة «فاشتي» بابنها «كونو»، علاقة تلخص للمشهد الكُلي، جزءًا من صورة أعظم لكي تدرك بنفسك كيف تطورت الإنسانية وتبدلت، بل بالأحرى كيف اختفت.

الشيء الأهم الذي يجب أخذه في الاعتبار أن فورستر كتب هذه القصة عام 1909، وقت أن عاش الناس في خوف وحيرة من مستقبلهم، ومع تداخل التكنولوجيا الوليدة في أنماط حياتهم. كان كل هذا قبل الطفرة التكنولوجية المعروفة، ما يجعلنا نتساءل: هل كان متهكمًا أم متنبئًا؟

الآلة تتوقف: السيطرة

يرى قارئوا فورستر أنفسهم في عالم مثالي، لكنه في الحقيقة واقع أليم، والنبرة المتهكمة التي يستخدمها الكاتب تجعلنا نرى كم هي فارغة حياتهم.

للتوقيت الكتابي دور رئيسي في جوهر أي عمل أدبي، وتتضمن هذه القاعدة فورستر بطبيعة الحال. الكتابة بعقلية متخبطة مرتبكة لها دور أيضًا، والخوف من المجهول، وما يترتب عليه من عواقب، يؤثر في الطريقة التي يُنتَج بها أي عمل أدبي.

«تخيل إن استطعت»، همذا يمهِّد الراوي لقرائه الذين يعيشون على حافة عصر الحداثة ولا يعرفون شيئًا عن الماكينات المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة، قبل أن يحدثهم عن أناس يعيشون واقعًا افتراضيًّا ينعدم فيه الشعور بالآخر، أناس متطورون ومتحضرون لدرجة أن أُمًّا لا تربي طفلها أو تعيش معه.

لا شيء من هذا يتصل، بشكل واضح، بما نعرفه من عالمنا المألوف، إذ يظهر العالم في قصة فورستر مكانًا غريبًا جدًّا، ومتفرِّدًا تمامًا.

هذه القصة ذات الواقع المرير تنبؤية من عدة جوانب، فهي تتوقع ظهور الهاتف والتلفزيون و«الآي باد» والطائرات العامة، وترى قبل الأوان عصر الحاسبات والماكينات. ويكمن عنصر التنبؤ المتعلق بالعيش تحت الأرض أنه ربما يحدث قريبًا، بما أننا ندمر هذا الكوكب شيئًا فشيئًا كل يوم.

استخدام الكاتب لهجة تهكمية على لسان الراوي دلالة واضحة على خوف فورستر نفسه من المستقبل كما يؤكد عدد من النقاد، فالكاتب متحرر، ومناصر للإنسانية من أعماقه، ولا يؤمن بالعلم كدواء شافٍ لكل شيء.

يذكر «بول مارش-راسل»، مدرس الأدب المقارن بجامعة كينت، أن «مواطني عالم فورستر المحدود يرى أنفسهم أفرادًا من اليوتوبيا الذاتية». يرون أنفسهم في عالم مثالي، لكن الحقيقة أنه واقع أليم. وكلما ذكر الراوي عالمه المبني كخلايا النحل، تُدرِك أنت كقارئ كيف يدعو هذا الوصف إلى السخرية، إذ يعتقد المواطنون أنهم مشغولون وذوو أهمية.

يظهر هذا في شخصية فاشتي وهي تتحدث إلى ابنها، فتقول له دائمًا أن يهتم بالسرعة على حساب أي شيء آخر: «كن سريعًا يا كونو، فهأنذا في الظلام أضيع وقتي». لكن النبرة المتهكمة التي يستخدمها فورستر تجعلنا نرى عكس هذا، نرى كم هي فارغة حياتهم. فهم ليسوا مشغولين فعلًا، بل مثل الببغاوات دومًا يرددون ما يقال لهم. وصف الخلية المذكور بعيد كل البعد عن الحقيقة، فالنحل يعمل دائمًا، لكن هؤلاء البشر لا يحركون حتى عضلة واحدة، إنهم أشبه بقطع لحم متقطعة، ناعمون، مدلَّلون، غير مجبرين على العمل بعد أن حلت الماكينات محلهم، ويكمن التشابه الوحيد بينهم وبين خلايا النحل في شكل الخلايا فقط.

قد يهمك أيضًا: تقنيات الذكاء الصناعي: هل حان أوان القلق بشأن مستقبلنا؟

كان الدين ضمن الجوانب التهكمية المستخدمَة في الحكاية. في وقت صدور القصة، كان الناس قد بدأوا يتعاملون مع العلم باعتباره نقيضًا للدين، وأن الاختيار بينهما بالتأكيد سيكون في صالح العلم.

لعب هذا دورًا في «الآلة تتوقف»، إذ يعتقد الناس في عصر الماكينات أنهم أكثر تحضرًا من أن يتبعوا أي ديانة، لكنهم بكل إنكار كانوا يعبدون الآلة. هنا يعبُد صانع الآلات ما يصنع، رغم أنه يستطيع استبدال واحدة بأخرى، فالناس دومًا يتوقون إلى الأمان.

بطريقة ما، أدار مواطنو فورستر ظهورهم إلى الإيمان الديني واعتنقوا إيمانًا آخر بشكل غير واعٍ. يحسبون أنفسهم متحضرين، لكنهم مسلوبون، مجردون من التفاعل الإنساني، معزولون دومًا عن بعضهم. طريقة العرض هذه تبين للقارئ مدى غرابة هذا التناقض، إذ تفكر الماكينات وتتحرك نيابة عنهم، وتتحكم بهم.

تحكُّم الآلات فيهم يمكن رؤيته عندما تسمح لهم بإلقاء محاضرة أو الاستماع إلى الموسيقى، لكنهم لا يفهمون أنها بهذه الطريقة تتحكم فيهم. يقول بول مارش راسل إن الفن هنا موجود، لكن كأحد ملحقات الآلة للقدرة على حفظ النظام المجتمعي. طريقة المعيشة هي نفسها وسيلة فقدان ذاتهم والتحكم فيهم.

لا وجود للأفكار في هذا العالم

يرى بعض النقاد أن أبطال عالم فورستر يفتقدون التفاعل الإنساني عن طريق العيش في خلايا معزولة، ولا يملكون خيالًا لأنهم يتجنبون التجربة المباشرة. فعلى الرغم من استخدام فاشتي الدائم لكلمة «أفكار» من وقت إلى آخر، فإنها لا تملك أي أفكار، ولا تدرك معنى الكلمة أصلًا، وتفاجأت عندما وجد ابنها طريقه، ولم تفهم معنى أن يكون لك عقل مستقل.

تعد قصة فورستر تنبؤية بصيغة إنذار، فرغم أنه يعرض لنا عالمًا مدمرًا بنهاية مخيفة، فإنه يعطينا بصيصًا من الأمل.

الرسالة المهمة التي يهتم فورستر بتوجيهها هي التنبؤ المبكر فعلًا بما ستتسبب فيه التكنولوجيا، والتحذير من استخدامها للسعي وراء الراحة. إذ يقود العالم المثالي أو اليوتوبيا هنا إلى زيادة العزلة، والحياة في هذا العالم دائمًا ما تحول بين البشر والتجربة المباشرة.

كلما أصبحنا معزولين قل التعاطف بيننا. عندما قابلت فاشتي ابنها كونو وهو بالغ تجاوز مرحلة الشباب، ولم تكن قد رأته منذ ولادته، لم تعانقه أو تشعر ناحيته بأي عاطفة، لكن كونو أحب والدته، ولمسها في الحقيقة، وهذا شيء وجدته هي غريبًا. كونو استثناء في هذا العالم، لقد وجد طريقًا للخروج، وأراد أن يكون أكثر من مجرد خلية.

لكن الآلة تتوقف، ويصاب الناس بالذعر، فكل دمار وموت يخافون منه يحدث أمام أعينهم. على الرغم من ذلك، فإن التشبُّهَ بالنحل والغرابة يستمر عندما يقول الراوي: «وقتما تكلم كانت المدينة كلها تنهار كخلايا العسل».

تعد قصة فورستر القصيرة تنبؤية بصيغة إنذار، فرغم أنه يعرض لنا عالمًا مدمرًا بنهاية مخيفة، فإنه يعطينا بصيصًا من الأمل. يقول بول مارش راسل إنه «على الرغم من أن خلفية قصة فورستر مدمرة، فإن السرد يحافظ على عنصر مثالي باقٍ يتجاوز هذا العالم التكنولوجي البارد».

في النهاية، عندما يأخذ كونو أنفاسه الأخيرة، يقول: «نموت، لكننا استرددنا الحياة». وفي الوقت الذي تسأل أمه: «هل من أحد سيشغِّل الآلة؟»، يجيب كونو: «لن يحدث أبدًا، فقد تعلمت الإنسانية درسها»، وهذا هو الأمل.

قد يعجبك أيضًا: خطر التكنولوجيا: ماذا يخبئ المستقبل للمجتمعات البشرية؟

باختصار، هل نحتاج أن نمر بهذا كي نفهم ونتعلم؟

لغة فورستر الشاعرية واستخدامه للكلمات وصوره الواقعية بالنسبة إلينا نحن ترسل رسالة كبيرة، لا نستطيع تجاهلها عند التمعن في عالمنا الحاضر. خطوة بخطوة سنجد أنفسنا نخسر أمام العلم، وتتحكم فينا التكنولوجيا، وتجبرنا على اللعب بقواعدها، لكن هل سيكون هناك «كونو» لينقذنا؟