الشاشة

يسقط عمي وتسقط مرته: عن النساء المجنونات في «على الدنيا السلام»

كُتب النص الأصلي بالإنجليزية، وترجمته إلى العربية أسماء عسيري.


يُستخدم الجنون أداةً لإثبات الذات الأنثوية القوية، وهو موضوع يحاول أن يقوِّض أيديولوجيات ذكورية سائدة لا تزال تحصر النساء في حدود المنزل.

المرأة التي تحاول أن تكون قوية أو تحصل على حقها، غالبًا ما تُتهم بالجنون. وغالبًا ما يُستخدم موضوع الجنون وشخصيات النساء المجنونات كخطة نصية لنقد المجتمع وتعامله مع الأقليات، فتظهر النساء في الأدب ووسائل الإعلام الأخرى مجنونات أو يتظاهرن بالجنون أو يدفعهن المجتمع للجنون. 

من المهم ملاحظة أن هذا المقال يحلل كيفية تمثيل الجنون في التلفزيون، ولا يناقش تجارب حقيقية لمرضٍ عقلي. أنا ناقدة أدبية هنا، ولا أتناول الجانب الطبي للمرض العقلي. 

المرأة المحتجة مجنونة

تأريخ ظهور الجنون مهم، ويعدُّ كتاب «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، لميشيل فوكو، من أكثر الأعمال تأثيرًا في فهم المرض العقلي، وإسهامًا كبيرًا في العلوم والآداب. 

يعتقد فوكو بأن الجنون ليس بالضرورة حالة بيولوجية أو طبيعية، لكنها تُبنى اجتماعيًا، وتدعمها المجتمعات القمعية التي تهدف إلى التحكم في السلوك الإنساني وتنظيمه ومراقبته. درس فوكو إضفاء الطابع المؤسسي على الجنون وخوف البشر من «بهيمية المجنون، فقد أصبح المصاب بالجنون في منزلة أدنى من البشر وكبش فداء متوحش، ومن هنا تنبع الحاجة إلى حماية الآخرين».

بحسب فوكو، فإن المجنون قادر على التعبير عن الحقيقة والمنطق من خلال أقواله اللامنطقية، فهو قادر على أن يمنح «الحب للأحباب، وحقيقة الحياة للشباب، ونصف حقيقة الأشياء للمغرورين والمتغطرسين والكاذبين». ولعل النساء المجنونات أكثر من ذلك، إذ إنهن بجنونهن قادرات على تهديد النظام الذكوري.

أما في الأدب، فإن صورة المرأة المجنونة هي صورة محتجة تعارض النظام المهيمن غالبًا، بل وصوت الحكمة، فصوتها هو المنطق الصحيح، ذلك الصوت الذي يوظفه الكاتب لنقد المجتمع وقهر النساء.

«على الدنيا السلام» دراما كوميدية تكشف تعامل المجتمع الكويتي مع النساء والمصابين بمرض عقلي، وموقفه تجاههم، وأشكال ظلم النظام الذكوري المهيمن.

بعد أن أنهيتُ رسالة الدكتوراه عن الجنون في الأدب، اهتممت بكيفية تمثيل الجنون في مختلف وسائل الإعلام. بدأتُ بمسلسل تلفزيوني كويتي له مكانة خاصة في قلبي وأحن من خلاله إلى الثمانينيات، فأنا كأغلب الكويتيين نشأت على مشاهدة مسلسلات التلفزيون التي ألفها الكاتب الفلسطيني طارق عثمان، المتوفى عام 2004.

كان عثمان من أكثر كاتبي السيناريو تأثيرًا، وأنتج عدة مسلسلات فريدة في الثمانينيات، من أشهرها «خالتي قماشة» (1983)، و«رقية وسبيكة» (1986)، و«على الدنيا السلام» (1987). والجدير بالذكر أن لجميع الشخصيات النسائية التي كتبها طارق عثمان أدوارًا قيادية، وتؤديها غالبًا الممثلتان الكويتيتان حياة الفهد وسعاد عبد الله.

«على الدنيا السلام» دراما كوميدية تكشف تعامل المجتمع الكويتي مع النساء والمصابين بمرض عقلي، وموقفه تجاههم، وأشكال ظلم النظام الذكوري المهيمن، وتنتقدها. وتتمحور الخطوط الدرامية للمسلسل حول الشؤون الداخلية في الكويت كمجتمع، وداخل الأسرة كنواة.

«محظوظة» و«مبروكة» شقيقتان يتيمتان فقدتا والديهما مبكرًا، ويتابع المسلسل في 16 حلقة رحلتهما في مجتمع ذكوري يتركهما عاجزتين تمامًا، ولم تكن أي منهما محظوظة ولا مبروكة (الاسمان الساخران اللذان اختارهما طارق). وعبر المسلسل، يستحوذ على المشاهد شعور بالفقد والتراجيديا والفكاهة والكوميديا، فالجنون الذي دخل الصورة هو جنون يتسرب من خلال الأحداث جميعها. وفي نهاية المطاف، يدفع جنون المجتمع الشقيقتين إلى العودة لمستشفى الأمراض العقلية، حيث تلتمسان هناك ملجئًا من طغيان عمهما والمجتمع، وذلك بعد أن تعرضتا للقهر منه وزوجته. 

مستشفى المجانين

تبدأ الحلقة الأولى باستعراض الأذى الذي يحدث في داخل المنزل، إذ تأمرهما العمة الشريرة «هيفاء»، زوجة عمهما «أبي نبيل» (الدور الذي تؤديه الممثلة الراحلة مريم الغضبان) بتنظيف المنزل، ثم تأكل دون أن تقدم لهما أي طعام.

يُذكرنا هذا المشهد الافتتاحي بالصورة النمطية لحالة اليتيم، وأول ما يتبادر إلى أذهاننا «سندريلا». تكافح مبروكة لأداء أعمال المنزل، إلا إنها تعامَل باحتقار، وتعيش مع عمها وهيفاء وابنهما «نبيل»، الشاب الذي يعاني من إعاقة ذهنية ويصوَّر كشخصية كوميدية، وهذه أيضًا مسألة شائكة، فحين يمثَّل ذوو الإعاقة على التلفزيون، يظهرون بشكل ساخر ويُستهزَأ بهم. 

تهرب مبروكة من الزواج المدبر لها من نبيل وهي تقول: «أنا مجنونة واللي فيه خير يلحقني»، وتنطلق في الشارع مرتدية فستان العروس، وتلوح بيديها في الهواء باحثة عن أي سيارة تنقذها، فتسرق سيارة رجل عابر وتتجه مباشرة إلى المستشفى، حيث تلتقي بشقيقتها والقاطنين في هذا المكان الشبيه بالملجأ، شقيقتها محظوظة التي رمى بها عمها في المشفى مدعيًا جنونها، بسبب مطالبته لها بميراثها من والدها.

يتضح من هرب مبروكة أن قمع المجتمع الذكوري لا يتمثل في عمها فقط، بل وممارسات زوجته كذلك، المدبرة الرئيسية للهيمنة الذكورية في حياة محظوظة ومبروكة.

المستشفى مؤسسة تعيش فيها نساء غير مرغوب بهن، مجنونات احتُجزن بعيدًا عن المجتمع، ويلتقي المشاهدون بهن في عنابر مستشفى «المجانين»، وقد كانت محظوظةٌ محظوظةً بما يكفي لتنجو من العزلة، فتصادق النساء اللاتي نبذتهن أسرهن، وهن إما مطلقات منفيات، أو لم يتزوجن أبدًا وكبرن في العمر بما يكفي للتخلص منهن من قِبل أسرهن، أو نساء لم يعد أزواجهن يرغبن بهن.

لقد نُفين وهجرتهن أسرهن، فخذلهن المجتمع والجهاز الطبي أيضًا، ومعظم القصص التي يعرضها العمل لنساء احتُجزن ببساطة في المشفى بسبب ولي ذكر تخلص منهن.

يستنكر عمل طارق عثمان هذا الافتقار إلى الكفاءة المهنية الطبية، والرعاية الصحية الفظيعة، ونظام قانوني فاسد يساعد على احتجاز النساء خشية أن يكون لهن صوت.

إلا إن عثمان لم يغفل طرح شخصيات تعاكس هذا الواقع، فالدكتور «شرقان»، الشاب المتفهم الواعي، ينتبه لذكاء محظوظة ومبروكة، ويحاول جاهدًا مساعدتهما في الخروج من المشفى، لإيمانه بأنهما مظلومتان لا تعانيان من أي مشكلة عقلية، ويواجه عدم ثقة محظوظة ومبروكة به وخداعهما له، وهو أمر طبيعي وسط ما يواجههما في حياتهما.

يمثل الدكتور شرقان الوجه المعاكس لزوجة عمهما هيفاء، التي مارست كل سلطة ذكورية عليهما، من فرض أعمال منزلية، وإجبار مبروكة على الزواج، وحرمان محظوظة من حلمها في تكوين عائلة، بالإضافة إلى مساعدة عمهما في نهب أموالهما وتحريضه على قهرهما، واستغلال عدم دعم المجتمع لهما بمجرد اتهامهما بالجنون. بينما الدكتور شرقان يدعم ويساعد، ويحاول إقناع الدكتور «عقيل»، مدير المستشفى وعمهما، بإخراجهما من هناك. 

هذا التضاد هو ما يسلط الضوء على كون السلطة الذكورية قد لا تمارَس من قِبل رجل بالضرورة، فامرأة كهيفاء تمارسها في أقصى حالاتها أيضًا، بينما يمكن لرجل واعٍ مناهضة هذه السلطة الذكورية، كالدكتور شرقان.

«إحنا القضية في الملف»

في نهاية المسلسل، تفشل محاولات محظوظة ومبروكة في إصلاح المجتمع ووضعهما داخله، فتختاران العودة إلى المستشفى (بعد أن هربتا منه). 

وفي مشهد الختام المهيب، تزيل الشقيقتان العلامة التي تشير إلى مستشفى الأمراض العقلية، وتعكسان اتجاهها لتشير إلى «بقية العالم»، فتشير النهاية إلى عالم مجنون في الخارج، بينما هما عاقلتان تبحثان عن ملجأ في ملجأ، فيستعيد الملجأ معناه الأصلي.

بدأت مؤخرًا بعض حملات محاربة وصمة العار التي تحيط بالمرض العقلي، عن طريق تثقيف المجتمع وتوعيته بالأمراض العقلية.

تتضمن شارة النهاية أغنية تستحق كلماتها التأمل: «يا للأسف، إحنا القضية في الملف (...) لا من درى، ولا من عرف (…) في هذا الزمان الظلم يسبقنا ويفوز». هذا صوت الأقلية، وتجعلنا كلمة «قضية» نتفكر في وضع النساء، فهي ليست مجرد قضية طبية مخفية في ملف في مكان ما، وإنما قضية مسائل هُمشت وأخفيت تحت السجاد. تُظهر كلمات الأغنية بوضوح أن النساء لا يملكن حتى الآن صوتًا، بل وأن المرض العقلي لا يزال يعالَج كقضية يتعذر حلها. 

يجدر بنا أن نتأمل كيف لعمل أُنتج منذ أكثر من 30 عامًا أن يصور وضع النساء اللاتي يعانين من أمراض عقلية في الكويت حتى اليوم. ورغم أن هذا المسلسل مصنف كعمل كوميدي، ولا يزال كثير من الناس يتذكرونه ويضحكون منه ومن الشقيقتين المجنونتين، فإن أحدًا لا ينتبه للمجتمع المجنون الذي كان مجحفًا بحقهما. 

مضى أكثر من 30 عامًا منذ بث المسلسل، ولا تزال الجهود المبذولة لتحدي النظرة السائدة للمرض العقلي ضئيلة. وقد بدأت مؤخرًا بعض الحملات لمحاربة وصمة العار التي تحيط بالمرض العقلي، عن طريق تثقيف المجتمع وتوعيته بالأمراض العقلية. ويؤمن معظم هذه الحملات بتوعية المجتمع وقبول المرض العقلي كمرض مشروع، لا كمرض محرم أو مخزٍ أو يستحق الإخفاء.

من هذه الحملات «MIND me Campaign» (حملة اهتم بي)، التي تتميز عن الحملات السابقة بطريقتها التي ترتكز على المريض، إذ إن معظم الحملات تركز على المجتمع، في حين تختار «MIND me» تمكين المصابين بالمرض العقلي عن طريق منحهم صوتًا ومساحة آمنة لاكتشاف حياتهم باعتبارهم غير مهمشين، والتركيز على الفرد، وإفساح المجال لهزيمة وصمة الذات التي تعد مسألة أخرى تنبع من وصمة المجتمع.

نحتاج نحن، المجتمع، أن نبدأ في النظر بعين الاعتبار إلى كيفية معاملة النساء في الواقع، وفي وسائل الإعلام. ما هي الصور المضرة؟ وماذا يمكن أن نقول عن الصحة العقلية اليوم؟ وكيف نعامل المرأة العزباء؟ وكيف نتعامل مع ولي طاغ؟ ثمة كثير من المسائل يثيرها هذا المسلسل وتحتاج إلى دراسة مفصلة أخرى. أعمال ذات تأثير طاغٍ مثل «على الدنيا السلام»، وفي طرح كوميدي برسائل جادة جدًا، فإن دراستها تفصيليًا مسألة شديدة الأهمية.